الواجهة الرئيسيةمقالات

تعقيب على مقالة “حركة شهداء قرطبة.. موتى باسم الدين المسيحي”

كيوبوست

  • عبدالمجيد المدرع 

اطَّلعت على مقالٍ باسم “حركة شهداء قرطبة.. موتى باسم الدين المسيحي على يد مسلمين”، يتحدَّث فيه الكاتب عن ثورة مسيحية حصلت في زمن الأمير عبدالرحمن الأوسط، في قرطبة. وعن هذه الأحداث كتب مؤرخون مسلمون وآخرون كنسيون، والذين يختلفون بعضهم عن بعض في سرد تلك الأحداث. واليوم يعود بعض الكُتَّاب المسيحيين للحديث عن هذه الحركة، معتمدين على المصادر الكنسية، تاركين عناصر مهمة في الكتابة عن هذه الأحداث؛ وهي عناصر المصادر الإسلامية وكذلك المراجع التاريخية الأوروبية والإسبانية التي كُتبت من قِبَل مؤرخين ومستشرقين إسبان وأوروبيين كانوا بعيدين عن أجواء الكتابات المتعصبة أو المحسوبة على أحد الأطراف.

لذا سأقوم بتسليط الضوء على ما كتبه المؤرخون الإسبان والأوروبيون، مستبعدًا تمامًا المصادر التاريخية الإسلامية التي يُمكن للقرَّاء الرجوع إليها بكل سهولة، علمًا بأن مؤرخين عربًا منصفين في العصر الحديث تحدَّثوا عن هذه الحادثة بإسهاب، ونقلوا أقوال الأطراف المختلفة بكلّ حيادية؛ كأمثال العلَّامة محمد عبدالله عنان، في كتابه “دولة الإسلام في الأندلس”.

اقرأ أيضًا: حركة شهداء قرطبة.. موتى باسم الدين المسيحي على يد مسلمين

تعد مجموعة “تاريخ إسبانيا” للمؤرخ والفيلسوف الإسباني مينديث بيدال، أهم مرجع شامل لتاريخ إسبانيا عبر العصور، في 42 جزءًا مقسمة على 60 مجلدًا ضخمًا، وكُتب من قِبَل 400 مؤرخ إسباني وأوروبي، وشملت المجموعة كاملةً على 53 ألف صفحة. وقد شملت هذه المجموعة التاريخ القديم لإسبانيا، واليوناني والفينيقي والروماني والإسلامي في إسبانيا.. وغيرها من الحضارات التي دخلت إسبانيا. وقد اعتمدت هذه المجموعة على المستشرق الفرنسي والأستاذ في جامعة السوربون ليفي بروفنسال، في الجزء المرتبط بتاريخ إسبانيا الإسلامية (Histoire de L’espagne Musulmane)، والذي سأنقل منه بعضَ ما جاء به في كتابه، ولم يكن هو الوحيد الذي تطرَّق إلى مثل هذه الحركة من حيث السرد التاريخي البعيد عن التعصُّب؛ بل كان غيره كثيرٌ من المؤرخين الإسبان والأوروبيين الذين تحدَّثوا عن سَمَاحة المسلمين في الأندلس مع غير المسلمين، والذين عاشوا بينهم وحفظوا لهم كنائسهم وأديانهم وكتاباتهم بلغاتهم دون إجبارهم على تغييرها.

اقرأ أيضًا: الشهداء المسيحيون في إسبانيا الإسلامية قضية مسيَّسة

وقبل التطرُّق إلى ما جاء في هذا الكتاب، أشير إلى أن الكتابة التاريخية في العصر الحديث انتقلت إلى منحى جديد، متأثرةً بعلم التاريخ وفلسفة التاريخ؛ والتي لا تأخذ الرواية التاريخية كما هي دون دراسة وتدقيق وتمحيص، فنحى المؤرخون الأوروبيون في العصر الحديث هذا المنحى، وتبعهم المؤرخون العرب في عصر النهضة الحديث، وظهر منهم أعلامٌ في هذا المجال؛ كعبدالحميد العبادي ومحمد عنان وحسين مؤنس وسعيد عاشور.. وغيرهم ممن قاموا بدراسة ما جاء في مصادر التراث التاريخي الإسلامي، وقاموا بتدقيقه ودراسته دون التسليم بكل ما جاء فيه. 

لوحة تجسد إعدام المسلمين لمسيحيين في قرطبة رفضوا اعتناق الإسلام

في كتاب “تاريخ إسبانيا الإسلامية” بدأ مترجم الكتاب من “الفرنسية” إلى “الإسبانية”، إميليو جارثيا جوميث، بالتطرُّق في مقدمة ترجمته لكتاب ليفي بروفنسال، بهذه المقدمة التي أنقل بعضَ ما جاء فيها: (انتقلت الريادة في مجال تاريخ الغرب الإسلامي من الإسباني “كوندي” إلى الهولندي “دوزي” (إمام المستشرقين الأوروبيين)، ثم إلى الإسباني “كوديرا” الذي استطاع أن يخلّد ذكراه بالأعمال الكثيرة التي خلفها وبالمدرسة العلمية التي وفِّق في تأسيسها وبشفافيته التي أنارت قفارًا وإن لم يستطع سبر أغوارها. أما بالنسبة إلى رسو هذه الزعامة اليوم على الفرنسي ليفي بروفنسال -مؤلف هذا المجلد- فهذا مما لا يستطيع أحد المزايدة عليه. فأستاذ السوربون الأمجد هو الخليفة الحقيقي لدوزي العظيم، وهو الذي ينفذ المشروعات التي حلم بها “كوديرا”، كما أن حياته العلمية شديدة الخصوبة مخصصة كلها تقريبًا لدراسة الغرب الإسلامي. ومن بين الأمور التي أهَّلته لتولِّي زعامة الدراسات الإسبانية العربية دون منازع نذكر اكتشافاته المدهشة التي قاده إليها حُسن الطالع، وحيازته عديدًا من الوثائق الجديدة والثمينة والكم الهائل من الطبعات والترجمات والدراسات القصيرة والطويلة*).

غلاف كتاب تاريخ إسبانيا الإسلامية

يقول بروفنسال: (في أحد الأيام كان هناك أحد القساوسة من كنيسة سان أثيسلكو في قرطبة، يُدعى “برفيكتو”، بدأ بالحديث مع بعض المسلمين في المدينة وانزلق في حواره للحديث عن موضوع شائك؛ ألا وهو الخاص بفضائل المسيح ومحمد، بدأ الحوار في صورة وديَّة ثم أخذ إيقاع الحدة تدريجيًّا وبدأ بـ”رفيكتو” يفقد رباطة جأشه وانتهى به الأمر ليكيل السباب لنبي الإسلام)، فقد فصل بروفنسال في كتابه والمترجم إلى “العربية” من قِبَل المركز القومي للترجمة (ص 191- 195).

اقرأ أيضاً: فنون الامتزاج الحضاري: المسيحيون واليهود والمسلمون في تأسيس الثقافة القشتالية

ويشهد بروفنسال عندما يقول: (عاشت طائفة المستعربين -وهم النصارى الذين عاشوا بين المسلمين- القرطبيين في حالة ازدهار تحت حكم عبدالرحمن الثاني -وهو الذي حصلت في زمنه هذه الحركة- كما كانت شديدة التأثر بالنموذج العربي). فالقصة لا تُنفى من قِبَل المؤرخين؛ لكنها لا تؤخذ عندهم ولا تُنقل كما نقلها الكتاب الكنسيون الذين كانوا هم عماد المقالة التي تطرَّقت إلى القصة التي أخذت من كتَّاب الكنيسة وأهملت رأي المستشرقين والمؤرخين والمفكرين الإسبان والأوروبيين. لذا فإن ما أكتبه هو رد على منهجية المقالة الأولى المعتمدة على مصدر واحد كما وضحته آنفًا، ودون الرد بشكل تفصيلي على كل ما جاء فيها بشكل مفصَّل.

  • متخصص في التاريخ واللغات والترجمة

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة