ثقافة ومعرفةمجتمعملفات مميزة

تعرف على نظرية “تأثير الفراشة” في بناء الإنسان الخائف

كلمة صفيرة قد تؤدي إلى نتائج كبيرة!

كيو بوست –

جملة واحدة صغيرة مثل “إن فعلت كذا سيحرقك الله بالنار”، يقولها أب لطفله لكي يمنعه من ارتكاب خطأ، من الممكن أن تنتج في المستقبل إنسانًا غير مكترث بالقانون، وعبدًا لأي شخص صاحب قوة أو تابعًا لأي سلطة قمعية… كيف يكون ذلك؟

بحسب نظرية “تأثير الفراشة”، فإن الأحداث متناهية الصغر، قد تشكّل نتائج هائلة الاتساع. وإن تتبعنا طريق هذه الجملة في حياة هذا الطفل فسنجد أنها بَنَتْ جدارًا من الخوف في شخصيته، فتصبح تصرفاته مبنية على أساس الخوف لا القناعة، بمعنى أنه قد يتصرف بسلوك جيد، ليس قناعة منه بحسن السلوك، بل لأنه خائف من العقاب، حتى لو كان ذلك العقاب وهميًا.

اقرأ أيضًا: الغطرسة الاجتماعية مفتاح للنجاح؟ علم النفس يجيب

سيكبر الطفل حاملًا معه مشاعر الخوف والطاعة، ليتصرف على أساسهما فيما بعد، بالتالي إن كان مواطنًا في دولة ذات قانون غير فعال، وأتيحت له حرية الفعل، ربما سيرمي القمامة في الشارع في عمر السابعة، وسيقطع الأزهار المزروعة على الأرصفة في عمر العاشرة، أما في سن الخامسة عشرة فسيجرب أن يكسر مصباحًا في الشارع. وإن وجهت له سؤالًا عن سبب تصرفاته، فسيكون جوابه: “عادي، ما الذي سيحدث يعني!”، قاصدًا بذلك: “لا يوجد أي عقاب عندما أتصرف بهذا الطريقة”. بمعنى آخر، يفعل ذلك لأن الرادع لتصرفاته مفقود، بعدما تم تلقينه منذ الصغر بأن الخوف من الحرق –مثلًا- هو الذي سيحدد قراراته تجاه مسلكياته.

وإن شب هذا الطفل وقاد سيارته فغالبًا سيخالف إشارات المرور، ولن يضع حزام الأمان إلا خلال سيره بالشوارع المراقبة، أما من دون الرقابة فإنه سيستخدم السلوك المخالف للقوانين والأنظمة والأخلاق، لأن تصرفاته مبنية على الخوف من العقاب، وليس على القناعة بمنظومة أخلاق ومبادئ محددة.

وفي عمله، سيخضع هذا الشاب إلى هيمنة مديره صاحب السلطة والقوة، رغم علمه بأن مديره فاسد أو مستبد، لأنه تعلم منذ الصغر أن عليه طاعة صاحب السلطة، ومخافة العقاب، إن كان أبًا أو مديرًا أو مسؤولًا، وفكرة الخروج عن الطاعة مخيفة وغير منطقية بالنسبة له، لذا فهو يفضل أن يعيش تحت سيطرة مستبد على أن يخرج عن طاعته ويواجه عقابه، لأن العقاب وحده يكون محور تفكيره.

هذا التسلسل في بناء الشخصية، سببه جملة واحدة قد تقال لكل طفل عربي يوميًا، وبشكل عابر من قبل معلمته في الروضة أو والده في المنزل، في حين لو لم يسمع الطفل جملة من هذا القبيل، وحاول والده أن يتحدث معه عن سلبيات تصرف ما، وفتح حوارًا معه، لكانت اختلفت النتيجة، وتشكلت شخصية إنسان مقتنع بأفعاله وأفكاره، ليس خوفًا من الرادع القانوني فحسب، بل انتماءً لمبادئه، وحرصًا منه على صورته أمام نفسه. بهذه الحالة، فإن “تأثير الفراشة” الذي سيرافق الطفل ليشكل سلوكياته الكبرى ربما يكون جملة “إن فعلت كذا سيحرقك الله بالنار”.

 

مصطلح يعبر عن نظرية

مصطلح تأثير الفراشة هو استعارة لفظية تستخدم للتعبير عن نظرية “الفوضى”، وهي نظرية فلسفية فيزيائية تعتقد بأن الأسباب الصغيرة، لها تأثير واضح على النتائج على المدى البعيد.

وتعتمد هذه النظرية على ما يسمى بـ”حساسية الظروف الأولية”، أي أن النظام يكون حساسًا تجاه المتغيرات البسيطة التي تحدث منذ بداية عمله.

 

القصة وراء تأثير الفراشة

في بداية الستينيات، كان عالم الرياضيات والأرصاد الجوية الأمريكي إدوارد نورتون لورنتز يجرب نظامًا ابتكره للتنبؤ بحالة الطقس، فأجرى تجربتين؛ في التجربة الأولى أدخل بيانات رقمية بست خانات عشرية بعد الفاصلة متعلقة بالطقس، وتضمنت الرطوبة ودرجة الحرارة وسرعة الرياح …إلخ، إلى حاسوب نظامه المبتكر، أما في التجربة الثانية وفي محاولة منه لكسب الوقت، فأدخل الأرقام نفسها لكنه اختصر خاناتها العشرية من 6 إلى 3 خانات بعد الفاصلة، فظهر له رسمتان بيانيتان لكلتا التجربتين، النصف الأول من الرسمتين متشابه، أما النصف الثاني فمختلف تمامًا.

ظن لورنتز أن خللًا أصاب النظام في البداية، إلا أنه أدرك الخطأ الذي ارتكبه عندما أهمل 3 خانات من أصل 6 بعد الفاصلة اختصارًا للوقت، معتقدًا أن هذه الكسور الصغيرة جدًا لن تغير بالنتيجة لبساطة تأثيرها. ومن هنا جاء مصطلح “تأثير الفراشة”، إذ أن التفاصيل الصغيرة التي لا ندرك تأثيرها قد تكون سببًا في خلق التغيير مع التراكم والوقت.

 

فوضى منتظمة

قد تدعم نظرية “الفوضى” عشوائية سلوك نظام ما، نتيجة للظروف الأولية التي قد تأتي على شكل رفرفة فراشة مثلًا. وبناء على ذلك، فإن جزءًا كبيرًا من حياتنا لا يسير في اتجاه محدد وثابت، وغالبًا يأخذ شكلًا عشوائيًا وفوضويًا، وفقًا للنظرية.

وإذا لجأنا إلى خيالنا قليلًا، فبإمكاننا الاعتقاد بأن ترابط الأسباب والمتغيرات وتأثيرها ببعضها، يوضح مدى ترابط الكون وسيره ضمن نمط تتقاطع خلاله الأحداث لتصل إلى نتيجة واحدة محددة، وليس إلى أي نتيجة أخرى.

وهذا ما يوضحه الرسم الهندسي الذي يصور حالة الفوضى التي تمر بها دينامكية ما، إذ أن هذه الفوضى تتكرر ضمن نمط واحد في كل دورة للديناميكية.

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة