الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

تعذيب واختطاف واختفاء قسري.. الوجه المظلم لتركيا الأردوغانية 2-1

ليس من اليسير الحصول على شهادات حية حول هذه المسائل نظراً إلى أن غالبية الشهود لا يزالون يقيمون داخل الأراضي التركية ويخشون انتقام السلطات

كيوبوست- ترجمات

ترجمة: د.نور الدين تليلي♦

بعد خمس سنواتٍ من محاولة الانقلاب الفاشلة التي طالت نظامه، يبدو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في مأمن من محاولات انقلاب جديدة. ولكن بأي ثمن؟ في هذا المقال سنرى أن التعذيب أصبح أداة سارية يستعملها النظام التركي ذو التوجه الإسلاموي؛ للجم معارضيه وقمع مواطنين أتراك لمجرد الاشتباه بهم.

إسطنبول (تركيا). “نورسينا”، هي شابة تركية تبلغ من العمر 21 ربيعاً؛ كان من المفترض أن تتفرَّغ لدراسة الطب، وأن تحلم بمستقبلٍ زاهر، وأن تعيش بعيداً عن مشكلات لا تناسب سنَّهَا، لكن منذ اختفاء والدها في ظروفٍ غامضة، منذ ما يقارب ستة أشهر، انقلبت حياتها إلى جحيم؛ خصوصاً بعد أن وجدت أبواب الجهات الرسمية التركية موصَدَةً أمامها.

اقرأ أيضًا: كليانثيث كيرياكيديس لـ”كيوبوست”: تركيا تخالف مجلس الأمن وتسعى لتغيير الأنظمة بالقوة

والد “نورسينا” هو “حسين غالب كيسيكزيجيت”، 49 سنة، كان يوم المحاولة الانقلابية الفاشلة يشغل خطة موظف سامٍ لدى مصالح الوزير الأول، آنذاك، (أردوغان)، ويتمتع بصيت في الإدارة التركية. لم يشارك بصفة مباشرة في تلك المحاولة الانقلابية؛ لكن هذه المغامرة العسكرية التي لم تدم إلا بضع ساعات كانت كافية لتدمير حياته، حيث تعتبره السلطات التركية عضواً ناشطاً لدى جماعة الداعية فتح الله غولن، التي يتهمها حزب العدالة والتنمية الحاكم، بتدبير محاولة الانقلاب الفاشلة التي حدثت في صائفة 2016.

أثناء حديثنا معها، عبر الشبكة الاجتماعية، كانت الشابة “نورسينا” مترددة في الإجابة عن أسئلتنا، وأدركنا أنها كانت تتجنَّب الخوض في قضية والدها؛ وذلك خوفاً من ردة فعل سلطات بلادها. فبعد فصله من وظيفته تم سجن والدها احترازياً في انتظار محاكمته.

اعتقلت الشرطة التركية العشرات من أتباع غولن- “نيو يوروب”

في يوليو 2019 أدانته المحكمة الابتدائية وقضت بسجنه لمدة ست سنوات وثلاثة أشهر؛ وهي العقوبة الدنيا التي عوقب بها الكثير من أتباع عبدالله غولن الذين تمت محاكمتهم. لكن بعد استئناف الحكم الابتدائي تم إطلاق سراح والد “نورسينا” في انتظار إعادة محاكمته؛ بينما في نهاية سنة 2020 حدثت تطورات جديدة قلبت حياة “نورسينا” رأساً على عقب. فوالدها المنفصل عن زوجته كان يعيش وحيداً في أنقرة. في التاسع والعشرين من ديسمبر 2020  هاتف “حسين غالب كيسيكزيجيت” ابنته “نورسينا”، التي تُقيم في إسطنبول، وأعلمها أنه قرر زيارتها وقضاء عطلة رأس السنة الميلادية برفقتها؛ ولكن بعد بضع ساعات من إجراء هذه المكالمة الهاتفية انقطعت أخباره، فلا أحد من عائلته ومن أصدقائه يعلم أين ولماذا وكيف اختفى؛ خصوصاً أن سيارته تبخرت أيضاً في ذات اليوم الذي كان من المقرر أن يسافر فيه إلى إسطنبول.

منذ ذلك التاريخ بدأت الشابة “نورسينا” رحلة البحث المضني عن والدها المفقود؛ حيث إنها ما انفكت تتردد على مختلف المؤسسات الأمنية والقضائية، أملاً في الحصول على معلومة تساعدها على معرفة ما حدث لوالدها أو على الأقل معرفة المصير الذي لقيه بعد اختفائه.

اقرأ أيضًا: تركيا على قائمة الاتجار بالبشر.. هل تأخرت الخطوة الأمريكية؟

في كلِّ مرة تتلقى “نورسينا” رواية رسمية تزعم أن والدها فرَّ إلى خارج البلاد؛ خصوصاً أن العديد من أتباع عبدالله غولن لجأوا إلى اليونان المجاورة. “نورسينا” لا تؤمن أبداً بصدقية هذه الرواية المزعومة التي يرددها على مسامعها كل المسؤولين الأتراك التي اتصلت بهم أو كاتبتهم من أجل معرفة مصير والدها؛ فهي تؤكد أن هذا الأخير كان مقتنعاً بأن محكمة الاستئناف ستبرئه من التهم التي وُجِّهَتْ إليه.

وتضيف أنه لو حدث وأن محكمة الاستئناف أقرَّت الحكمَ الابتدائيَّ أو قامت بتشديده؛ فإن إنفاذ العقوبة سيتطلب حيزاً من الزمن لا يقل عن ثلاث أو أربع سنوات. وعلى خلاف السلطات الرسمية، تدحض “نورسينا” فكرة فرار والدها إلى خارج البلاد، مؤكدةً أنه ليس من المنطقي ألا يتصل بها والدها هاتفياً لإخبارها بمكان وجوده إذا ما افترضنا أنه في مكان آمن.

الداعية الإسلامي المعارض فتح الله غولن- أرشيف

منذ اختفاء والدها، ما انفكت الشابة “نورسينا” تطرق أبواب مختلف الأجهزة الأمنية والقضائية التركية التي لا تبدو متحمسة لفكرة كشف لغز تبخُّر والدها؛ فالسلطات التركية ترفض فتح تحقيق جدّي حول هذه القضية. كما أنها ترفض الإذن باستعمال تقنية تحديد مواقع الهواتف النقالة التي تمكِّن من معرفة الأماكن التي ارتادها والدها قبل وبعد اختفائه.

وتزعم ذات السلطات أن سجلات المشتركين لا تشير إلى وجود رقم هاتف خليوي باسمه؛ ولكن أمام إصرار ابنته وإحضارها ما يفيد امتلاك والدها رقم هاتف خليوي عمدَ بعض المحققين المُكلَّفين بالملف إلى استبدال رقم هاتف وهمي برقم الهاتف الحقيقي؛ وذلك لتضليل شركة الهواتف النقالة، ومن ثمَّ دفعها إلى عدم الاستجابة لطلب تحديد موقع هاتفه الخليوي. كما ترفض ذات السلطات البحث في سجلات كاميرات المراقبة المُثَبَّتَة في مختلف أنحاء الحي الذي يقطنه والد “نورسينا”.

بعد رحلة بحثٍ مضنية وغير مجدية، خلصت الشابة “نورسينا” إلى أن والدها تم اختطافه وإخفاؤه قسرياً. ولما سألناها عن الجهة المسؤولة عن هذه الأفعال غير القانونية، اعتذرت عن عدم ذكر جهات أو أسماء بعينها، معللةً ذلك بخشيتها من مزيد من تعقيد وضعية والدها المختفي ووضعيتها هي أيضاً؛ خصوصاً أنها لا تزال تعيش في تركيا ولا تفكر في مغادرتها.

اقرأ أيضًا: لماذا رفض “الإنتربول” طلباً تركياً لملاحقة عناصر جماعة “غولن”؟!

في بيانٍ صادر في الثامن من يناير 2021، أعلنت منصة منتصبة في مدينة بروكسل البلجيكية، وتضم عدداً من الدبلوماسيين الأتراك المقيمين خارج تركيا والمحسوبين على تنظيم عبدالله غولن، والذين تم فصلهم من وظائفهم، أن “حسين غالب كيسيكزيجيت” تم اختطافه من قِبل السلطات؛ وهو يخضع للتعذيب مثله مثل ثلاثين مواطناً تركياً اختفوا في ظروف مماثلة.

وفي تصريح خصَّ به موقع “ميديا بارت” يقول “حسين كونوس”، مدير هذه المنصة، إن طريقة وظروف خطف هؤلاء الأشخاص المتهمين بالضلوع في المحاولة الانقلابية تتشابه كثيراً؛ حيث يحدث هذا النوع من العمليات عادة في وضح النهار وأمام المارة.

في كل مرة تتوقف سيارة مدنية، وتنزل منها مجموعة من الأشخاص يحملون زياً مدنياً، ويقدِّمون أنفسهم على أنهم موظفون في جهاز المخابرات التركية. يقومون باقتياد الشخص المشتبه به إلى مكان غير معلوم ويحتجزونه، ومن ثم يقومون بالتحقيق معه على وقع التعذيب والترهيب لمدة تتراوح بين بضعة أيام وعدة أشهر.

تتعامل الشرطة التركية بقسوة – وكالات

وعند الانتهاء من التحقيق معه يظهر المشتبه به فجأة ومن جديد عادة في مخفر للشرطة أو مقر مغاير تابع للمخابرات؛ فجهاز المخابرات التركية يملك عدة مبانٍ تحت تصرّفه؛ من أهمها مبنى قريب من القصر الرئاسي بأنقرة يُسمى “المزرعة”، أين يقع احتجاز المشتبه بهم وتعذيبهم بعيداً عن أعين الفضوليين والشهود.

في تقرير صادر في التاسع والعشرين من أبريل 2020، قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، التي تُعنى بحقوق الإنسان في العالم، إنها جمعت معلومات وشهادات متواترة عن 24 حالة اختطاف وتغييب قسري لمشتبه بهم في تركيا منذ فشل المحاولة الانقلابية، وإنها تُحقق في مصير ستة عشر منهم.

اقرأ أيضًا: القمع التركي.. العابر للحدود

وأفاد نفس التقرير أنه ليس من اليسير الحصول على شهادات حية حول هذه المسألة؛ نظراً إلى أن غالبية الشهود لا يزالون يقيمون داخل الأراضي التركية ويخشون انتقام السلطات منهم. أحد هؤلاء الضحايا يُدعى “كوخان تركمان” كان قد صرَّح أمام هيئة المحكمة التي حاكمته بتهم مختلفة، بأن أعواناً تابعين لجهاز المخابرات التركية اختطفوه من أمام منزله ذات يوم من شهر فبراير 2019، ثم قاموا باحتجازه قسرياً طيلة 271 يوماً؛ حيث كان معصوب العينين ومكبَّلَ اليدَين والرجلَين طيلة مدة احتجازه. كما تم تعذيبه مراتٍ عديدة وبطرق مختلفة؛ أهمها حرمانه من الأكل والشرب والنوم. بعد انتهاء مدة احتجازه القسري تم إيداعه السجن الاحترازي في انتظار محاكمته.

باستثناء “حسين غالب كيسيكزيجيت” وشخص آخر لا يزال هو أيضاً مفقوداً، ظَهَرَ جميع المحتجزين من جديد في مخافر للشرطة بعد فترات متفاوتة من الاحتجاز المرفق بالتعذيب وسوء المعاملة.

حول هذا الموضوع لا تتهم منظمة “هيومن رايتس ووتش” جهاز المخابرات التركية بالضلوع مباشرة في عمليات احتجاز وتعذيب الضحايا؛ لكن ذات المنظمة تؤكد أن هذه العمليات خارج القانون تتم بإذن وعلم هذا الجهاز، حيث إن قانوناً صدر بتركيا سنة 2014 يمنع على المدَّعي العام التركي التحقيق مع أعوان جهاز المخابرات دون إذن رئيسه.

قمع الشرطة التركية- وكالات

وبما أن أصابع الاتهام كلها موجهة نحو هذا الجهاز؛ فليس بغريبٍ أنه لم يتم حتى الآن ملاحقة أي عنصر من عناصره بتهمة انتهاك حقوق الإنسان وممارسة التعذيب. كما نلاحظ أنه وإلى اليوم لم تتجرأ أية محكمة تركية أو المدَّعي العام التركي نفسه فتح تحقيق في مزاعم الاختطاف والتعذيب التي تعرَّض إليها عشرات المواطنين الأتراك المشتبه بهم بالانتماء إلى تنظيم عبدالله غولن، أو بالمشاركة في المحاولة الانقلابية الفاشلة. في هذا الإطار صرَّحت لنا ممثلة منظمة “هيومن رايتس ووتش” بتركيا، بأن هذه الانتهاكات المتكررة والصادمة لحقوق المتهمين لم ترَ لها مثيلاً في تركيا من قبل.

كما لم تلقَ هذه القضية أي اهتمام لدى الصحافة التركية التي تخشى هي أيضاً غضب السلطات. كما أن معارضي أردوغان يكنُّون نوعاً من الازدراء إزاء تنظيم عبدالله غولن؛ فالكثير منهم يعيبون على أتباع عبدالله غولن تحالفهم في وقتٍ ما مع حزب العدالة والتنمية.

تثير أوضاع حقوق الإنسان في تركيا جدلاً كبيراً- وكالات

وبفضل هذا التحالف تمكَّن العديد من مناصري غولن من الحصول على وظائف في صلب الإدارة التركية؛ خصوصاً لدى مصالح الأمن والجيش، لكن قبل أن تحصل القطيعة بين الطرفَين (حزب العدالة والتنمية، وتنظيم عبدالله غولن) تمت ملاحقة وسجن المئات من المعارضين؛ وهو ما لم ينسَه الكثير من الأتراك الذين أبدوا نوعاً من اللا مبالاة إزاء ما يتعرض إليه أنصار فتح الله غولن؛ خصوصاً بعد فشل المحاولة الانقلابية.

تقول ممثلة منظمة “هيومن رايتس ووتش” بتركيا: إن هذا لا يغيِّر شيئاً بالنسبة إلى توجهات منظمتها التي طالب مراراً السلطات التركية بوضع حد لهذه الممارسات الأمنية والانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي ازدادت وتيرتها منذ المحاولة الانقلابية الفاشلة، والتي تضع العديد من المواطنين الأتراك خارج حماية القانون؛ مما يجعلهم عرضة لانتهاكات خطيرة لحقوقهم الأساسية كحقهم في الاستعانة بمحامٍ للدفاع عنهم أمام المحققين والمحاكم.

اقرأ أيضًا: أوروبا ترفع البطاقة الحمراء في وجه تركيا بسبب حقوق الإنسان

وتضيف هذه المدافعة عن حقوق الإنسان أن منظمتها وثَّقت ستة عشر ملف انتهاكٍ خطيرٍ لحقوق مواطنين أتراك مشتبه بهم بالضلوع في المحاولة الانقلابية أو تم إيقافهم واحتجازهم قسرياً لأسباب أخرى لها علاقة بانتمائهم الفكري والسياسي. لكن منظمة “هيومن رايتس ووتش” تؤكد أن عدد الانتهاكات يتجاوز كثيراً ما تم توثيقه حتى الآن؛ حيث إن الآلاف من المعارضين أو المشتبه بهم في الضلوع في أنشطة مناوئة لحكومة أردوغان تم إيقافهم لفترات متفاوتة تتراوح بين بضع ساعات وعدة أشهر دون أن تُوَجَّه إليهم تهمة ما ودون أن يتم إطلاع ذويهم على سبب ومكان وظروف احتجازهم.

أستاذ متخصص في التاريخ والعلوم الجيوسياسية

المصدر: ميديا بارت

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة