الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

تعذر حل النزاع في كاراباخ ينطوي على مخاطر تطول كل المناطق المجاورة

يمكن للهدنة الهشة أن تجمد لفترة قصيرة أعمال العنف في منطقة ناغورنو كاراباخ.. ولكن المؤكد أن السلام لا يزال بعيد المنال.. وهنالك الكثير مما يجب فعله لحقن النزاع الذي يهدد بتشابك قوى خارجية مع عواقب كارثية وخيمة

د. دينيس ساموت♦

لا بد أن يُصاب الباحثون عن تفسيراتٍ بسيطة للقتال الذي اندلع بين أرمينيا وأذربيجان، خلال الأسبوعين الماضيين، بخيبة الأمل. فمنطقة القوقاز التي تقع على تقاطع الطرق بين أوروبا وآسيا والشرق الأوسط هي لغز معقد، يعكس تمازج الأديان والثقافات والأعراق التي تنافست وتعايشت واشتبكت في ما بينها على مدى قرون من الزمن. وعلى الرغم من طبيعتها الجميلة وتاريخها الغني؛ فإن ترابها قد ارتوى من دماء الجيوش من جهات الأرض الأربع. تتألف منطقة القوقاز من ثلاث دول رئيسية؛ هي أرمينيا وأذربيجان وجورجيا، تحيط بها ثلاث دول أكبر منها بكثير، هي روسيا وتركيا وإيران، وتقع على طريق ممرات الطاقة الرئيسية، وتتطلع إليها جميع القوى الاستراتيجية في المنطقة. ومن الجدير بالذكر أن منطقة القوقاز قد شهدت هذا الصيف أعداداً غير مسبوقة من المناورات العسكرية، شارك فيها عشرات الآلاف من جنود القوى المتنافسة؛ بما فيها حلف شمال الأطلسي وروسيا وتركيا والصين وغيرها.

عند السادسة من صباح الأحد 27 سبتمبر، اندلع القتال على طول خط الجبهة في منطقة ناغورنو كاراباخ بين القوات الأرمينية والقوات الأذربيجانية. بعد انهيار الاتحاد السوفييتي واكتساح الشعور القومي مختلف القوميات التي كانت تضمها الدولة السوفييتية، أعلن الأرمن الذين يشكلون معظم سكان إقليم ناغورنو كاراباخ انفصالهم بعد أن كانوا يتمتعون بالحكم الذاتي ضمن جمهورية أذربيجان السوفييتية؛ ما أدى إلى نشوب صراع دموي راح ضحيته عشرات الآلاف من القتلى، ومئات الآلاف من المهجرين، وترك إقليم ناغورنو كاراباخ وبعض المناطق المحيطة به في أيدي الأرمن. استمر وقف إطلاق النار الهش منذ عام 1994 إلى جانب عملية السلام المصاحبة له التي تقودها فرنسا وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية، ولأكثر من ربع قرن تناوب التفاؤل بالتوصل إلى اتفاق سلام مع اندلاع الأعمال القتالية، ولا يزال السلام بعيد المنال حتى الآن. وقد كشف القتال الذي اندلع في الأيام الماضية عن خطر ترك هذه الأزمة دون حل، وخطر احتمال تطورها إلى أزمة دولية كبرى تتورط فيها قوى خارجية.

اقرأ أيضاً: نزاع ناغورنو كاراباخ ومؤشرات فنون الحرب الجديدة

وجهة نظر أذربيجان

تقول أذربيجان إنها تقوم بعمل مشروع لتحرير أراضيها التي ترزح تحت الاحتلال الأرمني منذ أوائل التسعينيات. فالقتال يدور على أراضي إقليم ناغورنو كاراباخ المتمتع بالحكم الذاتي وست مقاطعات أخرى معترف بها قانونياً بوصفها جزءاً من أذربيجان. لذلك تصر أذربيجان على أنها تقاتل على أراضيها. وقد أصر الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، في عدة مناسبات في الأيام القليلة الماضية، على أن أذربيجان ليس لها أي مطالبات بأراضٍ أرمينية، وأن المشكلة سوف تحل فور خروج الجيش الأرميني من المناطق الأذربيجانية المحتلة. وتنظر باكو إلى عدد من الإجراءات التي جرَت خلال الأشهر الماضية؛ مثل اقتراح نقل برلمان سلطات الأمر الواقع في الإقليم من مدينة ستيباناكيرت إلى مدينة شوشا، على أنها استفزازات، وتلوم المجتمع الدولي على عدم تدخله.

اقرأ أيضاً: كيف يرى الخبراء مستقبل المواجهات بين أذربيجان وأرمينيا؟

وجهة النظر الأرمينية

في المقابل، تقول أرمينيا إنها تدافع عن سلامة سكان ناغورنو كاراباخ وأمنهم، وأن هذا سيكون دائماً الهدف الأسمى للسياسة الأرمينية. وقد كرر رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، مراراً أنه يريد حلاً للصراع بشروط مقبولة بالنسبة إلى أرمينيا وأذربيجان وجمهورية ناغورنو كاراباخ. أرمينيا، التي اتهمت أذربيجان بشن حرب جديدة، تقول إنها تدرس الآن خيار الاعتراف رسمياً باستقلال جمهورية ناغورنو كاراباخ. ومع أن هذه الخطوة لن تغير شيئاً على الأرض؛ فإنها ستحمل أهمية رمزية كبيرة، ويتوقع لها أن تقضي على أية فرصة لإنقاذ عملية السلام التي تقودها مجموعة “مينسك” التابعة لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي.

وحالياً، تتهم أرمينيا تركيا بأنها أصبحت طرفاً في الصراع، وأنها تدعم باكو بمقاتلين جهاديين. وقال باشنيان إن الصراع قد أصبح الآن صراعاً حضارياً يخوضه الأرمن إلى جانب أولئك الذين يحاربون الإرهاب العالمي.

نيكول باشينيان رئيس الوزراء الأرميني- “بي بي سي”

الاختلافات بين الروايتين أصبحت أكثر حدة

شهدت الأيام الماضية حالة من الهيجان الدعائي بين الجانبين؛ فالمصادر الأرمينية تقدم الصراع على أنه امتداد لإبادة الأرمن عام 1915، وأن الأرمن الآن يقاتلون تحالفاً من الأذربيجانيين والأتراك والإرهابيين المسلمين من سوريا وأفغانستان والعراق. ودعا القادة الأرمينيون إلى تحالف دولي لمكافحة الإرهاب لمساعدتهم على هزيمة هذا العدو الخطير.

اقرأ أيضاً: إبادة الأرمن على يد تركيا: حراك في سبيل الاعتراف الدولي

من جهتها، تقدم أذربيجان نفسها على أنها تناصر القانون الدولي، وتنفذ قرارات مجلس الأمن الدولي التي تدعو إلى انسحاب أرمينيا من أراضي أذربيجان. وتتهم الشتات الأرمني باختطاف سياسات بعض الدول؛ خصوصاً فرنسا التي ترى أذربيجان أنها فقدت أهليتها للعب دور الوساطة في هذا النزاع. كما تدَّعي أذربيجان أن الأرمينيين يستهدفون خطوط أنابيب الطاقة؛ مثل خط النفط بين باكو وتبليسي وجيهان.

اقرأ أيضاً: الرئيسان الأرميني والأذربيجاني يتبادلان الاتهامات وسط قلق دولي

القوى الإقليمية تلقي بظلالها على المنطقة

تتمتع كل من روسيا وتركيا وإيران بعلاقاتٍ وطيدة في منطقة القوقاز، وأسهمت جميعها في تشكيل القوقاز المعاصر من عدة نواح، وخاضت حروباً في ما بينها ومع آخرين من أجلها، ولا تزال تتنافس على النفوذ فيها، وأحياناً تتعاون مع بعضها إذا كان ذلك يخدم مصالحها.

أما في الصراع الحالي، فهنالك اختلاف كبير في معطيات الدول الداعمة لأطرافه. صحيح أن أذربيجان تتمتع بدعم تركيا الكامل، تحت شعار “أمة واحدة في دولتَين”، وأن الدعم التركي أصبح عاملاً رئيسياً في الأزمة الآن، إلا أن المبالغة في تقديره قد تسبب خللاً في التحليل السليم للوضع هناك. فلطالما دعمت تركيا أذربيجان لأسبابٍ عدة؛ أهمها علاقتها المتوترة منذ زمن طويل مع أرمينيا. وعلى الرغم من وجود بعض الخبراء العسكريين أو المرتزقة الأتراك الذين يساعدون الجيش الأذربيجاني؛ فإن هذا لا يعني أن الجيش التركي متورط بشكل مباشر في الصراع، الأمر الذي لن يحدث إلا في حال وقوع استفزاز كبير لتركيا. وعلى كل حال، فأذربيجان حريصة للغاية على إشراك تركيا في تسوية ما بعد الصراع، بينما أرمينيا سوف تفعل كل ما في وسعها لتقليص المشاركة التركية إلى الحد الأدنى الممكن.

الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف والرئيس التركي رجب طيب أردوغان- صحيفة “ملييت”

تتمتع أذربيجان بدعم باكستان، وبعلاقاتٍ وثيقة مع إسرائيل التي حصلت منها على أسلحة متطورة، بينما أرمينيا هي طرف في تحالف عسكري مع روسيا، غير أنها لا تستطيع تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك مع روسيا؛ لأن الصراع يدور على أراضٍ تتبع قانونياً لأذربيجان. كما أن روسيا حريصة على تنمية علاقاتها مع أذربيجان؛ لتشجيعها على عدم التوجه نحو المعسكر الغربي، فضلاً عن أن روسيا تشارك في ترؤس مجموعة “مينسك” التابعة لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي، وهي الآلية الدولية المكلفة بالمساعدة على حل النزاع.

اقرأ أيضاً: مواجهات ناغورنو كاراباخ تتصاعد.. دور تركي متزايد وحياد روسيأمريكي غير مفهوم

إيران

الصراع الحالي يستحضر الحرب إلى حدود إيران، ويهدد بتفاقم الوضع السياسي والعرقي المتوتر أصلاً فيها. وكما هي الحال بالنسبة إلى روسيا، تشترك إيران بعلاقاتٍ متينة مع طرفَي النزاع.  فأذربيجان تشترك معها بتاريخ طويل وتقاليد شيعية وعلاقات شعبية ترجع إلى ملايين الإيرانيين الذين ينحدرون من العرق الأذري في شمال إيران. ومن الجانب الآخر، تحتفظ إيران بعلاقات جيدة جداً مع أرمينيا، والمجتمع الأرميني في إيران يتمتع باحترام كبير. كما أن إيران لا ترغب في نشوب حرب كبيرة على حدودها، وتخشى من اقتراب جيوش أجنبية إليها تحت مسمى “قوات حفظ السلام”. فإيران التي تعاني حساسية دائمة من خطر التطويق، تنظر إلى هذا الاحتمال بخطر شديد.

الغرب يلعب دور المراقب لا أكثر

بقي الموقف الأوروبي والأمريكي محايداً إلى حد كبير؛ فالولايات المتحدة منشغلة بالانتخابات الرئاسية المقبلة، والاتحاد الأوروبي يحاول أن يجد لنفسه دوراً، إلا أن اتخاذ القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية يتطلب إجماع الدول الأعضاء السبع والعشرين، وهذه البيروقراطية تبطئ اتخاذ أي قرار.

اقرأ أيضاً: الأمن الأوروبي يتطلب نهجاً جديداً للتعامل مع الصراعات الدولية

مخاطر الاندماج بين سياسات الشرق الأوسط والقوقاز

شهد النزاع في الفترة الأخيرة نوعاً من التداخل بين السياسات في الشرق الأوسط والقوقاز، ولعبت تركيا الدور الرئيسي في هذا الأمر؛ فسياسات تركيا وتدخلاتها الفظة في الشرق الأوسط أثارت قلق بعض الدول، مثل مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. إن التقارير عن تجنيد تركيا لمرتزقة سوريين من القوات المعارضة للأسد للقتال في أذربيجان قد تكون فيها بعض المبالغة، والتقارير التي تتحدث عن أن الأرمن في لبنان والأكراد يقاتلون إلى جانب أرمينيا لها أيضاً أساس من الحقيقة. صحيح أن النزاع في كاراباخ لا يزال بين الأرمينيين والأذربيجانيين، إلا أن تورط القوى الخارجية فيه يحمل مخاطر كبيرة على الأمن والسلام الإقليميين.

مقاتلون من قوات المعارضة السورية يستعدون للانتشار في ناغورنو كاراباخ- “ذا غارديان”

احتفظت الدول العربية تقليدياً بعلاقات جيدة مع أرمينيا وأذربيجان، وتوجد فيها جاليات فاعلة من كلا البلدين. ولن يجنِي أي بلد عربي أية فائدة من التدخل لمصلحة أيٍّ من طرفي هذا النزاع. في الحقيقة، يجب على الدول العربية أن تركز على الجانب الإنساني، وأن تساعد على إيجاد حل سلمي لهذه المشكلة، وبهذا فإنهم يقدمون خدمة لمستقبل أفضل للقوقاز والشرق الأوسط.

لقراءة الأصل الإنجليزي: Dennis Sammut – Karabakh 

♦مؤرخ بحث في نهاية الفترة البريطانية في الخليج، ويكتب بانتظام عن قضايا الأمن الأوروبي المعاصرة وشؤون الخليج، وهو مدير منظمة “لينكس أوروبا” ومقرها لاهاي.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات