الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

تعديل الدستور التونسي .. ورقة السبسي في مواجهة إقصائه

كيوبوست

في كلمته يوم الأربعاء 20 مارس في الذكرى 63 لعيد الاستقلال الوطني، دعا الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، إلى تعديل الدستور، وهو الدستور الذي كان قد تم إقراره في عام 2014؛ أي لم يمضِ على إقراره سوى أربع سنوات!

عن التوقيت، تأتي دعوة الرئيس التونسي بينما يفصل بلاده عن موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة أشهر (أكتوبر ونوفمبر 2019). وبعد مرور عامَين من تلميح مسبق للرئيس حول الأمر ذاته سعى مسؤولو حزب النداء (الذي ينتمي إليه الرئيس)، وقتها، إلى التخفيف من المضمون بالإشارة إلى أن التعديل غير مطروح الآن.

وتأتي الدعوة الرئاسية الصريحة اليوم كذلك في سياق تونسي عام شديد التعقيد والحساسية؛ فهناك الأزمة الاقتصادية التي تواجه البلاد منذ 2011، وأوضاع اجتماعية صعبة للمواطنين خلَّفت احتجاجات وإضرابات في نهاية العام الماضي؛ مثلما هناك مناخ سياسي مضطرب، واستقطاب سياسي علماني إسلامي، وصراع سياسي محتدم على مستوى الحكم وداخل مكوناته الحزبية الرئيسية، أدَّى في الشهور الأخيرة إلى نفور المانحين الماليين الدوليين بانطباع عام حول حالة عدم استقرار.

اقرأ أيضًا: الاستثمار السياسي في تونس: قطر تشتري “بنك الزيتونة” و”الزيتونة تكافل”.

ووَفق ما يطرحه الرئيس السبسي -بشكل منضبط سياسيًّا politically correct فهناك أزمة في تأويل نصوص الدستور، وهناك صلاحيات أكبر يتمتع بها رئيس الوزراء على حساب رئيس الجمهورية. لكن ما لم يقله الرئيس في الاحتفال ذاته، هو أن التوتر بينه وبين رئيس الوزراء يوسف الشاهد، قد وصل إلى ذروته.

فقبل عام طلب السبسي من الشاهد الاستقالة، لكن الأخير وبدلًا من الاستقالة قدَّم حكومة جديدة بتحالف ضمني مع حركة النهضة. ثم كانت محطة الخلاف الأخرى بعد عدم استشارة الرئيس التونسي في تعديل حكومي أجراه  الشاهد العام الماضي! وهو ما تم على خلفيته تجميد عضوية الأخير في حزب نداء تونس، وتأسيس الشاهد حزبًا جديدًا هو “تحيا تونس”.

نظريًّا، فإن تونس التي عاشت عقودًا في ظل نظام سياسي مركزي رئاسي، ينتقص دستورها الحالي بشكل كبير من سلطات الرئيس مقارنة بما سبق، لصالح منح سلطات أكبر للحكومة والبرلمان.

وعمليًّا وخلف كل هذا، فهناك ضعف آخر في حالة الرئيس التونسي اليوم، أو إضعاف له إن أردنا الدقة؛ فمن ناحية فإن قائد السبسي الذي تم انتخابه بأغلبية برلمانية، يبدو أنه أمام محاولة تهميش واضحة من حكومة الشاهد بغطاء من النهضة التي تناور بورقة الشاهد لصالحها. ومن ناحية أخرى فإن  السبسي لم يعد يحظى بالنفوذ ذاته داخل البرلمان الذي أتى به إلى سُدة  الحكم بعد انشقاقات أصابت حزبه “النداء” مرة تلو الأخرى.

اقرأ أيضًا: تونس: السيناريو الأسوأ بعد عودة الجهاديين من بؤر التوتر.

إذن وفي مواجهة انتخابات قادمة بعد شهور، وإن كان الرئيس لا يملك تغيير قواعد اللعبة بشكل كبير، لكنه يملك بالطبع فرصة المناورة السياسية بالتلويح بما يملكه من صلاحيات دستورية حتى ولو كانت محدودة.

إنه ما قد يجبر خصومه الذين يحاولون إقصاءه على تقديم تنازلات، أخذًا في الاعتبار ما قد يخلفه حديث الرئيس من صدى لدى شارع قلق يخشى تداعيات تعقُّد المشهد السياسي أكثر على وضعه الاقتصادي والاجتماعي في ضوء ما قد يعنيه التعديل الدستوري من تأخير للانتخابات.

وبالطبع فإن ما أعلن عنه الرئيس التونسي قد يخلق مخاوف كثيرة في الغرب من أن تكون تونس على أعتاب تعثُّر سياسي جديد وخطر يهدِّد عملية التحول الديمقراطي فيها بأكمله بالبعد عن دائرة التوافق، وهو ما قد يخلق قلقًا حول استقرار تونس في بيئة إقليمية غير مستقرة.

وما يجعل ما يطرحه الرئيس مناورةً أكثر منها خيارًا واقعيًّا، هو تلك العقبات الدستورية والإجرائية التي تجعل من شأن تعديلات دستورية مطروحة من قِبَل الرئيس أمرًا صعبًا، وهو ما يعلمه الرئيس بالطبع.

فإن كان من حق الرئيس دستوريًّا -مثلما من حق ثُلث نواب البرلمان- المبادرة بطرح تعديلات دستورية؛ فإن أية مبادرة يجب أن تُعرض على محكمة دستورية  لم يتم انتخاب حتي الآن ثُلث نصابها من قِبَل مجلس النواب.

وهنا يظل السؤال ذات الصلة وفي حالة أن بادر الرئيس: فعلى أية هيئة سيطرح الرئيس مبادرته بالتعديل قبل التصويت عليها في البرلمان؟! ثم هناك المرحلة الثالثة (بعد المبادرة والعرض) وهي ضرورة موافقة النواب على مبدأ التعديل بغالبية الأصوات، وهو ما لا يمكله الرئيس السبسي في البرلمان حاليًّا، وحتى لو امتلكه، فهناك مرحلة ما بعد الموافقة على المبدأ؛ حيث ضروة موافقة البرلمان على مضمون التعديلات المطروحة بأغلبية الثُّلثين، قبل أن تطرح التعديلات لاستفتاء شعبي (الباب الثامن من الدستور التونسي الفصلان 143 و144). وهذا بالطبع مع الأخذ في الاعتبار أن حركة النهضة، صاحبة الكتلة البرلمانية الكبرى، على لسان نائب رئيس الحركة علي العريض، ترى أن “الوقت ليس مناسبًا للتعديل”.

اقرأ أيضًا:لماذا نجح داعش في استقطاب التونسيين أكثر من غيرهم؟

في النهاية، يبدو أن ما هو مطروح على لسان الرئيس حول جهوزية تعديلات دستورية لديه هو رسالة ضمنية، داخلية وخارجية، بأن الوضع لا يمكن أن يسير أكثر كما هو عليه الآن. وهي رسالة قد يكون لها بالطبع تداعيات بجعل المشهد في تونس أكثر توترًا وتعقيدًا، فالبلد الذي لا يزال يحافظ على حالة من الاستقطاب يتصارع أطرافه السياسية بشكل براجماتي بحت، دون قدرة على توافق أوَّلِى بالجهد حول أجندة لإنقاذ البلاد من كبوة اقتصادية يتحمل أعباءها المواطن التونسي وحده.. فهل ينتبه أحد؟!

 

حمل تطبيق كيو بوست على هاتفك الآن، من هنا

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة