الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

تصدير الموت والجريمة إلى اليمن

 كيوبوست

أعلنت البحرية الأمريكية، في يناير الماضي، احتجاز قارب في خليج عمان كان على متنه أسمدة تُستخدم في صناعة المتفجرات؛ بغرض تهريبها إلى اليمن. في الوقت ذاته، أعلنت البحرية الملكية البريطانية أيضاً ضبط آلاف الكيلوغرامات من المخدرات غير المشروعة في نفس المياه. بالنظر إلى خصائص تلك الشحنات، وتاريخ التهريب المتزايد في اليمن، فمن المرجح أن تكون إيران هي المصدر، وأن المتمردين الحوثيين هم المستفيدون من هذه العمليات.

يعود انخراط الحوثيين في تهريب السلاح والمخدرات والأدوية غير المشروعة إلى تسعينيات القرن الماضي؛ حيث كانت تستخدم المناطق الصحراوية والقاحلة على طول الحدود اليمنية- السعودية لتجميع وتهريب الأسلحة والمخدرات داخل وعبر اليمن. تصدرت محافظة صعدة، وهي معقل المتمردين، قائمة المحافظات الأكثر نشاطاً في هذه التجارة غير المشروعة.

اقرأ أيضاً: هل يعود الإرهاب إلى اليمن في ظل التطورات الأخيرة؟

المخدرات والأدوية غير المشروعة والأسلحة مصدر مهم لتمويل المتمردين، كما أنها عامل أساسي في طريقة عملهم؛ فمن خلال الأسلحة يزدادون قوة، ومن خلال الأدوية يندفع المقاتلون بلا هوادة في جبهات القتال، ومن خلال المخدرات يتم استقطاب وتجنيد الشباب والأطفال الذين يسهل قيادتهم فور إدمانهم. لا يرغب الحوثيون في بناء اليمن حتى يتجهوا إلى أنشطة غير هذه؛ فهم يؤمنون بأن حكم اليمن يجب أن يكون في يدهم لأسباب دينية، وأنه لا سبيل إلى ذلك إلا من خلال القوة، والغاية عندهم تبرر الوسيلة.

وعلى الرغم من أن المخدرات والأسلحة هما الأكثر لفتاً للنظر في نشاط التهريب في اليمن؛ فإنه لا يقتصر عليهما، فالبلاد نقطة مهمة في سلسلة تهريب البشر أيضاً، وتهريب المشتقات النفطية، وحتى تهريب أسلاك الكهرباء والأسمنت وغاز الطبخ.. وقائمة طويلة يصعب حصرها. التهرُّب الضريبي، وتوفُّر بعض السلع بسبب تلفها الناتج عن الصراع؛ مثل أسلاك الكهرباء، ورخص بعض المنتجات نسبياً مثل غاز الطبخ؛ هي من بين الأسباب الأساسية التي تجعل التهريب مزدهراً.

طفل يمني يحمل بندقية في استعراض حوثي مسلح في صنعاء- (إ.ب.أ)

في عام 2014، على سبيل المثال، كان تهريب المشتقات النفطية المدعومة حكومياً مزدهراً جداً؛ حيث يقوم المهربون بتهريب البترول والديزل الرخيص، بفضل الدعم الحكومي له، وبيعه في عرض البحر بالأسعار العالمية. في العام ذاته، رفعت الحكومة الدعم عن المشتقات النفطية؛ خرج على إثر ذلك القرار الحوثيون في تمرد أدى في النهاية إلى إسقاط الدولة ودخول اليمن في دوامة من العنف والانهيار.

تصدير الموت والجريمة

وحسب البحرية الأمريكية، في إعلان يناير الماضي، فإن القارب الذي تم احتجازه كان قادماً من إيران في طريقه إلى اليمن، وكانت الحمولة المخبأة على متنه هي 40 طناً من سماد اليوريا، المعروف بأنه مكون رئيسي في العبوات الناسفة محلية الصنع. ليست هذه المرة الأولى التي يتم فيها العثور على مواد تستخدم في صناعة المتفجرات، أو الأسلحة؛ حيث سبق أن تم اعتراض الكثير من الشحنات، والتي تشمل البنادق الهجومية وقاذفات الصواريخ وأجهزة الرؤية الليلية والمسدسات الكاتمة للصوت.. وغيرها.

اقرأ أيضاً: كيف يجعل الحوثيون المرض لصيقاً باليمن؟

أما القارب الذي اُحتجز بواسطة الأسطول الملكي البريطاني، فكانت على متنه كمية كبيرة من المخدرات تقدر بنحو 26 مليون دولار؛ وهي عبارة عن كميات من الهيروين و الميثامفيتامين و الحشيش والماريجوانا. وحسب وكالة الأنباء “أسوشييتد برس” فإن الفريق البريطاني لم يوضح من أين أتت الأدوية أو من صنعها أو وجهتها النهائية. لكن إيران -حسب وكالة الأنباء- شهدت على مدى العقد الماضي انفجاراً في استخدام الميثامفيتامين، والذي انتشر منها إلى البلدان المجاورة.

التقارير المحلية في اليمن، بما في ذلك تصريحات المسؤولين الحكومين، تؤكد تورط إيران في تهريب كميات هائلة من المخدرات إلى اليمن، والتي تقع في النهاية في أيدي أمراء الحرب؛ بمن فيهم الحوثيون. شهود عيان ومواطنون وتقارير من صنعاء -على سبيل المثال- يؤكدون انتشار الأدوية غير المشروعة والمخدرات في صنعاء، ويمكن العثور عليها بسهولة في الأسواق، بل وحتى محلات البقالة المملوكة من قِبل الحوثيين.

حرس الحدود السعودي يصادر كمية من الكوكايين المهرب من اليمن- AN

يؤدي هذا النشاط التخريبي إلى إثراء المتمردين الحوثيين، وازدهار اقتصاد الحرب، وتزايد نفوذ وقوة أمراء الحرب. يمكن أن يبيع الحوثيون لتنظيم القاعدة، ويمكن أن يبيع الإرهابيون للمجرمين الذين لا انتماء لهم؛ تتعامل مختلف الأطراف مع النشاط من وجهَين مختلفَين، أحدهما أنه مجرد تجارة، لا يهم فيها مَن الطرف المشتري أو المستفيد، والوجه الثاني أنه وسيلة للتسلُّح.

تساعد قوانين حمل السلاح المتساهلة في اليمن، والتي تم وضعها بتأثير من الإخوان المسلمين الذين كان يسطرون على مجلس النواب، في جعل تداول ونقل وبيع وشراء الأسلحة أمراً في غاية السهولة، وتوجد هناك أسواق معروفة له. وهكذا يمكن بوضوح كيف عملت الجماعات الإرهابية والمتطرفة على تصدير الموت والجريمة إلى اليمن منذ عقود من الزمن.

اقرأ أيضاً: تقرير أممي جديد حول انتهاكات جسيمة يرتكبها الحوثيون في اليمن

ما الذي يمكن فعله؟

يمتلك اليمن سواحل طويلة ومفتوحة على البحر الأحمر غرباً، والبحر العربي وخليج عدن جنوباً، من الصعب حماية هذه السواحل، حسب القدرات المتاحة حالياً؛ خصوصاً مع استماتة الجماعات الإرهابية والمتمردين الحوثيين للسيطرة عليها، كما رأينا في شبوة جنوباً والحديدة غرباً. تحتاج القوات الجنوبية إلى تدريب وتجهيز كبير؛ حتى تكون قادرةً على حماية سواحل المناطق المحررة جنوباً، والتي تعد إحدى أبرز نقاط التهريب. ومع ذلك، ستكون هناك، بطبيعة الحال، حاجة إلى المزيد من النشاط الدولي لحماية مياه اليمن والمنطقة من عمليات التهريب.

على الأرض، يتميز اليمن بتنوع التضاريس، وأغلبها صحار ومناطق وعرة؛ أدى ذلك إلى جعل الريف هو المكون الأساسي الأكبر للتوزيع السكاني، وقد أدى تشتت هذه الأرياف إلى صعوبة الوصول إليها وتوصيل الخدمات الأساسية؛ بما في ذلك التعليم والاتصالات. وبالنظر إلى الدور المهم الذي تلعبه المناطق النائية في عمليات التهريب؛ فيمكن مكافحة ذلك من خلال تجنيد السكان المحليين في قوات الأمن والجيش، وزيادة التعليم ورفع الوعي بين السكان وتشجيعهم على البلاغات، ورفع مستوى البنية التحتية، والحد من التهرب الدراسي. يجادل البعض بأن مثل هذه الإصلاحات تتطلب إنهاء الحرب أولاً؛ لكن من الجانب الآخر، لا يعني تأجيل هذه الإصلاحات في الواقع إلا زيادة أمد الحرب.

مقاتلون حوثيون شباب في صنعاء- “رويترز”

وعلى الرغم من الصورة القاتمة عن اليمن، وضياع أعداد هائلة من الشباب والأطفال بسبب الحرب والمخدرات والأسلحة؛ فإن هناك بعض الشباب أيضاً قد انشقوا عن تلك الجماعات، أو توقفوا عن نمط حياة “القبيلة”، وهم دائماً ما يُعبِّرون عن ندمهم ورغبتهم في أن يلحق بهم إخوانهم من الشباب الآخرين؛ وعليه، يجب تشجيع مثل هذه المبادرات، وتضخيم الأصوات المعتدلة، وترغيب الشباب في حياة التعليم والثقافة وتبني أنماط عيش باعثة للحياة والازدهار وليس للموت والجريمة.  

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة