الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

تشكُّل الولاء والهوية عند مسلمي فرنسا

نتيجةً لانخراط الكثير من القادة المسلمين في فرنسا في إعادة تشكيل الأخلاقيات الإسلامية لتتكيُّف مع السياق الفرنسي.. ظهرت الكثير من الخطابات والممارسات والمفاهيم المختلفة للولاء الإسلامي

كيوبوست- ترجمات

عبدالصمد بلحاج

عقب كل هجوم إرهابي يقوم به متطرفون مسلمون في دول الغرب، تُثار مسألة ولاء المسلمين للدول غير الإسلامية التي يعيشون فيها. ومؤخراً، نشر موقع “MDPI” المتخصص في نشر الأبحاث العلمية والفكرية، دراسة مطولة للمفكر عبدالصمد بلحاج، حول هذا الأمر؛ فالمسلمون كما يقول إينِر ويوسِل: “يجب ألا يثبتوا ولاءهم ونزاهتهم فحسب، بل عليهم أيضاً أن يحاولوا فصل المسلمين والإسلام عن أيديولوجية وأفعال الأقليات بارزة الحضور. كما يوجد خلاف في الرأي بين المفكرين والمنظرين المسلمين بشأن الولاء للدول غير الإسلامية؛ حيث يلتزم بعض المنظرين بالعقيدة السلفية القائمة على التحالف والإنكار (الولاء والبراء) في شرحهم لموقف (المسلمين) من الولاء وعدم الولاء. في حين أن بعض الباحثين يعتقدون أن هذه العقيدة هامشية في الإسلام المعاصر، بالإضافة إلى أنها غير كافية لاستخلاص أي استنتاجات منها. وعلى الرغم من إشادة السلفيين بهذه العقيدة؛ فإن المؤسسات الإسلامية الإصلاحية والشخصيات الدينية البارزة ينأون بأنفسهم عن مفهوم الولاء والبراء. وبشكل آخر مناقض، لا يُعرَف الكثير عن مفهوم الولاء وعدم الولاء لدى المسلمين الإصلاحيين”.

اقرأ أيضاً: منتدى الإسلام في فرنسا: هل هو بداية جديدة في العلاقات بين الدولة والمسلمين؟

يمثِّل الولاء وعدم الولاء إحدى القيم الأساسية في الأخلاق الاجتماعية؛ حيث يتم التعبير عنه في الكثير من طقوس القسَم والعادات الاجتماعية والتحالفات السياسية والمنافسات والصراعات الاجتماعية. كما يُستخدم الولاء وعدم الولاء، من ضمن أدوات أخرى، للتأقلم مع التحديات، ولمقاومة الضغوط والاستجابة للأزمات، ولاتخاذ الإجراءات الفردية والجماعية، ولصد هجمات المنافسين. بناءً عليه، يكون الولاء أو عدم الولاء عنصراً أساسياً في الهيكلة الاجتماعية (العائلة- العشيرة- المجتمع- الأمة.. إلخ)، والعمل السياسي (الحزب- الانتخابات- الائتلافات- الحروب.. إلخ)، وتكوين الهوية (الانتماء من ضمن المجموعة مقابل الانتماء من خارج المجموعة).

أدَّى السياق الأمني الذي نشأ في فرنسا منذ 1994 (كانت بدايته مع الهجمات الإرهابية التي نفذتها الجماعة الإسلامية الجزائرية المسلحة في فرنسا) إلى الكثير من التشكيك في ولاء المسلمين؛ فكان على المسلمين أن يُبرروا أسباب ارتباطهم بمجموعات أخرى، وأن يُثبتوا ولاءهم والتزامهم الحازم تجاه المجتمع الفرنسي والحكومة الفرنسية. لا توجد هذه الشكوك بولاء المسلمين بهذا الشكل العلني في أي من دول غرب أوروبا سوى في فرنسا؛ حيث تقوم الحكومات المختلفة وغيرها من المؤسسات الحكومية بالطلب من المسلمين أن يُظهروا ولاءهم بشكل مستمر.

على سبيل التوضيح، بعد حادثة إطلاق النار على “شارلي إيبدو” في باريس عام 2015، قال نائب رئيس بلدية نيس، كريستيان إستروسي، إن هناك “طابوراً خامساً” من الإسلاميين في فرنسا، ليكون رد دليل بوبكر، مدير الجامع الكبير في باريس، إحدى المؤسسات الإسلامية الكبيرة: “لا يمكن التشكيك في مواطنة وولاء المسلمين في فرنسا، وبعيداً جداً عن تشكيل أي نوع من (الطابور الخامس)، فإن مسلمي فرنسا، بغالبيتهم العظمى، مرتبطون بشدة بالأمة ويدافعون عن قيم هذه الجمهورية”. هذه النمطية في التشكيك بولاء المسلمين من قِبل السياسيين والمسؤولين الفرنسيين وردود المسلمين الشديدة الرامية إلى إثبات ولائهم باتت مستمرة على مدى الأعوام الثلاثين الماضية.

مظاهرة في بنغلادش احتجاجاً على تصريحات للرئيس ماكرون رأى فيها كثيرون إساءة للمسلمين- وكالات

نتيجةً لانخراط الكثير من القادة المسلمين في فرنسا في إعادة تشكيل الأخلاقيات الإسلامية لتتكيَّف مع السياق الفرنسي، ظهرت الكثير من الخطابات والممارسات والمفاهيم المختلفة للولاء الإسلامي؛ إلا أنه وعلى الرغم من ذلك، فلا يوجد لتاريخه أي بحوث تتناول مسألة الولاء وعدم الولاء في الإسلام الإصلاحي الفرنسي، وإنما تناولت البحوث القليلة الموجودة عن الولاء الإسلامي في أوروبا الغربية على الولاء في الأوساط السلفية. فالهدف الأساسي من هذا البحث هو سد هذه الفجوة ودراسة الولاء وعدم الولاء على اعتبار أنه بُعد من أبعاد الانتماء ومعيار ديني لبناء الجماعات وزيادة تماسكها حسب خطابات ثلاثة من القادة الإسلاميين في فرنسا، وهم: طارق رمضان وعبدالعلي مأمون ومنصف زيناتي المقرب من الإخوان المسلمين. تم اختيار هذه الشخصيات بسبب التفاوت الكبير في مهنهم وخلفياتهم العرقية وفي تبنيهم مناهج نظرية مختلفة في الولاء.

اقرأ أيضاً: تأسيس هيئة جديدة.. فرنسا تواجه حركات الإسلام السياسي

1- وضع البحوث في “الولاءات الإسلامية” في الغرب

كما ذُكر سابقاً، لا توجد الكثير من البحوث في ولاء المجتمعات الأوروبية الإسلامية؛ خصوصاً تلك الموجودة في فرنسا، ولم تبدأ البحوث في الولاءات الإسلامية في الغرب إلا عقب هجوم 11/9 عام 2001. ففي عام 2003، وضع الباحث إم إس سيدون كتاب “المسلمون البريطانيون: الولاء والانتماء”؛ بيَّن فيه أن ولاء المسلمين للمجتمع والحكومة البريطانية مشروط باعترافهما بالمسلمين؛ وأن وجود “حد أدنى من الولاء” أمر أساسي كونه يمكن أن يكون نقطة انطلاق للإصلاح الإسلامي في المجتمع الغربي. وفي عام 2017 وصف فابيان ترونج، كيف يخلق شعور الشباب المسلمين في فرنسا بأنهم مدينون لمجتمعهم قانوناً أخلاقياً “ضمنياً”، يشكِّل بدوره تضامناً بين الأحياء المتجاورة. فبالنسبة إلى ترونج، يعرِّف الشباب المسلم ولاءاتهم من خلال ديونهم الاجتماعية للأصدقاء والعائلة، ويحاولون حل صراع الولاءات الذي ينشأ من هوياتهم الاجتماعية المتعددة. وفي عام 2018، استكشفت إيمين أجالا، في كتاب “مسلمي أوروبا ومصالحهم في السياسة الخارجية: الهويات والولاءات”، ولاءات المسلمين الفرنسيين والبريطانيين في ما يتعلق بالسياسة الخارجية؛ خصوصاً بما يتعلق بفلسطين. ساعد عمل أجالا في فهم الولاء للسياسة الخارجية الفرنسية على أنه ولاء للحكومة الفرنسية؛ مما يجعل أي خلاف مع هذه السياسات بمثابة عدم موالاة (على الرغم من تغيُّر السياسة الخارجية الفرنسية عدة مرات في السنوات الأخيرة).

يمكننا التماس وجود عيبَين في الدراسات العديدة التي تمت منذ عام 2001؛ الأول هو تركيز العديد منها على السلفية والتي تمثِّل تفسيراً تتبناه أقلية في الإسلام المعاصر. ثانياً، ركَّز معظم البحوث في الغرب على المنطقة الأنغلوساكسونية؛ فلم تستفد المنطقة الفرنكوفونية -خصوصاً فرنسا- بالقدر اللازم من هذا الاهتمام في البحث عن ولاء أو عدم ولاء القادة المسلمين. بشكل عام، لا يزال هناك قدر صغير جداً من الفهم العلمي لمواقف المسلمين تجاه الولاء وعدم الولاء كعنصر من عناصر تشكيل الهوية في السياقات الأوروبية.

2- طارق رمضان.. تعدُّد في الهويات، الولاءات النقدية

كان طارق رمضان من الشخصيات البارزة في الإسلام الفرنسي بين منتصف التسعينيات وعام 2017؛ حيث قام بمئات الخطابات والمحاضرات، وأسَّس عدداً من المؤسسات والمعاهد، وربط شبكات مؤثرة من المشروعات والأفكار الإسلامية. إلى أن أدت عدة اتهامات بالاغتصاب والانتهاكات الجنسية في عام 2017 إلى وضع حد لنفوذه الهائل في ذلك الحين.

طارق رمضان- وكالات

ناقش رمضان الولاء بأسلوب منظَّم وموسَّع في كتابه (إيماني العميق) الذي نشره عام 2010. يناقش رمضان أنه ينظر إلى الولاء من منظورَين: الأول أن تعدُّد الهويات يعني تعدُّد الولاءات، والثاني أن الولاءات دائماً ما تكون نقدية وليست عمياء. في ما يتعلق بالمنظور الأول، يؤكد رمضان أنه “لا يمكن للمرء أن تكون له هوية واحدة، ولا يمكن أن يكون له ولاء واحد”. وفي السياق ذاته، يشير رمضان إلى مجموعة من المبادئ، عنى بها الأخلاق الإسلامية في العدل والكرامة والمساواة، مع تعزيز الأخيرة منها لتعددية الولاءات من خلال إنشاء مجموعة من الأولويات والتسلسل الهرمي المبني على أساس تسلسل القيم الإسلامية.

يعتبر رمضان أن الولاء واللغة والقانون، تشكل الركائز الثلاث الأساسية للمواطنين المسلمين في أوروبا: إتقان اللغة المحلية، واحترام القانون، والولاء النقدي لمجتمعهم.

ولكون الولاء مُتبادَلاً بين أفراد في مجموعة، وليس مجرد شعور يصرح به طرف ما لآخر، يؤكد رمضان أن ممارسة الولاء تكون من خلال تكوين الخبرة الاجتماعية والحوار. وبالتالي، نستنتج من هذا المنظور متعدد الهويات والولاءات أنه ما دام تم احترام كل ثقافة كجزء من الهوية الجماعية، يمكن تحقيق المزيد من الثقة، وكنتيجة لذلك المزيد من الولاء للمجتمعات والحكومات الغربية.

بشكل عام، تنظر المجتمعات الغربية إلى الهجمات الإرهابية الإسلامية على أنها مؤشرات لقلة موثوقية “المسلمين” كعنصر في المجتمع. وفي هذا السياق، يتم استهداف الثقة بشكل مستمر من قِبل المنظمات الإرهابية، الأمر الذي يزعزع عملية بناء الثقة وتقبُّل التنوع. وعلى الرغم من التنديد المستمر للإرهاب الإسلامي من قِبل المنظمات الإصلاحية الإسلامية؛ فإنها لم تتخذ أية خطوات جدية في محاربتها. بالنسبة إلى رمضان، الولاء الحاسم يتوافق مع قيم المجتمعات الغربية (الديمقراطية، التفكير النقدي، العدل، الحرية.. إلخ)، وبالتالي لا يرى رمضان أي تناقض بين الولاء لهذه المجتمعات و”محاربة الخطاب الذي يسوق للتمييز العنصري وعدم المساواة ووصم جزء من المجتمع”.

مصلون في إحدى ساحات باريس- أرشيف

3- عبدالعلي مأمون.. الولاء والامتنان والوطنية

يروِّج عبدالعلي مأمون لخطاب “جمهوري” يدعو فيه إلى إشراف حكومي على الإسلام الفرنسي، وإصلاح الإسلام، ونزع التطرف الموجود لدى الشباب، ومحاربة الخطاب الإسلامي. في عام 2017 وضع مأمون كتابه (الإسلام ضد الراديكالية: دليل للهجوم المضاد)، واستهدف فيه الشباب المسلم الفرنسي الحسَّاس للأيديولوجيات الإسلامية المختلفة من الإسلاموية والسلفية والجهادية وحركة الإخوان المسلمين. ويتابع ليبيِّن العلامات الفارقة بين الإسلام كدين سماوي والأيديولوجيات المعاصرة التي يعتبرها جميعها راديكالية حتى ولو لم تكن جميعها عنيفة.

اقرأ أيضاً: في ظل صراع متواصل.. مَن سيمثل الإسلام في فرنسا؟

بالنسبة إلى مأمون، الولاء هو تعبير عن الوطنية وفضيلة إسلامية مهمة يجب ترسيخها في السياق الفرنسي: “الوفاء؛ والتي تفرض على المواطنين المسلمين امتنانهم لوطنهم أو للأرض التي تبنّوها للمزايا التي قدَّمتها لهم”. وهكذا، يكون مأمون قد ربط الولاء بالامتنان.

وهنا، ينتقد مأمون النظرة السلفية التي تتطلب من المسلمين أن يحترموا القانون مثلما يجب أن يحترم أي مُغترب قوانين البد الذي يزوره؛ ولكن دون أن يكونوا قد ولَّدوا ولاءً للبلد المضيف أو بنوا جسوراً للثقة والشعور بالامتنان مع باقي المجتمع. وتأخذ السلفية الجهادية هذه العقيدة إلى منحى أبعد، لترفض تلك القوانين على أنها جزء من أنظمة فاسدة ليست جديرة بالاحترام. بمعنى آخر، بناء منظور إسلامي إصلاحي لمسألة الولاء تتطلب أيضاً مشاركة دقيقة وحاسمة للنظرة السلفية في الولاء والبراء.

مظاهرة في باريس تطالب بتطبيق الشريعة في فرنسا بعد قرار الحكومة حظر البرقع في الأماكن العامة- أرشيف

يعترف مأمون بصعوبة تحقيق التوافق بين الولاء للإسلام والولاء لفرنسا، إلا أنه قد اعتنق مبدأ الولاء المزدوج. يؤكد مأمون أنه في حال انهار هذا التوافق “على المرء أن يختار بين حب فرنسا أو مغادرتها”. ويضيف: “قال النبي في صحيح البخاري: مَن لا يشكر الناس، لا يشكر الله”. ولكن، يرى مأمون أنه يجب ألا يكون هناك تناقض بين الولاءين؛ نظراً لاختلاف الالتزامات الأخلاقية الناتجة عن كل منهما، فلا يوجد تنافس بين الولاءين، ولا يستبعد أحدهما الآخر؛ فالتناقض الحقيقي بنظر مأمون يتجسَّد في الخطاب السلفي الذي “يستنكر النظام الغربي؛ لكنه ينعم بمزاياه في الوقت ذاته”.

ومثل طارق رمضان، يرى مأمون أن “ولاء المرء لوطنه لا يعني أنه يجب عليه أن يكون غير فعال أو مسيَّراً أو أعمى”.

بناءً عليه يأتي الولاء من الكلمة الحرة، السياسة، المبادرات الجماهيرية والديمقراطية، وليس المقاومة العنيفة. وهنا يختلف مأمون عن رمضان في أنه حتى لا يشجّع على المقاومة السلمية للسياسات الحكومية على الرغم من أنه يمارس حقه في انتقاد هذه السياسات. بناءً على كل ما سبق، يبدو أن مأمون يمثِّل رد فعل غالبية القادة المسلمين في فرنسا في اعتباره الإرهاب مؤشراً لعدم ولاء المسلمين لفرنسا.

اقرأ أيضاً: فرنسا: ماذا يجري خلف كواليس محاربة المؤثرين الإسلاميين؟

4- منصف زيناتي.. الأخوة الإنسانية والولاء

يتناول زيناتي موضوع الولاء في كتابه (الأخوة الإنسانية في الإسلام)، ويتفق مع مأمون في السعي لإقناع المتطرفين من المسلمين وغير المسلمين بالولاء الإسلامي. يعارض زيناتي السلفيين الذين يعتقدون أنه لا يجب أن يتولَّد أي ولاء، أو تحالف أو مودة أو صداقة لغير المسلمين، مثلما يعارض وجهة النظر الفرنسية المناهضة للمسلمين والتي تدعم التحيز ضد المسلمين.

بالنسبة إلى زيناتي، تقوم الأخوة الإنسانية على تبادل المعرفة، والمساعدة المتبادلة، والحوار، والمصلحة العامة، والعدالة، والإنصاف، ومكافحة العنصرية، والاحترام، والعيش المشترك. ويؤكد زيناتي أيضاً أن الولاء المحرَّم في التعاليم الإسلامية هو الولاء “الذي يظهره المسلمون تجاه أعداء المسلمين”.

بذلك، يكون زيناتي قد وفَّر سياقاً لعدم ولاء المسلمين لغير المسلمين. كما أكد أنه “لا ضرر في إقامة التحالفات مع غير المسلمين في العالم العلماني، ولا في إظهار التعاطف والصداقة معهم”؛ فالعدوانية ليست موجودة في فرنسا، وبالتالي فإن عقيدة التحالف والإنكار التي يحشدها السلفيون “منقوصة وخاطئة”.

يشير زيناتي في سياق الولاء الاجتماعي الذي يتم بناؤه إلى الإذن الذي أعطته الشريعة الإسلامية للزواج المختلط للرجال المسلمين بنساء غير مسلمات.

بالنسبة إلى زيناتي، فإن مبادئ الكلية والإنسانية والسلام (التي تعتبر ضرورية للأخلاق الإسلامية من وجهة نظره) يتم تجاهلها ببساطة من قِبل السلفية ومفاهيمها الثنائية للولاء وعدم الولاء، كما تتجاهل أساسيات التفاعل الاجتماعي التي تقوم جميعها على الثقة والقدرة على بناء الثقة مع الآخرين كأفراد ومجتمعات، من الأسرة وحتى التجارة.

5- الولاءات الإسلامية كتكوين للهوية

في هذه الفقرة، سنناقش كيف تنظر الخطابات الإصلاحية الإسلامية في فرنسا إلى الولاء كعنصر من عناصر تشكيل هوية المسلمين الفرنسيين من خلال خطابات القادة المسلمين الثلاثة؛ ولكن قبل ذلك، أريد أن أشير إلى كيف يمكننا أن نرى أنه ومع مرور الزمن، يرى علماء الاجتماع الالتزامات السياسية كأساس للولاء (وفقاً لوجهة النظر الليبرالية)، بينما يعتقد المفكرون المحافظون وعلماء الاجتماع السابقون أن أساس الولاء للدولة يكمن في الصداقة أو الفضيلة.

وبالعودة إلى طارق رمضان، يمكننا القول إنه، ومن وجهة نظره، أساس الولاء تجاه الدولة الفرنسية هو وجود الالتزامات السياسية متبادلة بين الدولة ومواطنيها. بناءً عليه، تتكوَّن هوية المسلمين في فرنسا من خلال بناء مجتمع من المسلمين وغير المسلمين على أساس الإدراك المتبادل للاختلافات بينهم، بالإضافة إلى الثقة المتبادلة والولاء المشترك.

ننتقل الآن إلى مأمون، صاحب النظرة للمجتمع المبنية على أن أساس الامتنان هو المعاملة بالمثل والروابط الأخلاقية؛ حيث يرى بمنظوره أن أساس الولاء هو الامتنان. فبالنسبة إلى مأمون، يجب الشعور بالامتنان لفرنسا لسببَين أساسيَّين: الأول هو المزايا التي منحتها فرنسا للمسلمين. أما السبب الثاني فينطوي على الأخلاق الإسلامية؛ لا سيما على مفهوم الوفاء -الذي يختلف عن مفهومَي الولاء والموالاة- ليفترض بناءً عليه أن المسلمين مرتبطون أخلاقياً بموطنهم. اختار مأمون كلمة الوفاء ليتجنب المعاني الضمنية لكلمتَي الولاء والموالاة اللتين يمكن أن تؤخذا بمنحى مختلف. فعلى حد تعبير إيزوتسو، جعل الإسلام من فضيلة الوفاء “أن تتفوق على القبلية، لتصبح إنسانية حقاً، وقوة أخلاقية حقيقية قادرة على العمل في مجتمع فردي”.

أما بالنسبة إلى زيناتي، فالولاء مبني على أساس الصداقة والأخوة الإنسانية. وهنا يشير زيناتي إلى حقيقة العلاقات الودية بين المسلمين وغير المسلمين في فرنسا التي تتجلى يومياً في العمل أو في الجوار، في العائلات والرياضة.. وغيرها. في مثل هذه المحيطات الاجتماعية، لا يمكن تجاهل دور هذه العلاقات في بناء الولاءات. بينما يختار العديد من المسلمين العيش في عالم مواز للمجتمع الفرنسي؛ فإن عدداً كبيراً من المسلمين يفعلون العكس، ويتفاعلون في جميع قطاعات المجتمع، ويبنون هوية مسلمة فرنسية مع العملاء والأصدقاء والزملاء. هذا هو الأساس الأخلاقي والاجتماعي المتين للهوية الاجتماعية والولاء الذي يتبناه العديد من المسلمين.

وفي ما يتعلق بالأخوة البشرية، يشير زناتي هنا إلى المفهوم الإسلامي للأخوة والقيمة الفرنسية لـfraternité  (الأخوة). لقد توصل الفكر الإسلامي الحديث إلى قبول فكرة الأخوة البشرية؛ الأخوة في الإنسانية. ذكر منتدى دولي لرابطة العالم الإسلامي، إحدى أهم المنظمات الإسلامية العابرة للحدود، مؤخراً، أنه يوجد بين المسلمين والمسيحيين وغيرهما أخوة في الإنسانية وأخوة في المواطنة.

6- النتائج

بيَّنت هذه الدراسة أن الولاءات الإسلامية مبنية على أساس الاعتراف المتبادل والتنوع والامتنان والأخوة الإنسانية. تشير هذه النتائج إلى أن الإسلام الإصلاحي، بشكل عام، ينبذ العقيدة السلفية التي تحظر الولاء لغير المسلمين. تظهر الحالات الإسلامية الثلاث التي تم تحليلها هنا أن الولاء عنصر أساسي في تكوين الهوية الإسلامية في فرنسا؛ فهو الذي يضمن التوفيق بين الهويات والولاءات المتعددة ومحاولة حل التوترات المحتملة بين “الفرنسية” والإسلام من خلال تبنِّي موقف الولاء النقدي (عندما يتعلق الأمر بالسياسات غير العادلة المعتمدة من قِبل الدولة الفرنسية).

♦أستاذ في كلية الدين والمجتمع في جامعة الخدمات العامة في بودابست، هنغاريا.

المصدر: MDPI

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة