الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

تشارلز الثالث: ملك خمس عشرة مملكة.. محدِّث في ثوب تقليدي

كانت العلاقة مع دول الخليج من أهم الاتصالات الدولية التي ثابر عليها تشارلز وأقام علاقات شخصية قوية مع الأُسر الحاكمة في المنطقة

كيوبوست 

د. دينيس ساموت

من الخصائص الفريدة للعرش البريطاني أن مَن يعتلي عرش المملكة المتحدة يكون أيضاً ملكاً أو ملكة -وليس رئيس الدولة بالطبع- في أربعة عشر بلداً آخر، وجميعها بلدان مستقلة وأعضاء في الأمم المتحدة.

لذلك عندما اعتلى تشارلز الثالث العرش البريطاني في الثامن من سبتمبر أصبح ملكاً لخمس عشرة مملكة؛ ثلاث منها لها ملكيات قديمة، وهي دول استوطنها مواطنون بريطانيون في زمن الإمبراطورية، وهي كندا وأستراليا ونيوزيلندا، بالإضافة إلى ثماني دول كاريبية أصغر بكثير؛ هي: جامايكا، وأنتيغوا وبربودا، وجزر الباهاما، وبيليز وغرينادا، وسان فينسنت وجزر غرينادين، وسانت كيتس ونيفيز، وسانت لوسيا. وهنالك ثلاث جزر في أوقيانوسيا؛ هي بابوا نيو غينيا، وجزر سليمان، وتوفالو.

اقرأ أيضًا: ماتت الملكة.. عاش الملك!

يمكن للمرء بسهولة أن يعترض على ذلك باعتباره شذوذاً تاريخياً، أو واقعاً غريباً من مخلفات زمن الإمبراطورية. وهو في الواقع كذلك نوعاً ما. بمجرد بداية نهاية الاستعمار، ومن أجل الحفاظ على امتيازاتها وموقعها في مستعمراتها وملكياتها السابقة بعد أن نالت استقلالها وأصبحت دولاً حديثة، طورت السلطات البريطانية خطة تحظى بموجبها هذه المناطق بالحكم الذاتي، وحتى السيادة الكاملة؛ ولكنها تبقى ضمن “عائلة الدول البريطانية” التي تُعرف بالكومنولث. في بداية الأمر كانت الفكرة تقضي بأن يكون الملك البريطاني هو رأس الدولة في جميع هذه الدول، ويمثله حاكم عام. وفي البداية وافقت حتى الهند على هذه الترتيبات؛ ولكن سرعان ما اجتاحتها القوى المناهضة للإمبريالية والاستعمار التي انتشرت في النصف الثاني من القرن العشرين. واختارت معظم المستعمرات السابقة أن تتحول إلى جمهوريات بعد نيل استقلالها مباشرة  أو بعد ذلك بقليل. أما بالنسبة إلى الملكيات الثلاث القديمة، فقد كان الأمر مختلفاً، وعلى الرغم من وجود النظام الجمهوري في كندا وأستراليا ونيوزيلندا؛ فحافظت الروابط مع الدولة القديمة ومع النظام الملكي على قوتها، وحافظت هذه الدول على النظام، ومن المرجح أنها ستستمر في ذلك لبعض الوقت. ولم يكن مفهوماً قط كيف تمكن هذا النظام من الاستمرار في بلد مثل جامايكا التي حكمتها بعض الحكومات اليسارية إلى حد ما؛ ولكنَّ كثيرين يرون أن شخصية الملكة إليزابيث كان لها دور رئيسي خلال فترة توليها العرش التي امتدت 70 عاماً في إعادة تشكيل الكومنولث والحفاظ عليه كمجموعة فضفاضة من 56 دولة ذات سيادة وافقت جميعها على الملكة رئيسةً لها.

الأمير تشارلز بعد قراءة خطاب الملكة نيابة عنها لأول مرة أثناء افتتاح الدولة للبرلمان في لندن.. مايو 2022- “فرانس برس”

وسيتعين على الملك تشارلز الثالث أن يعمل بجد للحفاظ على الكومنولث كمؤسسة فاعلة وعلى موقع الملك البريطاني على رأسها. وقد أظهر الملك خلال الأيام القليلة الأولى من حكمه أن هذا الأمر سيكون على رأس أولوياته؛ ولكن الحفاظ على موقع رأس الدولة في هذه “العوالم” الخمسة عشر هو أمر آخر. فالتوجه العام في منطقة الكاريبي على وجه الخصوص هو نحو رئيس دستوري جمهوري عاجلاً وليس آجلاً. وستكون أهمية هذا التوجه بالنسبة إلى هذه الدول والملك تشارلز والعرش البريطاني ضئيلة؛ ولكن ستكون هنالك بعض العواقب الرمزية بالنسبة إلى المملكة المتحدة، خصوصاً بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وسعي لندن لتقديم نفسها كدولة عالمية بدلاً من دولة أوروبية -أياً كان معنى ذلك- لأن ذلك سوف يعتبر تراجعاً في النفوذ البريطاني.

أما المسائل الأكثر أهمية بكثير بالنسبة إلى الملك تشارلز؛ فهي تلك التي تحدث في المملكة المتحدة نفسها. لقد ضمن حكم الملكة إليزابيث أن الملكية أصبحت جزءاً أساسياً من نسيج المجتمع البريطاني. وتذكرنا مشاعر الحزن ومظاهر الولاء التي تجتاح شوارع المملكة المتحدة اليوم بأنه مع أن الملك أو الملكة يتمتعان بحقوق دستورية رمزية فقط؛ فإن سلطتهما الأخلاقية في المجتمع لا تزال قوية، لأسباب ليس أقلها أن جميع مؤسسات الدولة تتمحور حول العرش الذي تنبثق منه السلطة ولو بشكل رمزي.

اقرأ أيضًا: الملكة إليزابيث الثانية.. محطات في عهدها

لذلك لا يكفي أن يقوم الملك تشارلز الثالث بالمهام المعتادة التي عادةً ما يقوم بها أي رئيس دولة دستوري؛ مثل توقيع القوانين التي وافق عليها البرلمان، وتعيين السفراء واستقبالهم، وتمثيل البلاد والعمل كقطب رمزي جديد للدولة. ففي بريطانيا من المتوقع أن يستمر الملك الجديد في تجسيد نسيج المجتمع في وقت تتكاثر فيه التحديات المستقبلية. إن وحدة المملكة المتحدة نفسها هي في موضع تساؤل، ولا تزال المطالبة بالاستقلال قوية في إسكتلندا، ووضع أيرلندا الشمالية لا يزال متنازعاً عليه. والملكية هي عامل أساسي في الحفاظ على وحدة البلاد. وليس من قبيل المصادفة أن يزور الملك تشارلز جميع الدول الأربع في يومه الأول على العرش، ومن المتوقع أن نرى المزيد من هذه الزيارات في المستقبل.

تشارلز الثالث.. مصلح ومحدث في لبوس تقليدي

اعتلى تشارلز الثالث العرش في عامه الثالث والسبعين، وقد عُرف أن هذا سيكون مصيره منذ طفولته المبكرة. ومن المؤكد أن الانتظار طيلة هذه السنوات لم يكن بالأمر السهل، مع أنه كان يعرف أنه بمجرد توليه العرش سوف يفقد كل أشكال حريته الشخصية. ومن هذه الناحية، كان تشارلز محظوظاً أكثر من والدته التي أصبحت ملكة في عمر مبكر لم يتجاوز 25 عاماً؛ حيث كرست نفسها منذئذ بشكل كامل لعملها.

بدأ تشارلز منذ وقت مبكر في صياغة دور لنفسه بصفته أمير ويلز، وأسس وقاد بشكل مباشر عدداً من المؤسسات؛ مثل صندوق الأمير، وركز على قضايا أساسية مثل البيئة وتغير المناخ. وخلال العقد الماضي، ومع تقدم الملكة في السن تطور دوره إلى ما يشبه دور نائب الرئيس في النظام الجمهوري، ليحل محل الملكة في بعض مهامها.

الملكة إليزابيث والأمير فيليب مع الأمير تشارلز والأمير إدوارد والأميرة آن والأمير أندرو أثناء احتفالهم باليوبيل الماسي لذكرى زواج الملكة والأمير- “الغارديان”

ولكن في معظم الأوقات كانت مهمة تشارلز وواجبه هما الانتظار. في العصور الوسطى كان ولي العهد يقود الجيوش في المعارك. وفي العصر الحديث أصبحت مسألة الخلافة في غاية الأهمية وأصبحت تبذل كل الجهود الممكنة لحماية ولي العهد من الأذى؛ ولكن في المقابل ظهرت مخاطر جديدة، فبعد أن كانت المخاطر تأتي من ضربة سيف في معركة، أصبحت اليوم تأتي من التدقيق الإعلامي المكثف والمستمر. وقد أدت معاناة تشارلز المطولة من أجل إدارة زواجه المتعثر أمام وسائل الإعلام العالمية -على الأقل حسب بعض الروايات- إلى الإضرار بسمعته، وبالتالي أثرت على التاج البريطاني؛ ولكن التاج يتمتع بمرونة عالية، وفي نهاية المطاف، عندما تزوج الأمير من كاميلا باركر باولز، التي أحبها حقاً -على الرغم من معارضة العديد من الأوساط المحافظة، وكما يُقال من والدته- بدا أكثر استقراراً ورضا. والآن تنضم إليه كاميلا بصفتها عقيلة الملك، وهو أمر توقع كثيرون أنه لن يحدث؛ ولكنه حدث بسلاسة خلال الأيام الماضية دون أي صخب أو استهجان.

رجل عصري للغاية في مظهر تقليدي للغاية

الانطباع الأول عن تشارلز: طريقة كلامه وهندامه ووقاره تجعله يبدو متحفظاً وتقليدياً للغاية وأقرب إلى عام 1922 منه إلى عام 2022؛ ولكن خلف ذلك المظهر هنالك رجل حكيم ومدرك تماماً للتحديات العديدة التي تواجه بريطانيا والعالم؛ من تغير المناخ والتحديات البيئية إلى الفقر ومشكلات المحرومين الذين ظهر في الماضي أنه مستعد لفعل شيء لتخفيف معاناتهم.

اقرأ أيضاً: بريطانيا العالمية في عصر تنافسي

وبصفته الملك لا ينبغي له التدخل في السياسة، ولا حتى أن يعبر عن رأيه في قضاياها؛ ولكنه يمتلك طرقاً أخرى للتأثير في سير الأمور. ولا شك أن الحشود التي ملأت شوارع المدن البريطانية هذا الأسبوع سوف تذكِّر السياسيين بأنه لا ينبغي لهم الاستهانة بالسلطة الأخلاقية للتاج. تشارلز الثالث سيكون ملكاً ناشطاً، وقد يدخل تغييرات مهمة في كيفية عمل النظام الملكي. بريطانيا تمر في مرحلة انتقالية كانت خلالها الأبهة والترتيبات التي أحاطت بجنازة الملكة إليزابيث الثانية وارتقاء تشارلز الثالث للعرش خير تعبير عن هوية الدولة؛ ولكن السؤال هو إلى أين تتجه؟ إن التحديات الدستورية والمجتمعية والسياسية والاقتصادية المقبلة تهدد بتمزيق البلاد، ولا شك أن تقييم عهد تشارلز الثالث سيكون من خلال مساهمته في الحفاظ على تماسكها.

الملك تشارلز والإسلام

بعد التحدي الدستوري الذي تفرضه المطالبة باستقلال إسكتلندا، ربما يكون التحدي المجتمعي الناجم عن الهوية البريطانية متعددة الأعراق والثقافات هو أحد أبرز التحديات. وبهذا الصدد، فإن أداء بريطانيا جيد في بعض النواحي؛ فالتنوع الموجود في حكومة رئيسة الوزراء ليز تروس، التي تم تعيينها قبل ساعات من تولي تشارلز العرش، هو أمر مطمئن للكثيرين؛ ولكن لا تزال هنالك مشكلات ماثلة في المجتمع من نواحٍ أخرى.

كانت العلاقة مع دول الخليج من أهم الاتصالات الدولية التي ثابر عليها تشارلز وأقام علاقات شخصية قوية مع الأُسر الحاكمة في المنطقة

أحد التحديات يتمحور حول الجالية المسلمة الكبيرة في المملكة المتحدة التي لا تزال مهمشة بطريقة أو بأخرى. وبصفته أمير ويلز، كان لدى تشارلز سجل جيد جدير بالثناء في التواصل مع الجالية المسلمة في البلاد، ومع الدول الإسلامية بشكل عام. وفي حين أن الملك هو أيضاً “المدافع عن الإيمان” المسيحي الأنجليكاني، فقد أظهر تشارلز الرغبة في والقدرة على الاعتراف بدور الديانات الأخرى. ولا شك أن إدارة هذا التوازن ستكون تحدياً آخر.

صديق للمملكة العربية السعودية

من المرجح أن تشارلز الثالث سيصبح شخصية بارزة على المسرح العالمي بسرعة كبيرة، وهنا أيضاً يمكن توقع نهج أكثر حداثة لدور التاج البريطاني.

بصرف النظر عن الكومنولث، كانت العلاقة مع دول الخليج من أهم الاتصالات الدولية التي ثابر عليها تشارلز، وفي غضون ذلك أقام علاقات شخصية قوية مع الأُسر الحاكمة في الخليج؛ حيث يعتبر تشارلز صديقاً حقيقياً. ومن المتوقع أن يزور الملك الجديد دول الخليج في وقت مبكر من عهده.

اقرأ أيضاً: السفير وليام باتي: دور المملكة محوري في الشؤون الخليجية والعربية

حمى الله الملك

إن التحديات التي تواجه بريطانيا والعالم أجمع إبان ارتقاء تشارلز الثالث العرش هائلة جداً. وسيتم الحكم على عهده من خلال الأحداث التي تقع خلاله، ومن خلال تصرفات الملك الجديد نفسه. عاش والدا تشارلز أكثر من تسعين عاماً، وإذا ما استمر عهد تشارلز لعقود فربما سيتداخل مع فترة غير مسبوقة من الاضطرابات التي ستشهدها البشرية. وفي مثل هذه اللحظات فقد يكون ضمان الاستمرارية الذي يوفره النظام الملكي موضع تقدير أكثر من أي وقت مضى. ولهذا السبب، إذا لم يكن لأسباب أخرى نرفع صوتنا بدعاء حمى الله الملك.

♦مؤرخ ومدير LINKS Europe؛ وهي مؤسسة مستقلة مقرها لاهاي في هولندا. في عام 2006 منحته الملكة إليزابيث الثانية وسام الإمبراطورية البريطانية، وقدمه له الملك تشارلز -الأمير تشارلز في ذلك الوقت- في قصر باكنغهام عام 2007.

لقراءة الأصل الإنكليزي: Charles III Monarch of Fifteen Kingdoms

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة