الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

تسونامي الكربون القادم

كيوبوست- ترجمات

كيلي غالاغار

بعد أن أصبحت الجائحة جزءاً من حياتنا اليومية، عادت القضايا الأخرى لتجد مكاناً لها على جداول أعمال صانعي القرار، وبين عناوين الأخبار الرئيسية. ومن هذه القضايا قضية تغيُّر المناخ التي تناولتها كيلي غالاغار، أستاذة سياسات الطاقة والبيئة في جامعة توفتس، في مقال لها نشره موقع “فورين أفيرز”. بدأت غالاغار بالإشارة إلى أن كل الإجراءات التي اتخذتها أو ستتخذها الدول المتقدمة ستكون عديمة الجدوى، ما لم تبادر هذه الدول إلى توفير التمويل ودعم السياسات على نطاق واسع للدول الفقيرة؛ وفي مقدمتها عشرون اقتصاداً ناشئاً في جميع أنحاء العالم من المتوقع أن تحتل المراتب الأولى في كميات الانبعاثات الصادرة عنها. وعلى الرغم من ذلك؛ فإن الجهود المبذولة حتى الآن لتزويد الدول النامية بفرص نمو اقتصادي منخفض الكربون لا تزال غير كافية، كما أقر قادة الدول المشاركة في مؤتمر المناخ الأخير.

اقرأ أيضاً: التهديدات المتزايدة لتغيرات المناخ في القرن الإفريقي

في عام 1997، عندما رفضت الولايات المتحدة التوقيع على اتفاقية دولية لخفض الانبعاثات، كانت انبعاثات الصين تبلغ 3.1 مليار طن سنوياً، بينما كانت انبعاثات الولايات المتحدة 5.5 مليار طن سنوياً. وفي عام 2014 عندما أعلن الرئيس أوباما والرئيس شي جين بينغ، معاً، أنهما سيلتزمان بخفض الانبعاثات، كانت الصين تحتل المرتبة الأولى عالمياً، ولكن لا يزال نصيب الفرد فيها نصف مثيله في الولايات المتحدة. صحيح أن المعجزة الاقتصادية الصينية قد انتشلت مئات الملايين من الفقر؛ ولكن دراسة مشتركة، أجرتها الحكومة الصينية والبنك الدولي، أشارت إلى أن العبء الاقتصادي المرتبط بتلوث الهواء وحده كان يعادل 1.16 من الناتج المحلي الإجمالي للصين.

كانت هذه الزيادة في الانبعاثات في الصين نتيجة عدد السكان الكبير والنمو الاقتصادي المرتفع والاعتماد الكبير على الفحم. واليوم هنالك 15 بلداً من الأسواق الناشئة الكبرى أو الدول النامية تمتلك اثنين على الأقل من هذه العوامل (بنغلاديش، الصين، الكونغو، مصر، إثيوبيا، الهند، إندونيسيا، باكستان، الفلبين، جنوب إفريقيا، تانزانيا، تايلاند، تركيا، أوغندا، فيتنام) بالإضافة إلى ثماني دول أخرى تعتمد بشكل كبير على استهلاك البترول (الجزائر، البرازيل، إيران، كازاخستان، المكسيك، نيجيريا، روسيا، المملكة العربية السعودية). وهذا ما يضع عشرين بلداً في موضع الأولوية من حيث الاهتمام. ولحسن الحظ أعلنت العديد من الدول؛ مثل جنوب إفريقيا وإندونيسيا والمملكة العربية السعودية، نيَّات لخفض انبعاثاتها، بينما ستجد الدول التي تعتمد على الفحم بشكل كبير مثل الهند وفيتنام صعوبة كبيرة في ذلك.

اقرأ أيضاً: أسئلة وإجابات حول قمة المناخ

ولا بد للاقتصادات الغنية من تقديم الدعم لهذه الدول؛ كي تستمر في مسيرتها، على الرغم أنه من المفهوم أن هذه الدول سوف تعطي الأولوية للنمو الاقتصادي والتخفيف من حدة الفقر فيها. ومن المعلوم أيضاً أن هذه الدول سوف تعاني أكثر من غيرها نتائج تغير المناخ؛ بسبب الأعاصير المتكررة والفيضانات والجفاف. ومن المتوقع أن تواجه معظم دول جنوب الصحراء الإفريقية وجنوب آسيا خسائر تصل إلى 25% من ناتجها المحلي الإجمالي. كما أن الدول المصدرة للنفط؛ مثل إيران وروسيا والمملكة العربية السعودية سوف تستمر في تحفيز نمو الانبعاثات في دول أخرى؛ مما سيجعل تعهداتها بخفض انبعاثاتها خالية من المعنى.

محطة لتوليد الكهرباء في تيانجين.. الصين- “رويترز”

وتشير الكاتبة إلى أنه على الرغم من وجود أربع اتفاقيات مناخية رئيسية، وتحذيرات العلماء من المخاطر المتزايدة؛ فإن انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة 58% بين عامَي 1990 و2020، وازداد تركيز هذه الغازات في الغلاف الجوي بنسبة 18%. وهي تعزو أسباب هذا الفشل إلى ثلاثة عوامل رئيسية؛ هي: العواقب القليلة التي تواجهها البلدان نتيجة فشلها في الوفاء بالتزاماتها، وفشل الاقتصادات الناشئة (والعديد من الاقتصادات الصناعية) في تطوير نموذج للنمو الاقتصادي لا يعتمد على الوقود الأحفوري، وأخيراً عدم كفاية تدفقات رأس المال العام والخاص إلى الاقتصادات النامية بما يكفي لمشروعات الطاقة الخضراء.

اقرأ أيضاً: 4 قضايا أساسية يجب مراقبتها في مفاوضات المناخ الجارية في غلاسكو

ولدعم التحول إلى الطاقة النظيفة، قام البنك الدولي بتقديم 9.4 مليار دولار بين عامَي 2015 و2020 لتمويل مشروعات للطاقة المتجددة، بينما قام كل من بنك التنمية الصيني وبنك التصدير والاستيراد الصيني الحكوميين بتمويل 16.3 مليار دولار في مشروعات الطاقة الكهرومائية، و7.8 مليار في محطات الطاقة النووية, و2.4 مليار دولار في مجال الطاقة المتجددة بين عامَي 2016 و2020. كما مولت صناديق الاستثمار التابعة للبنك الدولي 26 غيغاواط من الطاقة النظيفة، بينما موَّلت الصين وحدها 32 غيغاواط. إن فشل بنوك التنمية متعددة الأطراف في تقديم التمويل الكافي لمشروعات الطاقة النظيفة يعني أنها تترك الساحة للمستثمرين من القطاعَين العام والخاص الذين يهتمون بالربح وبالجغرافيا السياسية أكثر من اهتمامهم بتغير المناخ.

مزرعة ريحية لتوليد الكهرباء بتمويل صيني في إثيوبيا- “فورين أفيرز”

إن العديد من الدول النامية حريصة على تحقيق تنمية أكثر استدامة؛ ولكنها تواجه تحدي تأمين التمويل اللازم للتحول نحو الطاقة النظيفة دون الإضرار بنموها الاقتصادي؛ فإثيوبيا على سبيل المثال لديها قائمة من مشروعات الطاقة النظيفة، وقد كانت الصين هي المقرض الرئيسي فيها؛ حيث قدمت 4.4 مليار دولار منذ عام 2000، بينما لم يقدم البنك الدولي أكثر من 2.4 مليار دولار في شكل قروض. وفي مؤتمر المناخ الأخير في غلاسكو، أعلنت فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة التزامها بتقديم 8.5 مليار دولار لجنوب إفريقيا لتمويل الانتقال من استخدام الفحم والالتزام بتنفيذ سياسات خفض الانبعاثات مع عدم الإضرار بالتنمية الاقتصادية للبلاد.

اقرأ أيضاً: دراسة حديثة: الشباب في جميع أنحاء العالم يعانون من مستويات عالية من القلق المناخي

إن مفوضات المناخ العالمية ضرورية؛ ولكنها ليست كافية، إذ يجب أن تقترن مع الجهود التي تضمن توفير التمويل لما يقارب عشرين دولة التي يتوقع أن يؤدي نموها الاقتصادي إلى موجة جديدة من الانبعاثات في المستقبل القريب، ويجب أن تكون بعض هذه الدول، مثل المملكة العربية السعودية، قادرة على تمويل تحولاتها دون مساعدة مالية دولية، بينما تحتاج دول أخرى؛ مثل إثيوبيا والهند وباكستان وتنزانيا وفيتنام إلى دعم أكثر شمولاً. كما ينبغي على الحكومات أن تحاسب نفسها وبعضها بعضاً على عدم الوفاء بالتزاماتها المناخية، وأن تمنع الشركات من الاستثمار في مشروعات الفحم وغيرها من المشروعات عالية الانبعاثات، وتعزيز التعاون بين البنوك المركزية؛ للحد من المخاطر المتعلقة بالمناخ.

لا تزال انبعاثات الكربون من محطات الطاقة في العالم عند المستوى نفسه منذ عام 2019- “دويتشه فيله”

وتخلص الكاتبة إلى أنه من الممكن تماماً وقف الموجة التالية من الانبعاثات شريطة أن تُظهر الدول المتقدمة والنامية، على حد سواء، الالتزامَ الكافيَ لمواجهة التحديات. فالدول النامية تحتاج إلى التمويل ودعم السياسات. ولسوء الحظ فشل أكبر اقتصادَين في العالم في تقديم الريادة في مجال المناخ؛ ففي الولايات المتحدة لا تزال التشريعات المناخية معطلة في الكونغرس، ويمكن القول إن البلاد تقود العالم في مجال أبحاث الطاقة النظيفة وتطويرها؛ ولكنها مقصرة بشكل رهيب في نقل تلك الاختراعات إلى الأسواق، وفي تنظيم مؤسساتها المالية الخاصة؛ بحيث تتوقف عن الاستثمار في الصناعات عالية الكربون. أما الصين فعلى الرغم من أنها غزت أسواق العالم في مجال الطاقة الشمسية، وأصبحت تمتلك أكبر قدرات للطاقة المتجددة في العالم، فهي لم تنجح في وقف بناء محطات الفحم أو إصلاح مؤسساتها المملوكة للدولة القائمة على الوقود الأحفوري.

لقد أثبتت الدول النامية قدرتها على الابتكار، ولكنها تحتاج إلى موارد ومساعدات سياسية من نظيرتها المتقدمة للانتقال نحو الطاقة النظيفة. وهذا الدعم من الدول التي أصبحت غنية من خلال ضخ نصيب الأسد من الكربون في الغلاف الجوي، هو السبيل الوحيد للتخفيف من آثار تغير المناخ في العالم.

♦أستاذة سياسات الطاقة والبيئة في جامعة توفتس.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة