الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

تساؤلات تحيط بمستقبل تشاد بعد طي صفحة إدريس ديبي

مراقبون يتحدثون إلى "كيوبوست" عن ملامح المرحلة الجديدة التي تدخلها تشاد بعد رحيل رجلها القوي

كيوبوست

بدأت تشاد مرحلة انتقالية في الحكم السياسي بعدما شيعت جنازة الرئيس الراحل إدريس ديبي، الذي توفي الثلاثاء الماضي، متأثراً بجراحٍ أُصيب بها خلال قيادته العمليات العسكرية التي استهدفت متمردين على الحدود الليبية- التشادية، في وقتٍ أُعلن فيه تشكيل مجلس عسكري رئاسة يتولى قيادة البلاد لمدة 18 شهراً، بقيادة نجل الرئيس الراحل، محمد إدريس ديبي.

علي فاضل

حتى الآن لا توجد حقيقة حول وفاة الرئيس إدريس ديبي، حسب الإعلامي التشادي علي فاضل قدري، الذي يؤكد لـ”كيوبوست” أن ثلاث روايات خرجت عن الوفاة؛ الأولى مرتبطة بإصابته أثناء العملية العسكرية، ونقله بطائرة إلى مقر الرئاسة ووفاته أثناء العلاج، والثانية أن الوفاة حدثت على الفور بعد الحادثة؛ حيث جرى نقل الرئيس بعد وفاته إلى مقر الحكم وإرجاء إعلان الخبر لحين الاتفاق على آلية المرحلة القادمة سياسياً من القادة العسكريين، والثالثة، وهي ضعيفة، بأن الرئيس ربما قُتل من المقربين منه، وليس في المعارك مع المتمردين؛ وهي رواية تستند إلى عدم الإعلان عن أسماء أي من القتلى أو الذين أُصيبوا مع الرئيس، وظهور حارسه الشخصي الخاص الجنرال خضر، شقيق السيدة الأولى، بشكل طبيعي من دون تعرضه إلى إصابات.

شهدت جنازة الرئيس التشادي الراحل حضوراً دولياً رفيعاً- وكالات
أحمد توم

لكن الباحث من دولة إفريقيا الوسطى والمختص بشؤون دول وسط وغرب إفريقيا أحمد توم، يرى في تعليقٍ لـ”كيوبوست” أن سيناريو الاغتيال ليس مستبعداً على غرار ما حدث في الكونغو الديمقراطية عام 2001 بعد اغتيال الرئيس لوران كابيلا على يد قادة عسكريين، وتولي نجله الرئاسة بعد توافق مع القادة العسكريين، مشيراً إلى أنه نظراً لطبيعة نظام الحكم في تشاد، وتاريخ الصراعات الموجودة فيها، فإن أسلوب تغيير نظام الحكم يتم عادة عن طريق انقلاب عسكري؛ حتى إن الرئيس الراحل تحدث بهذا الأمر علناً، وأكد أنه لا يمكن الإطاحة به إلا بانقلاب عسكري أو وفاته، وهو ما حدث بالفعل.

وضع انتقالي ترفضه المعارضة

ورفضت المعارضة التشادية قرار تشكيل المجلس العسكري الانتقالي، حسب بيان أعلنته حركة الوفاق والتغيير بتشاد، معتبرةً أنه رغم رحيل إدريس ديبي؛ فإن نظامه لا يزال قائماً، وسط مطالبات لفرنسا والمجتمع الدولي بعدم دعم المجلس العسكري الانتقالي الذي تعهد بإنشاء مجلس وطني كبرلمان انتقالي من 69 عضواً، وتكوين حكومة انتقالية.

قُتل الرئيس التشادي بعد إعادة انتخابه لرئاسة الجمهورية بأيام- وكالات

موقف المعارضة برفض قرارات المجلس العسكري الانتقالي طبيعي، حسب الإعلامي علي فاضل قدري، الذي يؤكد أن المعارضة قاطعت الانتخابات الأخيرة، ومن ثمَّ سترفض توريث الحكم لنجل الرئيس، مع التشكيك في نتائج الانتخابات، مشيراً إلى أن جميع الأطراف ستكون مدعوة في المستقبل القريب إلى حوار، سواء المعارضة المدنية أو المسلحة، مع المجلس العسكري؛ لمناقشة ملامح الفترة الانتقالية في ظل إمكانية حصول المعارضة على بعض الوزارات عند تشكيل الحكومة الانتقالية.

اقرأ أيضاً: إدريس ديبي.. سيرة حافلة بالمغامرة ونهاية دموية غامضة!

مادي كانتي

يرى د.مادي كانتي، المحاضر والباحث في جامعة العلوم القانونية والسياسية بباماكو، أن التفاهمات الداخلية في الجيش ستدفع نحو بقاء نجل الرئيس على رأس السلطة؛ لأنه إذا حدثت خلافات داخلية قد يحدث انقلاب يعطي فرصة للجماعات المتمردة للانقلاب والسيطرة على السلطة، مؤكداً أن الوضع السياسي أمام سيناريوهَين؛ الأول هو نجاح المجلس بقيادة الفترة الانتقالية، أما السيناريو الآخر فهو الانقلاب على نجل الرئيس؛ مما سيعزز من فرصة المتمردين بالوصول إلى السلطة.

يشرح كانتي وجهة نظر المعارضة في رفض تشكيل المجلس العسكري لإدارة البلاد باعتبار أن ما حدث بوجهة نظرهم هو بمثابة انقلاب؛ نظراً لوقف العمل بالدستور، وإطلاق ميثاق الفترة الانتقالية الذي لا يمنع أعضاء المجلس العسكري من الترشح للانتخابات الرئاسية، فضلاً عن الصعوبات والتحديات المحتملة بشأن إجراء الانتخابات خلال 18 شهراً؛ لأسباب عدَّة، من بينها عدم خضوع جميع الأراضي التشادية لسيطرة الجيش وصعوبات التمويل، وغيرهما من التفاصيل التي ستظهر تباعاً.

حرص الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على حضور الجنازة- وكالات

يقول أحمد توم إن التعديلات الدستورية الأخيرة التي أجراها الرئيس الراحل شهدت تغيرات جوهرية بأن يكون نائب الرئيس هو مَن يخلف الرئيس في حال غيابه، بدلاً من رئيس البرلمان؛ وهو المنصب الذي لم يقم بتعيين أحد فيه قبل اغتياله، وهو مبرر تشكيل مجلس عسكري لسلطةٍ انتقالية تكون مهمتها التمهيد للانتخابات الرئاسية.

يؤكد القيادي بحزب الحركة الوطنية للإنقاذ الحاكم بتشاد، عبدالله أبو بكر، لـ”كيوبوست”: إن بلاده تواجه في الفترة الحالية مخاطر عديدة نتيجة الإرهاب؛ وهو ما يتطلب حكومة انتقالية يكون هدفها المحافظة على الاستقرار والتمهيد للانتخابات، الأمر الذي يحتم على التشاديين الالتفاف حول المجلس العسكري خلال الفترة المقبلة، متوقعاً أن يسعى المجلس لتحقيق توافق مع المعارضة السياسية في الداخل.

يحظى المجلس العسكري الانتقالي بدعم دولي- وكالات

سياسة قبائلية

وعلى مدار ثلاثة عقود منذ وصوله إلى السلطة، عمل الرئيس التشادي الراحل ديبي، على تعزيز الانخراط بين القبائل التشادية ونظيرتها في الدول المجاورة؛ خصوصاً أن الرجل المنتمي إلى قبيلة الزغاوة الموجودة في تشاد والسودان عرف باعتباره أكثر الحكام التشاديين قوة وقدرة على مواجهة التغيرات.

محمد إبراهيم

تضم تشاد أكثر من 228 قبيلة؛ من بينها نحو 24 قبيلة عربية، حسب الباحث والمحلل السياسي التشادي محمد إبراهيم، الذي يؤكد في تعليقٍ لـ”كيوبوست”، أن الرئيس الراحل عمل على تعزيز الوجود القبلي والانخراط مع القبائل اجتماعياً؛ لا سيما في ظل امتدادها مع دول الجوار، وهي سياسة اتبعها ليس فقط لتحقيق الامتداد الثقافي لتشاد، ولكن من أجل محاولة خلق روابط تفيد أكثر من الناحية السياسية عبر المصاهرة بين أبناء هذه القبائل؛ بما يدفع من تخفيف حدة النزاعات وخلق شراكة حقيقية في ما يتعلق بمراقبة الحدود، وعدم الانغلاق على الداخل.

يرى أحمد توم أن الرئيس الراحل استطاع أن يتلاعب بمسألة القبلية في تشاد؛ بحيث تخدم مصالحه السياسية وتصب في دعم موقفه للانفراد بالحكم، وهو ما نجح فيه بشكل كبير خلال سنوات حكمه، ومنع انقلابهم عليه؛ خصوصاً القبائل العربية، مؤكداً أن الثقافة القبائلية متجذرة في المجتمع التشادي، ولها تأثير كبير على الحياة السياسية.

تواجه تشاد مخاطر أمنية عدة بعد اغتيال الرئيس- وكالات

محاربة التطرف

ورغم تحالفه لفترة مع الإسلاميين؛ خصوصاً في السودان إبان حكم البشير قبل أن ينقلب عليه، ويصبح إدريس ديبي من أشد الرؤساء الأفارقة الداعمين لمواجهة التشدد الإسلامي والانخراط في التحالفات الدولية لمواجهة المتشددين.

يرى محمد إبراهيم أن الرئيس التشادي الراحل إدريس ديبي، حاول تجنب الصدام مع السودان خلال فترة حكم البشير، وانطلاقاً من كون البلدين ذوَي أغلبيةٍ مسلمة؛ لكن الأيديولوجية التي كانت تُدار بها الدولة السودانية ومحاولة تصدير تيار الإسلام السياسي إلى داخل تشاد واستغلاله بما يهدد الاستقرار والأمن بالداخل، دفعت ديبي للصدام مع البشير بشكل واضح، ومواجهة محاولات استغلال الدين بالسياسة.

اقرأ أيضاً: بعد تطبيع العلاقات مع تشاد: إسرائيل تحقق مكاسب عسكرية واقتصادية وسياسية

يرى أحمد توم أن تغير موقف الرئيس الراحل من الإسلاميين وقيامه بمواجهتم بعد دعمهم، ارتبط بدعم الرئيس السوداني السابق عمر البشير، لهذه الجماعات، ومحاولاتها الإطاحة به من الحكم عبر عدة محاولات نجح ديبي في التصدي لها والتعامل معها، مشيراً إلى أن سياسات ديبي كانت مرتبطة برغبته في تعزيز موقفه داخلياً وخارجياً.

جنازة الرئيس الراحل إدريس ديبي

إرث ديبي

وعلى مدار ثلاثة عقود، هي فترة حكمه، نجح ديبي في تكوين علاقات دولية قوية مع المجتمع الدولي، وسط ترقب للسياسات التي سيتم اتباعها من تشاد خلال الفترة المقبلة.

يعتبر أحمد توم أن رحيل ديبي بمثابة خسارة كبيرة لفرنسا التي دعمته وأنقذته من محاولة الانقلاب عام 2008 بتدخلها عسكرياً، وعمل على تنفيذ السياسة الفرنسية بمنطقة وسط وغرب إفريقيا بشكل كبير، مؤكداً أن فرنسا سيكون لها دور في أي تغييرات تحدث بنظام الحكم داخل تشاد خلال الفترة المقبلة.

يحظى المجلس العسكري الانتقالي بدعم دولي- وكالات

يمكن النظر إلى الشق الإيجابي في ميراث الرئيس الراحل من خلال محاولته تحقيق السلام الداخلي، حسب الإعلامي التشادي علي فاضل قدري، الذي يؤكد أنه نجح في الحفاظ على الأمن والاستقرار بشكل كبير، بينما ينظر إلى الشق السلبي بانخراطه في نزاعات دول الجوار؛ وهو إرث سيكون ثقيلاً على تشاد في المستقبل.

يرى فاضل قدري أن السياسة الخارجية التشادية أمام احتمالَين خلال الفترة الانتقالية؛ الأول مرتبط باستكمال نفس السياسة حال استمرار المجلس العسكري برئاسة نجل الرئيس الراحل. أما الاحتمال الآخر، فمرتبط بنجاح المعارضة في الوصول إلى السلطة؛ وهو أمر سيكون له تأثير جوهري على السياسة الخارجية، لا سيما من ناحية الاختلاف في وجهات النظر مع فرنسا أو حتى في إقامة علاقات مع إسرائيل.

من جنازة الرئيس الراحل إدريس ديبي

يرجح مادي كانتي أن يكون أول القرارات التي قد يتم اتخاذها من الجيش هو سحب القوات التشادية الموجودة خارج البلاد، وتقدر بنحو ثلاثة آلاف جندي، وهو أمر ظهرت أخبار إعلامية عنه في الوقت الحالي، مشيراً إلى أن الجيش التشادي يتسم بالقوة، وسيكون قادراً على الاستمرار في محاربة “بوكو حرام”؛ إذا استمر في الحصول على الدعم الدولي.

اقرأ أيضاً:  ما هي قصة “المعارضة التشادية” التي يلاحقها الجيش الليبي في الجنوب؟

يشير محمد إبراهيم إلى أن الرئيس الراحل ترك إرثاً مرتبطاً بخلق أرضية مشتركة مع المجتمع الدولي؛ حتى من الناحية العسكرية، في إطار محاربة الإرهاب، وكان أحد الداعمين لفكرة تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة؛ ليس في تشاد فقط ولكن حولها أيضاً، فضلاً عن علاقاته التي اتسمت بالاتزان مع دول الجوار على الرغم مما تشهده هذه الدولة من حالة عدم استقرار.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة