الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

تريم وزبيد.. مدينتان روحيتان تضربان عميقاً في التاريخ الإسلامي

نظراً لارتباطها المباشر بالجزيرة العربية ووفود القوافل.. كان من الطبيعي أن تستمر الكثير من مدن اليمن في أن تكون منارة دينية إسلامية

كيوبوست – منير بن وبر

لطالما ارتبط جنوب الجزيرة العربية بمكة المكرمة منذ ما قبل الإسلام؛ إذ كان تجار قريش يرتحلون بقوافلهم إلى أسواق اليمن الكثيرة، ومنها أسواق حضرموت؛ كسوق الشِّحر وسوق رابية. وقد كان العرب عموماً يوقرون تجار قريش عند ترحالهم بينهم؛ لمجاورتهم بيت الله، وقيامهم بشؤون الكعبة.

كان اتصال قريش التجاري بجنوب الجزيرة العربية دافعاً للاهتمام والتأثير والتأثر بمختلف جوانب الحياة؛ بما فيها السياسية والدينية. فعلى سبيل المثال، سارعت وفود العرب وأشرافهم؛ ومن بينهم جد النبي، صلى الله عليه وسلم، عبدالمطلب بن هاشم، إلى تهنئة الملك سيف بن ذي يزن، في قصر غمدان بصنعاء، بعد طرده الأحباش من اليمن. وتذكر الروايات التاريخية عن هذه الزيارة تنبؤ واستبشار سيف بن ذي يزن، ببعثة محمد، صلى الله عليه وسلم، خلال حديثٍ طويل له مع عبدالمطلب.[1]

اقرأ أيضاً: بين المساجد والمجتمع في حضرموت.. حكاية تروى

وبفضل ذلك الترابط والروح الدينية السائدة ترأس ملوك جنوب الجزيرة العربية الوفود إلى رسول الله؛ ليعلنوا إسلامهم، وليؤسسوا بذلك روح الإسلام في موطنهم ذي الطبيعة الدينية العريقة؛ حتى إن جيريمي شيتكات، صاحب كتاب «حضارة جنوب شبه الجزيرة العربية»، قال إن الإسلام يدين بالكثير إلى ماضي حضارات جنوب الجزيرة العربية (كسبأ وحضرموت) التي سادت فيها الديانات السماوية أو الممارسات الوثنية قبل القرن السابع الميلادي بفترة طويلة.

لذلك كله، كان من الطبيعي أن تستمر الكثير من مدن اليمن في أن تكون منارة دينية إسلامية، ذات طبيعية روحانية خاصة إلى اليوم؛ مثل تريم في حضرموت، جنوب شرق اليمن، وزبيد في الحديدية على ساحل البحر الأحمر غرب اليمن.

تريم حضرموت

عُرف عن أهل حضرموت حبهم الشديد للعلم منذ القِدم؛ فاهتموا بعدد من المعارف؛ أهمها علوم اللغة والدين. وقد اشتهرت مدينة تريم منذ قرون الإسلام الأولى بكثرة العلماء والأدباء، وولع أهلها بالبحوث والمناقشات الدينية والمناظرات الأدبية؛ حتى تصدى كثير منهم للفتوى، إذ كانت المسائل الدينية ترِد إليهم من كل أرجاء البلاد، وحتى من عدن واليمن، كما كانت قبلة لطلاب العلم من كل أنحاء حضرموت وعدن وزبيد وصنعاء[2]؛ بل إنه ربما بلغ في تريم، في عصرٍ واحد، ثلاثمئة مفتٍ ومصنِّفين كُثراً.[3]

شاهد أيضاً: دار المصطفى.. قصة منبر إسلامي معتدل من حضرموت

ولعل المساجد من بين أبرز ما يعطي تريم مظاهرها الروحية؛ فمنها يصدح الأذان والصلاة والدعاء والمحاضرات والأناشيد الدينية، وفيها يجتمع الأهالي للصلاة والتعلُّم وعقد القران والصلاة على موتاهم وتشييعهم منها. ويُذكر أن تريم بها أكثر من 360 مسجداً؛ بما في ذلك الزوايا، حتى إن الواحد يستطيع أن يصلي في كل يوم منفرد من أيام السنة بمسجد مختلف.

مسجد المحضار.. تريم- حضرموت- موقع “العربي”

ليست المساجد للعبادة والدرس وممارسة الشعائر الدينية لفترة قصيرة خلال اليوم فحسب؛ بل هي أيضاً مأوى يخلو به المتعبدون لساعاتٍ طويلة، وربما ليالٍ وأيام بحالها؛ وفي ذلك يذكر المؤرخ السقاف أن من عادات المساجد في حضرموت منذ القِدم جلوس البعض بها لقراءة القرآن كل ليلة بين العشاءين، ومن ثلث الليل الأخير إلى صلاة الصبح على ضوء المصباح الذي يدور بين الحاضرين مع المصحف[4].

يعود تاريخ بعض الأماكن الدينية في حضرموت إلى قرونٍ موغلة في القدم؛ بل ربما كان لبعضها دور منذ ما قبل الإسلام، مثل شعب قبر نبي الله هود، عليه السلام، والذي كان موضعاً لإحدى أسواق العرب، تُعرف بسوق مهرة. وهو اليوم مزار ديني موسمي شهير في حضرموت؛ إذ يفد إليه الآلاف من حضرموت ودول أخرى، خصوصاً من جنوب شرق آسيا، في شهر شعبان من كل عام؛ لإقامة وحضور الدروس العلمية، وأداء الصلاة وإحياء الليل بالذكر والدعاء والخلوة بالنفس.

ويصف عبدالرحمن السقاف، صاحب كتاب «إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت»، تلك المناسبة بأنها أشبه بأيام مِنى من عدة وجوه؛ منها الروحانية العظيمة والخلوة والتعبُّد، وازدحام المكان خلال تلك الأيام فقط وخلوه تماماً بقية أيام السنة. ويتابع ثناءه على الأيام التي يقضيها الناس في ذلك المكان بأنها أيام تنشق فيها الغمّى وتذرف فيها الدموع وتبتل الأردان وتقشعر الأبدان وترجف القلوب.[5]

اقرأ أيضاً: كيف أثر الحضارمة في جنوب شرق آسيا؟

ولا تزال مدينة تريم إلى اليوم وجهة أساسية للعلوم الدينية من داخل البلاد وشتى أنحاء العالم؛ خصوصاً دول المهجر الحضرمي مثل إندونيسيا، والذين يأتون لتعلُّم علوم الدين واللغة في مدارس تريم -موطن أجدادهم- مثل رباط تريم ودار المصطفى، وغيرهما.

ويشعر الزائر لمساجد ومدارس تريم الدينية بروحانية عظيمة فور دخوله؛ لما يراه من سكون وهيبة ووقار يعكسها لباس الطلاب الأبيض، وتحلُّقهم حول شيوخهم أو انفرادهم بأنفسهم في زوايا المكان. وقد اختيرت تريم في عام 2010 عاصمة للثقافة الإسلامية من قِبل المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة؛ لدورها وتاريخها الثقافي والديني الرائد.

زبيد

ارتبطت زبيد باسم الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري، منذ سنوات الإسلام المبكرة؛ إذ قدم أبو موسى إلى مكة وأقام بها منذ ما قبل الإسلام، ثم ولاه الرسول، صلى الله عليه وسلم، على زبيد وعدن بعد الإسلام؛ حيث توجد قبيلة أبي موسى (الأشاعرة) في زبيد والمخاء على ساحل البحر الأحمر. عُرف أبو موسى الأشعري بصحبته الرسول، ورواية الأحاديث عنه، وقراءة القرآن على النبي بصوته العذب.

من مساجد زبيد.. الحديدة- “اليونسكو”

اكتسبت مدينة زبيد مكانة وشهرة دينية بمرور الزمن، وإن كانت قد تعرضت إلى فتراتٍ من الركود في بعض مراحل التاريخ. وصلت المدينة إلى مرحلة الازدهار الديني في القرن الثالث الهجري، وبلغت ذروة شهرتها في عهد الدولة الرسولية (1229م- 1454م) التي يُعد عهدها من أفضل العصور في تاريخ اليمن الإسلامي.

اقرأ أيضاً: عدن.. مدينة التسامح والتعايش والسلام

اشتهرت زبيد كمركز ديني تعليمي، تستقطب طلاب العلم وتنشره في كل مكان، حتى وصلت شهرتها إلى شمال الهند. ومن بين الأسماء الكثيرة التي ارتبطت بزبيد يُذكر -على سبيل المثال لا الحصر- أبو طاهر الفيروزآبادي، والذي ولد بفارس، تم ترحَّل لطلب العلم من بلده إلى بغداد ودمشق والقدس والقاهرة.. وغيرها من البلدان حتى استقر -إلى أن توفي- في مدينة زبيد، بعد أن وُلي بها قضاء اليمن، إضافة إلى نشره العلم. يُشتهر الفيروزآبادي بمؤلفاته اللغوية؛ مثل «القاموس المحيط» و«القاموس الوسيط».

داخل أحد مساجد زبيد- “اليونسكو”

ولا شك أن الحياة الروحية والدينية والعلمية والثقافية بزبيد أثرت على مختلف نواحي الحياة؛ وقد تجسَّد ذلك في مساجدها التي فاقت ثمانين مسجداً، من أشهرها مسجد الأشاعرة، ويُذكر أن أربعة عشر من هذه المساجد يعود إلى عهد الدولة الرسولية؛ وهي أكبر مجموعة من المباني من هذه الفترة في اليمن، وجميعها مدارس أيضاً.

كما يوجد في زبيد عدد من الأربطة التي تستقبل الطلاب وتوفر لهم أماكن ملائمة للإقامة، ويتم تمويل تلك المباني من أموال الوقف. وقد أسهمت المباني والمآذن والمجموعة المعمارية المتجانسة للمدينة في عكس المظاهر المكانية لسنوات الإسلام الأولى.

لعبت مدينة زبيد دوراً مهماً في العالم العربي والإسلامي لعدة قرون بفضل مكانتها كأحدة المراكز المهمة لنشر المعرفة الإسلامية، وقد خلَّف فقهاء المدينة وعلماؤها إرثاً من المخطوطات القيِّمة لا يزال باقياً إلى الآن رغم كل المخاطر المحيطة به، وقد تم إدراج زبيد على قائمة مواقع التراث العالمي المعرضة للخطر في عام 2000 من قِبل “اليونسكو”.

المراجع:

[1] كتاب: «مع العرب في التاريخ والأسطورة». رئيف خوري. ص 46.

[2] كتاب: «تاريخ حضرموت السياسي». صلاح البكري.

[3] كتاب: «إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت». عبدالرحمن السقاف. ص 875.

[4] كتاب: «تاريخ الشعراء الحضرميين». عبدالله السقاف. ص 55.

[5] كتاب: «إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت» (بتصرف). عبدالرحمن السقاف ص 1027-1028.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة