الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

ترميم ما قد تحطم

عملية رأب الصدع في العلاقات عبر الأطلسي ستكون طويلة ومعقدة

كيوبوست- ترجمات

قبل عامين من الآن، وخلال مؤتمر ميونخ الأمني، وهو تجمع سنوي لكبار الشخصيات الجيوسياسية، وأمام جمهور عريض من الأوروبيين، ألقى نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس، كلمة مليئة بالملامة والتبجح والتباهي بشعار “أمريكا أولاً”، وبعده بساعات قليلة وعلى المنصة ذاتها، قدم جو بايدن لمحة أكثر إشراقاً للمستقبل عن علاقة بلاده مع الأوروبيين، قائلاً: “دوام الحال من المحال.. ونحن سوف نعود”. وقد حققت انتخابات نوفمبر نبوءته؛ تعهد الرئيس المنتخب بايدن، بأن يعيد العلاقات مع الحلفاء إلى طبيعتها بعد أن صدعها ترامب، واعتمد على الكثير من الوجوه المعروفة من عهد أوباما في تشكيل فريق إدارته، فعاد الأمل إلى الأوروبيين الذين بدؤوا في تحضير لائحة أعمال.

اقرأ أيضاً:  لماذا تحتاج الولايات المتحدة إلى محاسبة حقبة ترامب؟

بعد شهر من فوز بايدن بالانتخابات، أصدرت المفوضية الأوروبية مجموعة مقترحات لأعمالٍ مشتركة عبر الأطلسي، قال عنها مصدر مقرب من فريق بايدن “إنها تتناغم كثيراً مع أفكارنا”، وهذا ينبئ عن قيام تحالف هائل؛ حيث يبلغ مجموع دخل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي 40% من الدخل العالمي. تحظى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا بنفوذٍ كبير على القوانين العالمية والتكنولوجيا، ويبلغ إنفاقها العسكري نصف الإنفاق العسكري العالمي؛ ولكن التحديات العالمية في تصاعدٍ مستمر، فالولايات المتحدة تحتاج إلى أن تصبَّ اهتمامها على المستجدات الداخلية والخارجية. قدَّر المتفائلون أن هذه الظروف تدعم قضية التعاضد الأطلسي؛ لكن الحقيقة أن هذا التحالف بحاجةٍ إلى التجديد.

مايك بنس يصل إلى مؤتمر ميونخ للأمن بينما يشكك الحلفاء في دور الولايات المتحدة القيادي- “ذا سترايتس تايمز”

تتوزع العلاقات الأطلسية في عهد بايدن في سلَّات ثلاث؛ الأولى وهي الأسهل نسبياً، بدايةً، السيد بايدن هو ليس كالسيد ترامب؛ فالرئيس المنتهية ولايته الذي يرى أن حلف شمالي الأطلسي (الناتو) قد عفَّى عليه الزمن، وينظر إلى الاتحاد الأوروبي على أنه خصم استحدث لإفقار أمريكا. بينما السيد بايدن سيعاود الانضمام إلى اتفاقية باريس المناخية، وسيلغي قرار السيد ترامب بالانسحاب من منظمة الصحة العالمية، وعلى الأرجح أن القرار بتخفيض عدد الجنود الأمريكيين المتمركزين في ألمانيا لن يصمد، كما أن السيد بايدن بإمكانه إلغاء فرض التعريفة الجمركية التي فرضها السيد ترامب على الصلب والألمنيوم المستورد من أوروبا. وربما سيجد الأوروبيون أن الولايات المتحدة أكثر رغبة من الماضي في تحسين منظمة التجارة العالمية المنكمشة، وفي حلِّ الخلاف القديم حول الدعم الحكومي لقطاع صناعة الطيران.

في المجال الأمني، يستطيع الأوروبيون توقع تأكيد أمريكي صريح بالتزام الولايات المتحدة بالمادة الخامسة من ميثاق حلف شمالي الأطلسي التي تنص على ضمان الدفاع المشترك بين الدول الأعضاء. أما بشأن سياسة أمريكا تجاه روسيا، فالمتوقع أن السيد بايدن سيسعى لتمديد اتفاقية “نيو ستارت” مع روسيا؛ للحد من الأسلحة النووية، والتي من المفترض أن ينتهي العمل بها في الخامس من فبراير المقبل. لدى الاتحاد الأوروبي وبريطانيا رغبة في عودة أمريكا للانضمام إلى اتفاقية الأسلحة النووية مع إيران التي أسهموا في المفاوضات التي سبقتها، كان السيد بايدن قد نوه بأنه لديه النية للعودة إذا التزمت إيران ببنود الاتفاقية. جميع الأطراف منشغلة بمناورات دبلوماسية تؤمن لها الضغط قبل أن تبدأ المفاوضات.

اقرأ أيضاً: القدرة على الفعل.. ميزات أمريكا وفرص بايدن

أما السلة الثانية فتتضمن أفكاراً أكثر طموحاً؛ فالسيد بايدن قد تعهد بإقامة “مؤتمر قمة للديمقراطية” لمواجهة الحكومات الاستبدادية، ويبدو أن هذا المؤتمر لن يكون مؤتمراً لأخذ الصور التذكارية، بل سيضع أسساً للسياسات تجاه مجموعة من المسائل، ويتابع هذا المؤتمر في نهاية العام باجتماعٍ بعيد عن الأضواء؛ ولكن الحكومات الفاسدة من الدول الأوروبية، سواء تلك العضوة في الاتحاد الأوروبي أو خارجه، ستواجه مرحلة صعبة.

وعلى صعيد المناخ، فقد يتوجب على الجانبين بذل جهود مضنية لتخطي الأمور العالقة التي طالما تكررت محاولات تخطيها؛ فالتعاون في مسألة ضريبة انبعاث الكربون سيواجه صعوبة بعراقيل في مجلس الشيوخ الأمريكي. إن مخطط الأوروبيين لفرض ضريبة على الواردات الأمريكية المصنفة على أنها ليست صديقة للبيئة سوف تواجهه صرخات أمريكية تطالب بالحمائية. وبعض السياسيين الألمان يأملون في إحياء اتفاقية الشراكة عبر الأطلسي للتجارة والاستثمار؛ وهي اتفاقية تم التفاوض عليها في عهد أوباما، ولكن لم يكتب لها أن ترى النور، وفي الوقت عينه، فإن الرأي العام عند الجانبين لا يحبذ الاتفاقات التجارية الكبرى، وقد يكون هنالك الكثير من العمل للوصول إلى تفاهم حول الضرائب، وتحديد المعايير يمكن أن يتم في منتديات أخرى.

لم يكن زعماء الدول السبع الكبرى سعداء بمواقف ترامب في قمة عام 2018- “يوروبيزنس”

رؤية بايدن ليست بعيدة كثيراً عن الفكرة الفرنسية بخصوص (العولمة المتحكم بها)، على حد قول توم رايت، من معهد بروكنغ في واشنطن.

إن مقترح الاتحاد الأوروبي لإنشاء مجلس التكنولوجيا والتجارة قد يساعد في اعتماد مواصفات قياسية في التقنيات الجديدة كالذكاء الاصطناعي مثلاً، مع إمكانية أن توجه دعوة إلى الدول الديمقراطية الأخرى للانضمام إلى هذا المجلس.

اقرأ أيضاً: ماذا يريد العالم من جو بايدن؟

وفي المجال الرقمي، على الرغم من احتمال عودة التوترات القديمة بشأن خصوصية البيانات والمنافسة؛ فإن تايسن باركر، من المجلس الألماني للعلاقات الخارجية، يرى تقارباً مع تزايد تنبه الجهات الناظمة الأمريكية لتحديات شركات التكنولوجيا الكبرى؛ ولكن يبقى خطر التعثر قائماً بسبب الضرائب التي قامت بعض الدول الأوروبية بفرضها على شركات التكنولوجيا العملاقة، حيث تم التهديد بفرض رسومٍ جمركية انتقامية على فرنسا. وقد ناشد تقرير صادر عن مجلس العلاقات الخارجية الألماني، وجامعة هارفارد كينيدي، جميع الأطراف تجميد قرارات كهذه لمدة عام، بينما تبحث الأطراف المعنية التوصل إلى مقاربة مشتركة في أروقة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي تعتبر نادياً للدول الغنية.

وفي السلة الثالثة، يجب على الطرفين أن يعملا على خفض التوتر؛ فالتوجس الأمريكي القديم حيال تقصير بعض الدول الأوروبية، خصوصاً ألمانيا، في الإنفاق العسكري، لن ينتهي بانتهاء ولاية ترامب؛ ولكن لن يتم الضغط على الأوروبيين من أجل الالتزام.

اقرأ أيضاً: الواقع والخيال في وداع ترامب الذي طال انتظاره!

يجب أن تلاقي الجهود الأوروبية لتقاسم الأعباء الأمنية، بما في ذلك التحركات العسكرية والدفاع السيبراني وحتى مكافحة الفساد، آذاناً صاغية في واشنطن؛ خصوصاً إذا كانت تلك المشاركة قادرة على خفض التوترات في محيط الاتحاد الأوروبي، ولكن المحاولات التي تقودها فرنسا لصياغة استقلالية استراتيجية، سوف تلقى مقاومة من الولايات المتحدة إذا رأت فيها تقويضاً للناتو. 

هل أدار ترامب ظهره لأوروبا؟- “بي بي سي”

ربما تكون المنافسة المستعرة مع الصين، والتي تتداخل بشكل كبير مع السياسة الخارجية الأمريكية، واحداً من أهم الاختبارات للعلاقة عبر الأطلسي؛ فالاتحاد الأوروبي ينظر إلى الصين على أنها “خصم منهجي”. وهذا التوصيف يجب أن يفسح المجال للعمل المشترك؛ بينما يقول بايدن إن “جبهة موحدة” سوف تعطي الدول الديمقراطية “تأثيراً أكبر” على الصين. على الرغم من ذلك؛ فإن الاتحاد الأوروبي وافق مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، في 30 ديسمبر، على الخطوط العريضة لصفقة استثمارية أثارت انتقادات كثيرة في الولايات المتحدة. وقد تفاخر بعض الأوروبيين بأن هذا الاتفاق يعبر عن “الاستقلال الاستراتيجي” لأوروبا.

 على الرغم من كل الصخب الذي رافقها؛ فإن فريق بايدن لا يتوقع أن تلك الصفقة قد تزيد من صعوبة التعاون الأطلسي في مواجهة الصين حتى داخل منظمة التجارة العالمية، لكن إذا ما قام الأمريكان بمعالجة الموضوع بتركيز أكبر فسيضعون الأوروبيين أمام خيارات صعبة. سيقاوم الأوروبيون المناشدات الأمريكية للقطيعة مع الصين، (في الواقع الكثير من الشركات قد بدأت تتهيأ للاستثمارات الصينية) أو لإخضاع كل العلاقات التجارية معها للامتحان الجيوستراتيجي.

اقرأ أيضاً: كيف تستطيع أوروبا والولايات المتحدة أن تجددا تحالفهما؟

إن الأوروبيين أنفسهم منقسمون بخصوص الصين، كما نوه بيتر باير (المنسق الحكومي الألماني للعلاقات الأطلسية)؛ ولكنهم منفتحون لمناقشة تأمين توريدات وموردين يعتمد عليهم، والتناغم في أساليب الاستثمارات الأجنبية، وربما أيضاً في ضوابط التصدير. وربما يؤدي رحيل أنجيلا ميركل، وهي التي لعبت دوراً ريادياً في العلاقات مع الصين، إلى تغيير التوازن السياسي في أوروبا.

فوز بايدن سيعيد تنشيط العلاقات مع أوروبا- “ذا ناشيونال”

ويبقى السؤال المهيمن على العلاقة بين ضفتي الأطلسي هو السؤال الذي طرحه ميتين هاكفيردي، عضو البرلمان الألماني عن الحزب الديمقراطي الاشتراكي “السؤال الكبير”: هل كان دونالد ترامب استثناءً؟ أم هل سيكون جو بايدن هو الاستثناء؟ هنالك مخاوف من أن يعود ترامب، أو شخص آخر مثله، بعد أربع سنوات لسدة الرئاسة؛ ما قد يدفع الأوروبيين إلى انتهاج سياسة التحوط والاعتماد على الاستقلالية في قضايا الدفاع والتكنولوجيا، وحتى البحث عن حلفاء آخرين.

ولكن هذه المخاوف أيضاً ستدفع الأوروبيين لأن يفعلوا ما في وسعهم لمساعدة السيد بايدن للوفاء بالوعود التي قدمها إلى ناخبيه؛ وهي أن أمريكا تصبح أقوى ما يمكن عندما تعمل يداً بيد مع حلفائها.

المصدر: ذا إيكونوميست

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة