الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

تركيا والولايات المتحدة.. صراع القيم والمصالح

كيوبوست- منير بن وبر 

تفيد التقارير أن العديد من المشرعين الأمريكيين يعربون أخيراً عن ميلهم لإتمام صفقة بيع الطائرات الأمريكية من طراز F-16 إلى تركيا بعد سنوات من التعثر بسبب التوترات بين البلدين. روسيا هي أحد أسباب الخلاف بين واشنطن وأنقرة؛ لكنها تعود اليوم لتصبح أحد أسباب الوفاق المحتمل بينهما. ومع ذلك، ومن خلال استعراض تاريخ العلاقات بين كل من روسيا والولايات المتحدة والناتو من جهة، وتركيا من الجهة الأخرى، يمكن فهم المحركات المختلفة للمضي قُدماً أو الرجوع إلى الخلف.

القيم، أو الأخلاق، في العلاقات الدولية هي ما تحاول الولايات المتحدة تقديمه كعنصر حاسم في العلاقات الدولية، يمكن أن يمضي هذا التأكيد إلى حد مبالغ فيه، في أحيان كثيرة ظاهرياً أو من خلال الكيل بمكيالين كما يُنظر إليه من قِبل البعض. يمكن رؤية ذلك من خلال تأكيد الرئيس الأمريكي، جون بايدن، المتكرر، أن الصراع في العالم الحالي هو صراع  بين “الاستبداد والديمقراطية”. بالنسبة إلى تركيا كما تراها واشنطن فإنها -ولفترة طويلة جداً- في قائمة الدول التي تبتعد أكثر عن الديمقراطية متجهةً نحو الاستبداد تحت قيادة أردوغان.

اقرأ أيضاً: بعد زيارته إلى السعودية.. أردوغان يقتلع جذور الإخوان في تركيا

لكن مصالح حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة مع تركيا طويلة المدى وأساسية للجميع. وربما ينبغي غض الطرف أحياناً عن تصرفات أنقرة التي لا ترضي المعايير الأمريكية بشكل مثالي، ولعل الحرب الروسية- الأوكرانية تُعد إنذاراً بأهمية هذا التوجه بفضل مكامن القوة التركية. من جانب آخر، يجب أن لا ننسى أن هناك تغيراً لافتاً للنظر في السياسة الخارجية والدبلوماسية التركية، وجميعها تمثل تغييرات جذرية ليس في علاقة أنقرة بالولايات المتحدة فحسب؛ بل بحلفاء واشنطن في الشرق الأوسط: السعودية والإمارات ومصر وإسرائيل.

واشنطن وأنقرة.. أسباب التقارب

منذ البدايات المبكرة لإنشاء حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أدت تركيا دوراً أساسياً في الأمن عبر المحيط الأطلسي. كما حافظت واشنطن على علاقات متينة معها كأحد أساليب الردع الموجهة ضد الاتحاد السوفييتي سابقاً؛ لمنعه من الوصول إلى المضائق التركية التي تربط البحر الأسود بالبحر الأبيض المتوسط.

يُعرف مضيق البوسفور (الأحمر) والدردنيل (الأصفر) وبحر مرمرة بينهما مجتمعة باسم المضائق التركية. ويكيبيديا

أدت تركيا العديد من الأدوار البنّاءة التي عززت من أهميتها بالنسبة إلى الناتو والولايات المتحدة؛ منها على سبيل المثال دورها في عمليات حفظ السلام أثناء أزمة البلقان في التسعينيات، ومساهمتها القوية مع الناتو في أفغانستان، واستضافة تركيا قوات وأصولاً عسكرية أمريكية أو تابعة للناتو؛ بما في ذلك قاعدة إنجرليك الجوية الضخمة.

تؤدي مكامن القوة التركية الأخرى دوراً حاسماً كعامل للتقارب أيضاً، ويشمل ذلك الاقتصاد القوى والجيش والموقع الجغرافي، ودورها في أمن الطاقة الأوروبي. هذا الأخير، يُعد باعثاً أساسياً لإحياء العلاقات الثنائية بين واشنطن وأنقرة؛ حيث ترغب الولايات المتحدة في أن تستفيد أوروبا من مصادر الطاقة في جنوب القوقاز وبحر قزوين وآسيا الوسطى؛ لتقليل الاعتماد على روسيا، ولجعل ذلك ممكناً ينبغي تحويل تركيا إلى مركز للطاقة يربط بين تلك المنطقة والأسواق الأوروبية.

اقرأ أيضاً: غبار الغزو الروسي لأوكرانيا سيكشف عن أوروبا مختلفة

عقبات في طريق المصالح الاستراتيجية

واجهت العلاقات الأمريكية- التركية تحديات متكررة خلال العقود الماضية؛ بدءاً من انقلاب الجيش التركي عام 1960 ضد الحكومة المنتخبة ديمقراطياً، وغزو قبرص في عام 1974. ثم، منذ عام 2010 تقريباً، أسهمت توجهات أردوغان، كرئيس للوزراء ورئيس للدولة لاحقاً، في خلق التوترات بين البلدين، ومن ذلك العداء للغرب، وانتهاكات حقوق الإنسان، والعمل بطريقة أكثر استقلالية؛ في محاولة للمناورة بين الحلفاء والخصوم. وقد كان للتقارير الدولية الخاصة بحقوق الإنسان دور بارز في إظهار قمعية النظام وعزله دولياً.

تحديات المنطقة المحيطة بتركيا فرضت تأثيرها أيضاً على العلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة، وتشمل تلك التحديات حزب العمال الكردستاني، وعلاقات أنقرة بالجماعات الجهادية وجماعة الإخوان المسلمين، والنزاعات مع اليونان وقبرص، والسياسات الإقليمية العدوانية للرئيس أردوغان التي أدت إلى توتر العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة ومصر وإسرائيل والسعودية.

مقاتلات F-16 في سلاح الجو التركي. سلاح الجو

كل تلك العوامل دفعت صانعي القرار في واشنطن إلى مراجعة العلاقات مع أنقرة، وأصبح الأمر أكثر تعقيداً عندما قامت تركيا بشراء نظام الدفاع الجوي الروسي المتقدم S-400. كانت هذه الخطوة سبباً آخر للتوتر ومزيداً من تأكيد -من وجهة نظر أمريكية- عدم الالتزام تجاه الناتو، إضافةً إلى الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان والابتعاد عن الديمقراطية كما تبين في الأسباب سابقة الذكر، وأدت إلى حرمان تركيا من صفقة طائرات F-35؛ بل وحرمانها حتى من تحديث مقاتلات F-16 التي تمتلكها بالفعل.

آثار الحرب الروسية- الأوكرانية

بعد طرد أنقرة من برنامج شراء طائرات F-35؛ نتيجة شراء نظام S-400 الروسي، يعيد المشرعون الأمريكيون أخيراً النظر إلى سُبل إعادة العلاقات مع تركيا. وهناك أنباء عن ميل للموافقة على بيع 40 مقاتلة من طراز F-16 و80 مجموعة لتحديث أسطول أنقرة الحالي. هذا التقدم الإيجابي في العلاقات الثنائية مدفوع إلى حد كبير بدور أنقرة في الحرب الروسية- الأوكرانية الذي يُنظر إليها بإيجابية، والتي تشمل الجهود الدبلوماسية مع روسيا وبيع الأسلحة إلى أوكرانيا.

اقرأ أيضاً: مارك ميرويتز لـ”كيوبوست”: لا بديل أمام تركيا سوى التعاون مع دول الشرق الأوسط

لم تكن تركيا وروسيا على وفاق دائماً، إلا أنهما، خلال العقدَين الماضيَين، كانتا مدفوعتَين إلى تقارب محدود؛ لأسباب تشمل تزويد تركيا بالغاز الطبيعي الروسي والطاقة، والتبادل التجاري والسياحة والتعاون في مجال بناء محطات الطاقة النووية. فرضت الحرب الروسية- الأوكرانية تحدياً على العلاقات بين البلدَين؛ خصوصاً بعد بيع أنقرة طائرات مسيرة مسلحة إلى أوكرانيا، والدور الحاسم الذي تلعبه تلك التقنية الفعالة. ومع ذلك، حاولت تركيا الموازنة بين روسيا وأوكرانيا من خلال معارضة العقوبات الغربية بعيدة المدى المفروضة على موسكو بسبب الغزو، واستضافة محادثات لإنهاء النزاع بين روسيا وأوكرانيا.

الدور التركي الفعّال يبدو مقنعاً لمكافأتها بتحديث سلاحها الجوي، وإن كان ذلك لا يعني الموافقة على بيع طائرات F-35، والاكتفاء بطائرات F-16 المقاتلة، وتحديثات أخرى. من وجهة النظر الأمريكية، يمثل ذلك عاملاً مهماً في مساعدة الناتو وأوكرانيا وتركيا، ومتسقاً مع مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة ووحدة الناتو، خصوصاً أن أنقرة قد دفعت بالفعل ثمن إغضابها واشنطن بسبب شراء نظام S-400 الروسي.

الملك سلمان بن عبدالعزيز والرئيس التركي رجب أردوغان. جيتي إمجس

تشهد تركيا منذ عام ونصف العام، تقريباً، تغييرات ملحوظة في سياساتها الخارجية؛ وهي تغييرات يُنظر إليها كمحاولة لكسر العزلة والاندماج من جديد في المجتمع الدولي بشكل بنّاء بعد عقود من التغريد غير المثمر خارج السرب، وربما تُعد ملامح عودة العلاقات التركية مع مصر والسعودية والإمارات وإسرائيل، وأخيراً الولايات المتحدة، أحد أهم إنجازات الدبلوماسية التركية مؤخراً. يعتقد الكثير من المراقبين أن هذه الخطوات مدفوعة بالمصالح الاستراتيجية طويلة المدى والضرورية لأمن المنطقة بعد أن هيمنت بعض المثاليات والطموحات غير المدروسة على المشهد بضعة عقود. 

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة