الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

تركيا في الصومال.. وجود عسكري مثير للشكوك

  • فؤاد العسيري

“توركسوم” (Turksom)، قاعدة وكلية عسكرية تركية في الصومال، وتعد أكبر وجود عسكري تركي خارج تركيا. يدَّعي الأتراك أن الهدف من إنشاء القاعدة هو تدريب الصوماليين؛ ليشكلوا نواة للقوات الصومالية مستقبلًا. القاعدة افتتحت في مقديشو في سبتمبر 2017، ويبدو أنها تستطيع تخريج حتى 1500 عسكري في كل دفعة. ولكن مهلًا، معماريًّا ومن خلال الصور والتقارير الصحفية نلاحظ أن الأتراك قد حرصوا كل الحرص على أن تكون المباني في القاعدة نسخةً من قصر توبكابي، وهو الطراز الأناضولي(Anatolian architecture) ، وقصر الرئاسة التركي الجديد؛ خصوصًا من الخارج، وليس على أي طراز بناء إفريقي أو سواحلي أو حتى نمط حديث، ناهيك بسيطرة الأعلام التركية في معظم أرجاء القاعدة والكلية؛ مما يعطي انطباعًا بأن القاعدة في إحدى ضواحي أنقرة وليست في الصومال. الملاحظة الأخرى المهمة أن المتدربين الصوماليين يتدربون ويتعلمون في صفوف الكلية باللغة التركية وليس باللغة المحلية أو حتى الإنجليزية، كما أنهم يتعلمون التاريخ والثقافة التركية؛ مما يفتح تساؤلًا حول الأسباب الحقيقية للوجود التركي العسكري في الصومال ومدى احتمالية أنه سيبقى هناك بهدف السيطرة على القرن الإفريقي وممر البحر الأحمر التجاري، وهو أحد أهم الممرات في العالم.

اقرأ أيضًا: أردوغان يحاول توسيع نفوذه في ليبيا بالتنقيب في مياه الصومال

لغة مزدوجة

الصوماليون يظهر أنهم ممتنون لهذه الخطوة من تركيا بغض النظر عن الأهداف بعيدة المدى منها. بعضهم يتساءل: هل سيرحل الأتراك بعد انتهاء هذه المهمة حسب الاتفاقية بعد خمس سنوات؟ لكن الأتراك دائمًا كانوا لا يجيبون عن ذلك. ولكن ربما نستطيع أن نتوقع الإجابة إذا عرفنا أن لتركيا قوات في جزيرة سواكن السودانية وقطر والعراق وسوريا وليبيا. أيضًا هناك طريقة أخرى لمعرفة الإجابة كما أوضح الدكتور مايك تانشوم، الأستاذ المشارك في المعهد النمساوي للدراسات الأوروبية والأمنية، عندما كتب مؤخرًا لمحة عامة عن المنشآت البحرية التركية في الخارج؛ حيث قال: “تركيا تعمل على تعميق علاقاتها العسكرية مع مختلف الدول الإقليمية؛ لتضمن زيادة مبيعات الأسلحة التي تصنعها، وهذه الاستراتيجية هدفها غزو الأسواق الإفريقية والآسيوية. تركيا بدأت فعلًا بيع الأسلحة إلى الصومال مطلع 2018، كما أن الشركات التركية تُدير بعض الموانئ والمطارات، بالإضافة إلى أن الأسواق الصومالية تعجّ بالمنتجات التركية. الدول المحطية بالصومال، تنزانيا وأغندا وكينيا وإثيوبيا، أيضًا وقَّعت اتفاقيات تدريب أمني مع تركيا. الأتراك يظهرون كرت مقاومة الامتداد الإيراني في إفريقيا أمام الدول العربية، ويظهرون كرت محاربة المجموعات الإرهابية؛ مثل حركة الشباب الإسلامي أمام الدول الأوروبية، وفي النهاية قد يكون السبب الرئيسي هو للسيطرة فعلًا على القرن الإفريقي بشكل تام؛ لتحقيق تقدم جيوسياسي.

الرئيسان التركي رجب طيب أردوغان والصومالي محمد عبد الله فرماجو – وكالات

المحاولات التركية لإقامة قاعدة عسكرية رُفضت في أكتوبر 2016 كما جاء على لسان وزير الخارجية الصومالي، آنذاك، قائلًا إنها لن تكون مفيدة؛ ولكن هذا الموقف تغيَّر سريعًا بعد فوز محمد عبدالله فرماجو، برئاسة البلاد. جدير بالذكر أن اتفاقيات التدريب والتمويل العسكري والأمني بين تركيا والصومال بدأت من خلال اتفاقية تعاون تقني في أبريل 2009، ثم اتفاقية تدريب عسكري في مايو 2010، ثم في اتفاقية عسكرية في أبريل 2012، ونهايةً باتفاقية دعم عسكري صناعي في يناير 2015. كل ذلك يستدعي قلقًا متزايدًا بسبب عدم التنسيق بين الحكومة التركية والمجتمع الدولي، وكذلك عدم التوافق مع دول الخليج والأردن ومصر التي تتأثر بشكل مباشر بهذا الوجود العسكري إلى الشمال في مدينة بربرة وبوساسو؛ حيث حكومة إقليم أرض الصومال المستقرة ذات الحكم الذاتي.

اقرأ أيضًا: أطماع تركيا في الصومال: نشاطات تُغلّف بالمشاريع الخيرية!

وفي جيبوتي هناك وجود لقوات صينية ويابانية وإيطالية وفرنسية لا تتعدى مهمتها حماية مضيق باب المندب والممر التجاري عبر البحر الأحمر، ولا يبدو أنها هناك لكي تشكِّل توسعًا جيوسياسي كما تسعى له الحكومة التركية.

استغلال العامل الديني

الدعم التركي للصومال، سواء العسكري أو المالي، لا يمر عبر القنوات الوسيطة كالأمم المتحدة؛ ولذلك يلقى هذا الدعم انتقادات عالمية واسعة؛ وأبرزها أن هناك قدرًا ضعيفًا من المساءلة والرقابة، وهو ما تصفه إحدى الدراسات بـ”عدم مراعاة الطبيعة الفاسدة للحكومة الصومالية”. فمثلًا ورد في تقرير للأمم المتحدة أن الأموال التركية المخصصة لترميم وتشغيل ميناء مقديشو، انتهت مباشرةً في أيدي السياسيين الصوماليين عبر طرح مناقصات مخالفة قانونيًّا، غير أن الحكومة التركية تبرر ذلك بأن الدعم المباشر يوفِّر الوقت والجهد؛ ولكن هذا المبرر يطرح تساؤلًا مهمًّا؛ وهو: لماذا تغامر تركيا بذلك، وما الثمن الذي يجعل هذه المغامرة ذات فائدة لتركيا؟

التواجد العسكري التركي في الصومال بوابة لنفوذ أكبر في إفريقيا – العربية نت

بالإضافة إلى ذلك، فإن تركيا تحاول استغلال الورقة الدينية أيضًا كجزء لا يتجزأ من برامجها من خلال بناء المساجد والمؤسسات التعليمية والمدارس الدينية؛ ولكن بعضها تسبب في إحداث توتر بسبب سيطرة الحكومة التركية على بعض تلك المدارس التي كانت تتبع فتح الله غولن، والتي أُغلقت بالقوة؛ مما أثار تذمُّر كثير من السكان المحليين، كما عبَّر عن ذلك ويليم فان دن بيرج وجوس ميستر، الباحثان في المعهد الهولندي للعلاقات الدولية. بينما الأخرى التي تشرف عليها الحكومة مباشرةً تلقى قبولًا لدى الصوماليين؛ خصوصًا مع التيارات التي تتوافق مع توجهات الإخوان المسلمين المدعومة من الحكومة التركية الحالية كأيديولوجيا واحدة وليس بالضرورة توجهات الرئاسة الصومالية في مقديشو الحالية ذات المبدأ البراغماتي.

  • كاتب سعودي 

المراجع:

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة