الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

تركيا تستغل نفوذها في الصومال للوصول إلى القمر!

بدأ النشاط التركي في مجال الفضاء منذ عام 2018 لكنه توقف بسبب الأزمة الاقتصادية وتدهور سعر صرف الليرة.. ومن الغريب أن تعلن أنقرة برنامجاً تصل تكلفته إلى أكثر من مليار دولار في الوقت الذي تحتاج فيه إليه لإنعاش اقتصادها

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

بينما لم تعُد العافية بشكل كامل إلى الاقتصاد التركي منذ أزمة العملة (الليرة) والأزمة الاقتصادية؛ إذ ظلت أسعار المواد الغذائية الأساسية ترتفع بشكل مطرد، بجانب تفشي البطالة وسط الفئات الشبابية، قرر الرئيس التركي شدَّ الرحال إلى القمر بحلول عام 2028، انطلاقاً من الصومال الذي تهيمن تركيا على مفاصل اقتصاده وأمنه بشكل كامل؛ الأمر الذي سيُكلف الخزينة التركية ما يربو على مليار دولار أمريكي، حسب برنامج الفضاء التركي الذي أعلن الخبر.

تُخطط أنقرة للهبوط على سطح القمر باستخدام صاروخ هجين مصنوع محلياً سيتم إطلاقه في المدار عام 2023، وذلك بالتزامن مع الذكرى المئوية للجمهورية التركية، بينما تهدف المرحلة الثانية إلى الهبوط على سطح القمر بحلول عام 2028، بقدرات تركيا الخاصة، وتشمل هذه المرحلة مكوكاً مخصصاً لأغراض البحث العلمي.

من جهتها، تقول المعارضة التركية إن الميزانية السنوية لوكالة الفضاء التركية التي ستضطلع بهذه المهمة لا تتجاوز 40 مليون دولار، وتتساءل عما إذا كان بمقدور شركة “ديلتا إف”، التابعة للرئاسة التركية، تمويل البرنامج بـ”600” مليون دولار، كما كشفت عن ذلك خطة رُفعت إلى الرئيس أردوغان.

اقرأ أيضاً: التغلغل التركي الناعم في إفريقيا بين الاقتصاد والمسلسلات المدبلجة

القمر بتوقيت مقديشو:

تأتي هذه الخطوة التركية إثر نجاح دولة الإمارات في وضع مسبارها الاستكشافي، “الأمل”، على مدار كوكب المريخ، فبراير الجاري؛ لتصبح الدولة الخامسة عالمياً في مثل هذه المهمات الفضائية، كما تخطط وكالة الإمارات للفضاء لإطلاق مركبة هبوط تكنولوجية إلى القمر في عام 2024؛ الأمر الذي عدَّه الكثير من المراقبين سباقاً تُركياً محموماً للحاق بالبرنامج الإماراتي، وجعل الأمر تنافساً سياسياً أكثر مما هو علمي بحثي؛ خصوصاً أن الأوضاع الاقتصادية التركية الراهنة لا تسمح بتمويل مثل هذه البرامج المكلفة.

يقول عبدالقادر حكيم؛ الصحفي والباحث السياسي الإريتري، المهتم بشؤون القرن الإفريقي، في إفادةٍ خصّ بها “كيوبوست”: بدأ النشاط التركي في مجال الفضاء منذ عام 2018؛ لكنه توقف بسبب الأزمة الاقتصادية، وتدهور سعر صرف الليرة التركية، ولا تزال أنقرة تعاني آثار الأزمة؛ لذلك من الغريب والمثير أن تعلن عن برنامج تصل تكلفته إلى أكثر من مليار دولار، في الوقت الذي تحتاج فيه إليه لإنعاش اقتصادها.

اقرأ أيضاً: تركيا في الصومال.. وجود عسكري مثير للشكوك

عبدالقادر حكيم

على أية حال -يواصل حكيم- أظهرت الخطط الأولية للبرنامج التركي في هذا المجال، أن العمل جارٍ من أجل تصنيع صاروخ محلي سيتم إطلاقه في رحلة غير مأهولة إلى القمر، ويتلخص البرنامج الفضائي التركي في تطوير نظام تحديد الموقع والتوقيت الإقليمي الخاص بتركيا، والاستثمار في مجالَي الأرصاد الجوية وطقس الفضاء.

إلا أن ما يثير القلق -حسب حكيم- هو اختيار جمهورية الصومال الواقعة في منطقة القرن الإفريقي بشرق القارة، منصة لإطلاق الصاروخ التركي إلى القمر؛ لأن ذلك ينطوي على إشاراتٍ سلبية تشي باستغلال أنقرة للأوضاع الهشة التي تعانيها هذه الدولة وجعلها حقلاً لتجاربها العلمية، ربما يكون إطلاق هذا الصاروخ واحداً منها فقط، بينما لا يعرف أحد ما الانعكاسات السلبية لمثل هذه التجارب على البيئة والإنسان والحيوان في هذه البقعة من العالم، وهل هنالك تجارب أخرى تقوم بها تركيا في هذا البلد، ولماذا الصومال أصلاً؟

اقرأ أيضاً: الوجود التركي في الصومال.. مصالح متبادلة أم زواج كاثوليكي؟

قمر ينطلق من بؤرة صراعات:

يستطرد الباحث في شؤون القرن الإفريقي، قائلاً: رغم تبرير تركيا أن الاختيار وقع على الصومال لقُربها من خط الاستواء ولأسبابٍ أمنية “لا أحد يدري عنها”! فإن الحالة الأمنية في الصومال بالغة التعقيد والهشاشة؛ خصوصاً بوجود بعض الحركات المسلحة المتمردة على الحكومة الصومالية، مثل “حركة الشباب الإسلامي”، والتي دأبت على استهداف المنشآت والمشروعات التركية.. وغيرها من الاستثمارات الأجنبية، ما يُمثل تهديداً مباشراً لمنصة الإطلاق التي تنوي أنقرة بناءها هناك. إلا أن الأمر لا يخلو من استغلال؛ فلا أحد يعرف ما المقابل الذي ستحصل عليه الصومال مقابل هذه الصفقة الكبيرة، حيث يُكلف إنشاء المنصة فقط مبلغ “350” مليون دولار، حتى الصوماليون أنفسهم لا يتمكنون من الإجابة عن هذا السؤال؛ بل إن بعضهم يعتبر الأمر برمته “صفقة فساد”.

جانب من تدشين أكاديمية التدريب العسكري التركية في الصومال- أرشيفية

وهكذا يبدو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يعمد إلى “تسييس” كل شيء حتى البرامج العلمية، ويعمد إلى خلق نوع من الضجيج حولها، وإلا فإن سنتين من الآن حتى الموعد المزمع لإطلاق الصاروخ الأول 2023 كفيلتان بقلب الأوضاع في الصومال رأساً على عقب؛ فمنطقة القرن الإفريقي تُعتبر -وفقاً لحكيم- بؤرة للصراعات غير المتوقعة، ويمكن أن تتحول حالة الاستقرار السائدة في أية دولة منها إلى حالة حرب لا هوادة لها ولا قرار.

اقرأ أيضاً: الوجود التركي في غرب إفريقيا بين ضربات القراصنة والرفض الشعبي

خلفية الوجود التركي في الصومال:

في السياق ذاته، تعتقد د.فريدة بنداري؛ نائبة مدير المركز العراقي- الإفريقي للدراسات الاستراتيجية، أن حزب العدالة والتنمية ومنذ وصوله إلى السلطة في تركيا عام 2002 تبنى خطة للانفتاح على القارة الإفريقية، بعد سلسلةٍ من الإخفاقات في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وحظيت الصومال بأولوية خاصة؛ ويعود ذلك إلى رغبة تركيا في تسويق صورتها القومية كدولة قائدة للعالم الإسلامي، انطلاقاً من الصومال الذي يُشرف على خليج عدن والمدخل الجنوبي للبحر الأحمر الذي يُعد واحداً من أهم طرق التجارة العالمية.

سردار حسين يلدرم رئيس وكالة الفضاء التركية- وكالات
د.فريدة بنداري

الآن توسعت أنشطة أنقرة بشكل غير مسبوقٍ في الصومال الذي يمتلك موقعاً جغرافياً استراتيجياً واحتياطات نفطية كبيرة. ومن الاستثمار الاقتصادي وصولاً إلى التعاون العسكري؛ تحولت المشاركة الإنسانية التركية على مرِّ السنين، تدريجياً، إلى مشاركة استراتيجية واضحة؛ فقد تم بناء الطرق والمدارس والمستشفيات، واليوم يعد طريق الخطوط الجوية التركية إلى الصومال من أكثرها ربحية. والأهم من ذلك، أنهت تركيا، العام الماضي، بناء أكبر قاعدة عسكرية لها خارج أراضيها في الصومال، وكبرى سفاراتها في مقديشو.

اقرأ أيضاً: سياسات تركيا الخارجية العدوانية يمكن أن تصل قريباً إلى طريق مسدود

لذلك، فليس غريباً أن تختارها موقعاً مثالياً لإطلاق أولى تجاربها الفضائية نحو القمر، حسب بنداري، ففي 7 أكتوبر 2020، اصطف أكثر من 200 صومالي على أرض مركز التدريب العسكري التركي “تركسوم” في العاصمة الصومالية مقديشو، ومن خلفهم علم بلادهم والعلم التركي، يؤدون القسم العسكري باللغة المحلية، بينما تُحيط بهم أسلحة تركية حديثة؛ إذ تُعد القاعدة العسكرية المحطة الأبرز لأنقرة في الصومال منذ 2017، ولذلك فإن الصومال مرشحة في الحاضر والمستقبل لأن تكون ميداناً أساسياً للتنافس بين القوى الدولية الإقليمية.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة