الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

تركيا تستغل السراج لتحقيق طموحاتها ومواجهة دول المتوسط

لم تكن تصرفات أنقرة مفاجئة وأعربت عدة مرات عن غضبها المتزايد من تعزيز دول المنطقة التعاون في مجالات المصالح المشتركة متجاهلةً الدور التركي

كيوبوست- ترجمات

في محاولة لأن يصبح زعيمًا جديدًا للأمة، يخاطر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بجعل تركيا دولة منبوذة من العالم عبر إبرام صفقة على الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الليبية. أردوغان أعلن صراحةً مطالب بلاده الإقليمية في شرق المتوسط، صحيح أنه لا يزال هناك غموض حول ما إذ كان يتعمَّد حرمان قبرص واليونان من حقوقهما السيادية في استكشاف الموارد الطبيعية الموجودة في أعماق المتوسط والتمتع بها، فربما يخطط لأن تظهر بلاده بدور القائد الإقليمي أو يقوم بتأمين بعض الأهداف الجيوسياسية؛ لكن النتيجة أن الاتفاق جاء بنتائج عكسية وتسبب في غضب جيرانه وانتقاد وإدانة المجتمع الدولي وحتى حلفائه.

اقرأ أيضًا: تركيا تستغل السراج لتحقيق طموحاتها ومواجهة دول المتوسط

العزلة الإقليمية

المناورة العدوانية التي قامت بها تركيا في المتوسط متجاهلةً مصالح البلاد المجاورة تعتبر انتهاكًا صارخًا للاتفاقيات الدولية القائمة، وتعكس الاستياء المتزايد للمجتمع الدولي من تركيا، كما تعبر هذه المناورة في الوقت نفسه عن الاستياء التركي؛ لكونها أصبحت دولة معزولة.. صحيح أن تركيا تمتلك منطقة اقتصادية صغيرة نسبيًّا في المتوسط؛ لكن جرى استبعادها من الحوار والتعاون بين دول المنطقة التي تهدف إلى تطوير مشروعات مشتركة حول استخراج النفط والغاز وزيادة الكميات التي تصل منه إلى وسط وجنوب أوروبا.

وَفقًا للمسح الجيولوجي الأمريكي، يُقدر الاحتياطي بتريليونات الأمتار المكعبة، والتي تصل قيمتها إلى مئات المليارات من الدولارات، بالإضافة إلى ملايين براميل النفط الخام.. فإسرائيل واليونان وقبرص، إلى جانب مصر وإيطاليا والسلطة الفلسطينية، وافقت على إنشاء منتدى شرق البحر المتوسط للغاز، وهو مشروع قائم على بناء خط أنابيب لنقل الغاز من إسرائيل وقبرص إلى اليونان ومن ثَمَّ إلى أوروبا.

اقرأ أيضًا: الدور التركي في ليبيا.. قراءة للسياقات الداخلية والإقليمية

على الرغم من أنه لم يتم استبعاد تركيا فقط من المنتدى ولكن لبنان أيضًا؛ فإن تركيا هاجمت هذا التنسيق وكأنها غير قادرة على التعامل مع هذا الظلم، فبعد وقت قصير سارعت وسائل الإعلام التركية لإعلان اتفاق بشأن التعاون العسكري وتقسيم الحدود البحرية مع ليبيا؛ بل وأكدت حقوق جمهورية قبرص الشمالية التركية التي لا تعترف بها سوى تركيا في مواجهة أعمال الحفر من جانب واحد التي تقوم بها قبرص واليونان، وبتوقيع الاتفاق مع ليبيا أبدت تركيا وقبرص الشمالية عزمهما عدم السماح بأي أمر واقع، حسب تصريحات وزير الخارجية التركي.

عملية نقل مرتزقة إلى ليبيا تتواصل- المصدر: “المرصد السوري لحقوق الإنسان”

في الأشهر الثمانية الأخيرة تعتمد القوات المدافعة عن حكومة الوفاق على جماعات مسلحة شبه عسكرية محظورة، وهذه الجماعات تعتمد على الدعم العسكري التركي في مواجهتها مع الجيش الليبي القوي بقيادة المشير خليفة حفتر، القادم من الجنوب الليبي، ومن ثَمَّ لم تكن تصرفات أنقرة مفاجئة، وأبرزت مرة أخرى غضبها المتزايد من تعزيز دول المنطقة التعاون في مجالات المصالح المشتركة، متجاهلةً الدور التركي، مع الأخذ في الاعتبار تدخلاتها في ليبيا أو سوريا.

اقرأ أيضًا: كيف يرى المجتمع الدولي ما يحدث في ليبيا؟

يبدو أن الطرد من المنصة المحتملة للتعاون الإقليمي في قطاع الطاقة شكَّل ضربة خطيرة للأنا لدى الرئيس التركي الذي كان يخطط منذ فترة طويلة لإعادة النظر في مناطق النفوذ شرق المتوسط، ونتيجة لذلك لجأ إلى الابتزاز وأصدر تهديدًا مباشرًا للبلدان الأعضاء في المنتدى، معلنًا عزمه منع إنشاء خط أنابيب الغاز.. ففي منتصف ديسمبر الماضي، اعترضت القوات البحرية سفينة أبحاث إسرائيلية وأجبرتها على الخروج من المياه القبرصية في الوقت الذي كانت تعمل فيه بالتنسيق مع المسؤولين القبارصة.

نتائج وهمية

على الرغم من أن القيادة التركية قد تعتقد أنها تسير في الطريق المناسب وأن هذه التصرفات فعالة من المنظور الاستراتيجي؛ فإن إنجازاتها الفعلية وهمية تمامًا، لأنها في الحقيقة سياسة قصيرة النظر، وأصبحت الدول الأوروبية مقتنعة بشكل متزايد بعدم إمكانية التنبؤ بما يقوم به أردوغان، فعدم الثقة الدولية لن يؤدي إلا إلى تعزيز العزلة التركية؛ ما يجعلها أكثر عدوانية في الدفاع عن مصالحها.

الرئيس التركي أردوغان و فايز السراج خلال توقيع الاتفاقية البحرية المثيرة للجدل – رويترز

لا يوجد شك في أن أية جهة فاعلة ستقوم بالاعتراف باتفاق الحدود البحرية بين أنقرة وطرابلس سوى مسؤولي البلدين؛ فحكومة السراج تقاتل ضد حفتر من أجل البقاء، وتركيا استخدمت الحكومة الضعيفة لجعل الاتفاقية أكثر شرعيةً، ومع ذلك إذا تمت الإطاحة بحكومة الوفاق، فإن تركيا ستكون خاطرت بالنتيجة دون شيء.

اقرأ أيضًا: أردوغان يواصل مغامرته “المتهورة” في ليبيا

لكن في هذا السياق، لا ينبغي التقليل من شأن تهديدات أردوغان بالتدخل العسكري في ليبيا وإرسال قوات إلى هناك؛ فقد يصبح التدخل العسكري المباشر والذي تعتبره تركيا عاملًا فعالًا للحفاظ على بقاء حكومة الوفاق الوطني وجميع الصفقات الموقعة حقيقةً، فالتناقضات بين أنقرة وجيرانها واسعة، وخطر المواجهة المسلحة مع اليونان ومصر وإسرائيل؛ بسبب النزعات الاقتصادية أو السياسية، أمر ملموس.

تتحد دول شرق المتوسط حول ما يمكن أن يسمى احتواء تركيا عبر إجراء تدريبات مشتركة وزيادة قواتها البحرية، وفي المقابل فإن طريقة عمل تركيا التي تتخلى عن الأمل في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من المرجح أن تكون عدوانية كما كانت دائمًا؛ بل وتتعارض مع المصالح الأوروبية ودول المنطقة.

من الصعب التنبؤ بعدد الخطوط الحمراء التي يجرؤ أردوغان على تجاوزها من أجل تحقيق طموحاته الهائلة؛ لكنَّ هناك شيئًا واحدًا مؤكدًا وهو أن اللعب من أجل الهيمنة الإقليمية لن يفيده، فآخر استطلاعات الرأي العام يقول إن معدل الموافقة على السياسة الخارجية للبلاد والرئيس نفسه تشهد انخفاضًا حادًّا، وعلى عكس الإدارة الحالية فإن الشعب التركي يرى أن هناك فرصةً لبناء الجسور مع الاتحاد الأوروبي وأملًا في حل الخلافات المستمرة منذ عقود طويلة مع اليونان وقبرص، والتي لا تحقق الاستقرار على طول الحدود التركية.

اقرأ أيضًا: خبير سعودي: روسيا اللاعب الأكثر ذكاءً في الأزمة الليبية

السياسة الخارجية التي يعمل بها أردوغان وتضع تركيا ضد العالم، هي قنبلة موقوتة؛ فأعمال تركيا في البحر الأبيض المتوسط ترسل إشارات مهمة عن الخطر الذي يسببه النظام التركي، مقتنعًا بإفلاته من العقاب.

المصدر: جيروسالم بوست

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة