إنفوغرافالواجهة الرئيسيةشؤون دولية

تركيا.. ترانزيت الجهاد ونُزُل الإرهابيين وحليفة “داعش”

في شهادة خرجت من قلب التنظيم الإرهابي

كيوبوست

 

لعل ما ميَّز تنظيم “داعش” مجموعة من العوامل التي جعلته شكلًا مختلفًا بين التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود في العقود الأخيرة. فبخلاف تلك المساحة الجغرافية الشاسعة التي سيطر عليها في فترة ما والتكتيكات الوحشية التي تبناها، هناك عاملان أساسيان كانا محل دراسة الكثير؛ وهما ثروة التنظيم الضخمة وقدرته على تعبئة المقاتلين وإيصالهم إلى أراضيه بكل يُسر. ولكن كيف تم هذا؟

عمليًّا، فإن تنظيم “داعش” صُنِّف كواحد من أغنى التنظيمات الإرهابية الأكثر تمويلًا، وقد امتلك ثروة قُدرت في العام 2014 بما يقرب من بليونَي دولار. ووَفق تقديرات فقد كان التنظيم لديه المقدرة على جني ما يقرب من 1 إلى 3 ملايين دولار يوميًّا. وبالمثل قدرته الكبيرة على التجنيد وتمرير المقاتلين. فبحلول ديسمبر 2015، نجح التنظيم في جذب 30 ألف مقاتل من 85 دولة، وصلوا إلى أراضيه.

في العنصرَين السابقَين هناك مساحة تقاطع تمر بالأساس عبر دول دعمت التنظيم، وبالأخص دولة مثل تركيا التي كانت في فترة من الفترات سوقًا رئيسة لبيع مخرجات آبار النفط الواقعة تحت سيطرة التنظيم؛ مثلما كانت نقطة العبور الرئيسة والأهم ومقصد غالبية المقاتلين الأجانب الذين انضموا إلى التنظيم وهاجروا إليه. هنا ينتهي دور ما هو نظري، متمثلًا في أبحاث أكاديمية وأوراق سياسات ومعلومات استخباراتية ورسمية كُشفت.

اقرأ أيضًا: تقرير دولي: تركيا دولة ترعى الإرهاب من أجل استعادة الخلافة العثمانية

محطة ترانزيت

لكن الأهم لدينا اليوم هو إحدى الشهادات التي خرجت من قلب التنظيم في كتاب جاء تحت عنوان “كنت في الرقة”. وإن كان الكتاب ليس بحديث الإصدار؛ إلا أن ما يعنينا هنا هو ما يكشفه محمد الفاهم -صاحب السيرة المنشورة، والتي صاغها الباحث هادي يحمد- عن دور تركي بارز ومهم في بناء تنظيم داعش واستمراريته. وهو دور لم يحظَ بتوقف الكثير سواء ممن قرؤوا الكتاب أو تناولوه في أحاديث إعلامية أو فعاليات ثقافية أو حتى كتبوا عروضًا له مستغلين العنصر التشويقي المتمثل في كونه يحمل شهادة مقاتل سابق في التنظيم، خاض معركة تدمر وحصار تل أبيض، وكان جزءًا من كتيبة سيف الدولة.

بالنظر إلى تلك الشهادة التي بقي مصير صاحبها مجهولًا يمكن إدراك دور تركيا التي كانت تملك علاقة قوية بالتنظم وَفق ما هو منشور ووَفق ما رآه صاحب السيرة وعاشه، وقد تمثل هذا الدور في أمرَين؛ الأول: أنها كانت محطة الترانزيت الرئيسية للمقاتلين القادمين من شتى بقاع الأرض، ونُزُلًا لهم قبل بلوغ أراضي “داعش”. والثاني: أنها كانت مأوى مؤقت لكثير من الخلايا التابعة لـ”داعش” وأجهزته الأمنية، والتي كانت تعمل تحت مرأى ومسمع السلطات التركية.

في سيرته يروى محمد الفاهم حجم المأساة التي عاشها وأدركها وشارك في صنعها بنفسه، بقوله: “خُضت الغزوات، كنت شاهدًا على دماء الرعب الغامقة، واختنقت برائحة البارود، ومشيت على بقايا الأشلاء الآدمية، وصمَّت أُذنَيَّ المفخخات، هذا قانون الحروب التي جئنا بالآلاف للمشاركة فيها؛ إذا لم تَقتل تُقتل. الأفضل لي أن أنسى كل هذا الآن”، هكذا في الفصل الأول “سراب دابق”.

شاهد: فيديوغراف: أردوغان.. رجل الفوضى “غير” الخلَّاقة

طريق مفتوح

في الفصل الثاني من الكتاب يروي محمد الفاهم قصة سفره من تونس إلى أراضي التنظيم؛ حيث كانت محطة العبور الرئيسة تركيا. ويروي الفاهم أنه كان يوم الإثنين في ديسمبر 2014، حينما وصلت طائرته إلى مطار أتاتورك ومرّ بشرطي تركي مهمته مراقبة جوازات القادمين. فحينما جاء دوره، وحينما نظر الضابط إلى صورته في الجواز -حيث لحيته كثيفة- أمعن النظر فيه وسأله بابتسامة ساخرة “تونسي” فأجابه الفاهم بـ”نعم”.. هنا يقول الكاتب “كنت أعلم سبب السخرية”! فوَفق الشهادة ذاتها وفي تلك الفترة، لم يكن يمر يوم واحد دون وصول شُبان تونسيين إلى مطار إسطنبول؛ حيث الوجهة هي الشام (سوريا) بطبيعة الحال. ويؤكد الكاتب أنه وقتها كانت تركيا طريقًا مفتوحًا للمهاجرين عمومًا، والتونسيين خصوصًا، نحو غازي عنتاب وأورفا وأنطاكية، وغيرها من المدن التركية التي تمثل المعابر الحدودية مع سوريا.

“عبر إشارة من رأسه أفسح لي طريق المرور”؛ هكذا يصف الكاتب المعاملة المرحبة من ضابط الجوازات له، وهو المتجه إلى أراضي “داعش”؛ للقتال، وقد بُدِّدَت مخاوفه في النهاية، وهي التي لم تكن في محلها؛ فالأمر كما أكد له أحد الجهاديين في مدينة صبراتة وقبل سفره إلى تركيا -وقد كان- سيكون “تمام التمام”.

ويدلل الكاتب على تلك العلاقة “الجيدة” بين “داعش” والسلطات التركية في تلك الفترة بـ”تعدُّد وتكرار المؤشرات والأحداث التي تثبت متانتها”. هنا على سبيل المثال يروي أنه كان موجودًا في الرقة حينما جرى نقل قبر سليمان شاه (جد عثمان الأول مؤسس الإمبراطورية العثمانية، والذي كان يوجد ضريحه في سوريا)، يوم الأحد 22 فبراير 2015، من قِبَل الجيش التركي، من الأراضي التي تسيطر عليها الدولة الإسلامية إلى الأراضي التركية؛ عبر تنسيق مشترك بين الجانبَين. إنه، وَفق الكاتب، “كان ذلك دليلًا قويًّا بالنسبة إليَّ، وقتها، على متانة هذه العلاقات”.

اقرأ أيضًا: تركيا والدواعش.. الطريق إلى “دولة الخلافة”

مأوى الوافدين

ويروي الكاتب أنه قبل وصوله إلى تركيا كان قد تم مدّه برقم امرأة سورية من مدينة إدلب، وهي إحدى أهم الداعمات لتنظيم الدولة؛ إذ كانت تتخذ من إسطنبول مقر إقامة لها، وتفتح بيتها مأوى للمقاتلين الوافدين، وزوجت بناتها بثلاثة من مقاتلي تنظيم الدولة. فبعد وصوله إلى إسطنبول، وبعد أن أخذ حمامًا ساخنًا وقلَّب في أرقام هاتفه بدأ في الاتصال بـ”أم المجاهدين”، وحينما تواصل معها وعرَّفها بنفسه، طلبت منه المجيء إلى البيت عندها، وقد أرسلت إليه سائقًا خاصًّا أقله حيث استقبلته بترحاب شديد. ويؤكد الكاتب أن بيت “أم المجاهدين” كان في تلك الفترة محطة رئيسة للعديد من المقاتلين الأجانب الذين يصلون إلى إسطنبول قبل اتجاههم إلى الشام. ثم مجددًا وعبر سائق “أم المجاهدين” تم توصيله بخلية تضم أربعة جزائريين وسوريًّا؛ يعملون لمصلحة إدارة حدود الدولة (داعش) على الأراضي التركية، ويتخذون في إسطنبول مقرًّا لهم. عمليًّا، كان دور هؤلاء تسفير المهاجرين بمجرد وصولهم إسطنبول إلى الحدود السورية.

لم تكن تلك الخلية وحدها تتولَّى تلك المهمة، فوَفق الكاتب كانت هناك شبكة متكاملة من الخلايا المنتشرة في مدن حدودية مع سوريا؛ حيث المهمة هي الاستقبال والتمرير عبر الحدود من خلال شبكة من المهربين.

في موضع آخر، يروي الكاتب عن “مظهر آخر من مظاهر تساهل الدولة التي اعتمدتها تركيا في تلك الفترة مع عناصر تنظيم الدولة على أراضيها”؛ إنها قصة هذا الشاب الجزائري صاحب اللحية الكثيفة الطولية، والذي كانت ترافقه زوجته المنتقبة، وكلاهما كان سيتم نقله إلى مدينة أورفا على الحدود التركية- السورية؛ حتى تتم إجراءات إدخالهما إلى أراضي الدولة الإسلامية. هنا يشير الفاهم “كان مشهد الجزائري وزوجته المنتقبة، وهو يركب معي الحافلة إلى مدينة أورفا، جريئًا واضحًا بشكل لا يدع مجالًا للشك في أنه مسافر للالتحاق بساحات الجهاد في سوريا”.

وقبل أن يختم صاحب السيرة الذاتية تفاصيل رحلته في تركيا، يشير إلى آخر ما نصحه به المهربان هناك؛ بأن لا يقلق إن أطلقت الشرطة التركية النيران في الهواء إن ظهر لهم في أثناء عبوره الحدود، فهو وَفق المهربين “متعمَّد ولمجرد التحذير لا أكثر ولا أقل”!

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة