الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

تركيا تتسلل إلى الجزائر من خلال الدراما.. ومخاوف من “تزييف التاريخ”

ناقدون ومراقبون للحركة الثقافية في الجزائر يتخوفون من استغلال تركيا التاريخ الجزائري في سبيل تمجيد الإرث العثماني عبر مسلسل "بربروس"

الجزائر- علي ياحي

أثارت تصريحات سفيرة تركيا بالجزائر حول مباحثات لإنجاز فيلم تاريخي مشترك، توجس عديد من الأطراف الجزائرية التي ترى أن الصناعة السينماتوغرافية باتت إحدى وسائل أنقرة لتمرير سياستها في المنطقة العربية المبنية على الفكر التوسعي.

وفتح حديث سفيرة تركيا بالجزائر، أهينور أوزديمير غوكطاش، بأن هناك مناقشات تم الشروع فيها مع جهات جزائرية؛ من أجل تصوير أجزاء من مسلسل حول الشخصية التاريخية “خير الدين بربروس” في الجزائر، بالإضافة إلى تحضير فيلم مشترك حول تاريخ البلدَين، أبوابَ التخوفات من “تحريف” قد يطول تاريخ الجزائر لصالح إظهار بطولات “وهمية” للدولة العثمانية التي تختفي وراءها “تركيا أردوغان”.

اقرأ أيضاً: علامات استفهام تدور حول التهافت الاقتصادي التركي على الجزائر

وأوضحت السفيرة أن السيناريو في طور الإنجاز، وبما أن العمل سيتطرق إلى أحداث في الجزائر، فإمكانية تصوير مقاطع فيها واردة في المسلسل، مبرزة أن الجزائر وتركيا يربطهما موروث ثقافي تاريخي ثري بدأ مع قدوم “الإخوة بربروس” عام 1516، ويجب تثمينه عبر أعمال سينمائية مشتركة.

الباحثة في الجيواستراتيجيا، آمال لعروسي، تعتقد في تصريحاتٍ أدلت بها إلى “كيوبوست”، أن مسلسل “بربروس” يدخل في إطار مشروع الشراكة التركية- الجزائرية؛ لكن هناك مخاوف حقيقية في ظل حرص الأتراك على توظيف الأنا المطلق من خلال تضخيم البطل المخلص والقائد العظيم إلى مستويات أسطورية، و”قد شاهدنا ذلك في عديد من المسلسلات التاريخية التركية التي حاولت تقزيم الشعوب الأخرى”.

آمال لعروسي

وتابعت لعروسي بأن الجزائريين والجزائريات لم يفصلوا بعد في طبيعة الوجود التركي في الجزائر؛ لقلة الوثائق والدراسات، مشددةً على أنه “لستُ متفائلة بهذه الشراكة الفنية للمخاطر التي تحملها إزاء تاريخنا وهويتنا وموروثنا”؛ خصوصاً أن ما يميز النقاش العام بين النخب اليوم حول الملك الأمازيغي “شيشناق”، يدعو إلى التفكير واستحضار الحكمة في تدبير شؤون البلاد ومستقبلها.

اقرأ أيضاً: مستقبل مرتزقة تركيا بعد هدوء الأوضاع في ليبيا يقلق الجزائر

قلق ومخاوف

ويعرف إنتاج الدراما التاريخية في تركيا نشاطاً لافتاً؛ لكنه ليس فنياً وثقافياً بريئاً، وإنما يهدف إلى خدمة الطموحات التوسعية للدولة التركية التي تبحث عن “المجد العثماني” الضائع وسط التطورات التي يشهدها العالم؛ حيث يسجل المتابعون أن الحركية الثقافية والسينمائية التركية تساير السياسات العامة لأنقرة، عبر توجيه رسائل أو تثبيت مبادئ أو نشر مواقف أو ترويج أفكار وقناعات، في ظل المعارك العسكرية والسياسية والاقتصادية التي تخوضها لحماية مصالحها.

وبالنظر إلى دعم الرئيس رجب أردوغان، للأعمال الدرامية والمسلسلات التاريخية، تتبين أهمية هذه الأعمال الفنية لدى أنقرة التي تتخذها كأحد الأسلحة الناعمة التي تحقق الأهداف دون ضجيج؛ لما لها من تأثير عميق يسهِّل تمرير التاريخ الذي تريده تركيا.

اقرأ أيضاً: تضارب المصالح في ليبيا والساحل يقف خلف الخصام بين الجزائر وأنقرة!

وفي السياق ذاته، يرى الباحث في علم الاجتماع السياسي والمستشار في الهيئة الجزائرية لمكافحة الفساد، أسامة لبيد، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، أن “بربروس” الذي قاد حملة مواجهة الغزو الإسباني للجزائر عامَي 1516 و1517، وتمكن من السيطرة على المنطقة، ليُعَيَّن بعدها حاكماً عليها من جانب السلطان العثماني، جعل تركيا تعتبر أن بينها وبين الجزائر موروثاً ثقافياً تاريخياً قديماً وثرياً يجب تثمينه من خلال أعمال سينمائية مشتركة، مضيفاً أنها محاولة لرد الاعتبار لشخصية “بربروس”، بعد أن سعت السينما الغربية إلى “تشويه صورته بشكل كبير عبر العديد من الأفلام التي أظهرته على أنه قرصان شرير يجوب البحار”، حسب وجهة النظر التركية.

أسامة لبيد

ويواصل لبيد بأنه ليس هناك تخوف؛ لأن تاريخ الجزائر واضح ويعرفه العام والخاص، ومسيرة “بربروس” في الجزائر يعلمها الجميع، مقابل ذلك أهداف السينما التركية التي يدعمها أردوغان، واضحة وضوح الشمس، مبرزاً أن الرئيس التركي يسعى لإحياء الإمبراطورية العثمانية أو تنصيب نفسه سلطاناً؛ ولكي نفهم أجندته السياسية وآفاقه، يجب أن نعرف بالتحديد أي السلاطين العثمانيين يسعى أردوغان جاهداً ليعيش في جلبابه؛ إنه السلطان التاسع، سليم الأول، مشيراً إلى أن أردوغان يتخذ من الإسلام مستودعاً ثقافياً وسياسياً لقوته، ومكوناً حيوياً لأمجاد الماضي العثماني.

عبدالعزيز عمراني

ومن جانبه، يؤكد الكاتب والروائي عبدالعزيز عمراني، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، أن الصناعة السينمائية هي واحدة من أكثر القطاعات تأثيراً في المجتمعات، وتستغلها بعض الدول، مثل تركيا، لتكسب ولاء شعوب أخرى، “مثلما نلاحظ حالياً مع شبابنا؛ حيث حبهم لتركيا وتاريخها المزيف أكثر من حبهم لدولتهم وتاريخها”، قائلاً إنه لم يعد خافياً أن تركيا تعمل على تحسين صورتها بين الشعوب، عبر إنتاجات متعددة وضخمة من الأفلام؛ وهو “ما شهدناه في فيلم (قيامة أرطغرل) الذي يغطي على جرائم العثمانيين وتاريخهم الدموي وتشريدهم للعرب”.

ويتابع عمراني: “ننتظر الأسوأ خلال المسلسل التاريخي المنتظر الذي سيعمل حتماً على تمجيد العثمانيين كأبطال وإظهارهم في صورة الزعماء الذين حاربوا من أجل الإسلام”، مشدداً على أن التخوف من وراء ذلك هو أن يؤثر العمل الدرامي سلباً على تاريخ الجزائر، وصورة الجزائري في العهد العثماني؛ لذلك على وزارة الثقافة والجهات المعنية دراسة أحداث العمل جيداً ومتابعة تسجيله قبل عرضه على المشاهدين.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات