الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

“تركيا أردوغان” تتلاعب بعظمة الماضي وتحديات الحاضر وطموحات المستقبل

كيوبوست

د.دينيس ساموت

تحتفل الجمهورية التركية، العام المقبل، بالذكرى المئوية لتأسيسها بعد أن خرجت الدولة من رماد الحرب العالمية الأولى لتصبح خليفة الإمبراطورية العثمانية.

أراد مؤسس تركيا، مصطفى كمال أتاتورك، أن يرسم خطاً فاصلاً بين الإمبراطورية العثمانية والدولة التركية؛ فالجمهورية الجديدة ستكون دولة علمانية في جبال الأناضول تضم على المواطنين الأتراك وتمتلك جيشاً قوياً في قلبها. وكان نقل العاصمة من إسطنبول إلى أنقرة بمثابة رمز للانتقال من الدولة القديمة إلى الدولة الجديدة، وسرعان ما أصبحت رؤية أتاتورك بمثابة أيديولوجيا الدولة.

اقرأ أيضًا: “على الدول الغربية أن تقف في وجه إمبريالية أردوغان”

ومع ذلك فإن معظم الأتراك يرون الجمهورية على أنها الفصل الأخير من تاريخ مجيد أقدم. والحكومة الحالية بزعامة أردوغان، تروج بحماس لهذه الرواية، وتغلف نفسها بعظمة العصر العثماني، وتلمح بوضوح إلى أنها تسعى لاستعادة عظمة الماضي ومجده عندما كان اسم تركيا يفرض الخوف والاحترام في مختلف أنحاء العالم.

أصبح هذا الطموح لاستعادة الماضي هو المشروع الكبير للرئيس أردوغان؛ خصوصاً في العقد الماضي. وبينما يربط كثيرون بين أردوغان وعودة الهوية الإسلامية لتركيا، فلا بد من النظر إليه على أنه جزء من استراتيجية أوسع في الداخل والخارج.

مصطفى كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة- أرشيف

وكما فعل السلاطين العثمانيون عندما لعبوا دور الخليفة للعالم الإسلامي، يلعب أردوغان على الحساسيات الإسلامية لترسيخ موقعه في الداخل وتوسيع نفوذه في الخارج. كانت العملية مليئة بالإيماءات والرموز التي كان بعضها محقاً وضرورياً منذ وقت طويل؛ مثل تمكين النساء المحجبات من الدراسة في الجامعات وشغل الوظائف العامة، وبعضها الآخر لم يكن ضرورياً ومثيراً للانقسام؛ مثل تحويل آيا صوفيا -الكنيسة التي كانت قلب الإمبراطورية البيزنطية قبل أن يحولها السلطان محمد إلى مسجد في عام 1493، وكمال أتاتورك إلى متحف عام 1934- إلى مسجد.

المشروع المحلي لأردوغان

لقد أتاح ترويج أردوغان للهوية الإسلامية لتركيا التواصلَ مع الجماهير في قلب الأناضول وفي ضواحي المدن الكبيرة؛ مثل إسطنبول وأنقرة، وحقق شعبية لا يمكن للسياسيين الآخرين أن يحلموا بها. على مدى العقدَين الأخيرَين أحدث رجب طيب أردوغان، وحزب العدالة والتنمية، هزة في المجتمع التركي والسياسة التركية، ووضع حداً للتأثير المفرط للجيش في السياسة، وأعاد رسم قواعد وأُسس النظام العلماني الموروث من أتاتورك، وزعزع أُسس الاقتصاد؛ لتمكين فئة جديدة من رجال الأعمال، بهدف تحويل تركيا إلى دولة مصدرة.

اقرأ أيضاً: هل يمكن إيقاف أردوغان؟

يرى كثيرون أن ما فعله أردوغان كان يجب أن يحدث منذ وقت طويل، ويروجون له كإصلاحي؛ ولكن رحلته لم تكن سهلة، فقد شكلت الاضطرابات الاجتماعية والتمرد المسلح للأكراد في جنوب شرق البلاد، ومحاولات الانقلاب والأزمة الاقتصادية المزمنة، خلفية المشهد لهيمنة حزب العدالة والتنمية.

كانت محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016، بمثابة علامة فارقة في تاريخ السياسة التركية. وقد أعادت تداعيات هذه المحاولة رسم معالم تركيا، وفتحت فصلاً جديداً في تاريخها الحديث. وفي حين يحفل تاريخ تركيا الحديث بالانقلابات العسكرية، فإن تركيا عام 2016 هي ليست تركيا عام 1981؛ فالجيش وحده لم يكن لديه أدنى فرصة للنجاح، ولكن مشاركة حركة غولن في الانقلاب أعطته آفاقاً أوسع وجعلته أكثر خطورة؛ ولكنه في النهاية كان انقلاباً فاشلاً. والحركة التي قدمت نفسها كحركة تعليمية واجتماعية تحمل أفكاراً إسلامية معتدلة، كانت واجهة لجماعة متجذرة عميقاً في الدولة التركية وخارجها.

كانت محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016 بمثابة علامة فارقة في تاريخ السياسة التركية- أرشيف

وفي أعقاب الانقلاب تم الكشف عن شبكة غولن العنكبوتية، وأسفرت حملة القمع التي استهدفتها عن اعتقال وإنهاء خدمات عشرات الآلاف من العسكريين والموظفين المدنيين. ونظراً لأن حركة غولن كانت في البداية قريبة من أردوغان وحزب العدالة والتنمية؛ فقد كان الانقسام أكثر إيلاماً وتكلفة، وتعرضت الحكومة التركية إلى انتقادات واسعة؛ بسبب تجاوزاتها الكبيرة خلال حملة التطهير التي قامت بها ضد ما سمَّته دولة الظل الموازية.

ومع ذلك، لا تزال تركيا إلى حد كبير ديمقراطية فاعلة؛ حيث لا يزال معظم الناس يعتقدون أنه يمكن تغيير الحكومة من خلال صناديق الاقتراع، ولكن بعد التعديلات الدستورية التي قام بها أردوغان، أصبحت الآن الكثير من السلطات في قبضة الرئاسة، مع القليل من الضوابط والتوازنات. ويصف الكثير من معارضي أردوغان الانتخابات الرئاسية والبرلمانية القادمة المقرر إجراؤها في العام المقبل، بأنها الفرصة الأخيرة لتقليص سلطات أردوغان وحزب العدالة والتنمية.

الطموحات والخيبات الاقتصادية

من المرجح أن يحدد الاقتصاد نتائج هذه الانتخابات. وهنا فإن سجل حكومة حزب العدالة والتنمية مختلط. يطمح أردوغان إلى أن يجعل تركيا واحدة من أكبر عشر اقتصادات في العالم؛ من خلال الإنتاج الصناعي والتصدير. وفي عام 2021، احتلت المرتبة الحادية والعشرين، وجاءت بين بلدَين أصغير بكثير؛ هما سويسرا وتايوان. وتجاوزت صادرات تركيا عام 2021، 221 مليار دولار، وكان النمو الاقتصادي يلامس العشرة في المئة؛ لكن السياسة النقدية لأردوغان كانت مثيرة للجدل، وأدت إلى انهيار الليرة التركية والضغط على البنك المركزي. ويشعر الكثير من الأتراك بالضيق جراء ذلك، وربما سيكون لهذا الأمر عواقب فورية ومباشرة على شعبية أردوغان وأداء حزبه في انتخابات العام المقبل.

وثيقة تركية وثيقة تركية رسمية تُثبت أن محاولة الانقلاب الفاشلة كانت مدبرة من السلطات!

الهوية التركية ودور تركيا في العالم

ترك أردوغان أقوى بصماته في مجال السياسة الخارجية. والكلمة التي تصف سياسة أردوغان الخارجية هي أنها طموحة. وما إذا كان هذا الطموح مبرراً أم لا يبقى مسألة رأي؛ ولكن أصدقاء تركيا وخصومها على السواء كان عليهم الانتباه إليها في السنوات الأخيرة.

كانت تركيا قبل أردوغان، خلال الحرب الباردة، حصناً منيعاً في وجه الشيوعية، ودولة رئيسية في الناتو تمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف بعد الجيش الأمريكي. ظلت تركيا إلى حد كبير بعيدة عن سياسات الشرق الأوسط؛ ولكن كانت لها علاقات قوية مع إسرائيل، بينما كانت علاقاتها مع أوروبا متأرجحة؛ فمن جهة سعت تركيا طويلاً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لكنها لم تبذل أي جهد لتلبية معايير العضوية كي يتم النظر إلى طلبها بجدية. أما على المسرح العالمي، فقد كانت طموحاتها أكثر اعتدالاً وكذلك كان أثرها الدبلوماسي. وقد تغير كل هذا في ظل حكومة “العدالة والتنمية” عندما أصبحت السياسة الخارجية التركية أكثر تشدداً، وغالباً ما كانت تتعارض مع مصالح الآخرين؛ بما في ذلك الحلفاء والجيران.

سعت تركيا طويلاً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي- أرشيف

تواصل تركيا التشدق بالحديث عن عضوية الاتحاد الأوروبي، وفي عام 2004 تم قبولها كدولة مرشحة للعضوية؛ ولكن يبدو أن كلا الجانبَين متصالح مع فكرة أن العضوية هي أمر غير واقعي في المدى القريب والمتوسط. ومنذ عام 2016، تمكن أردوغان من بناء علاقة شخصية متينة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؛ مما أثار قلق دول الغرب، فتركيا لا تزال عضواً مهماً في حلف شمال الأطلسي، ولا تزال هذه العلاقة تشكل حجر الزاوية للدفاع التركي والسياسة الخارجية التركية بغض النظر عن التوترات التي أثارتها طموحات سياسة أنقرة الخارجية.

قبل أيام قليلة، أكد الرئيس أردوغان، في حديثه عن المواجهة بين الناتو وروسيا حول أوكرانيا، أنه إذا احتاج الأمر فإن تركيا ستلعب دورها وستقوم بواجبها كعضو في حلف شمال الأطلسي. ربما يكون أردوغان قد ضغط كثيراً على النخب العسكرية في معظم القضايا؛ من أجل ترويضها وجعلها أكثر امتثالاً، إلا أنه يدرك أن الجيش التركي لن يتنازل عندما يتعلق الأمر بعضوية الناتو. ولذلك فهو يتبع سياسة السير على خط رفيع يجعل الجميع يدركون أن تركيا قد تكون حليفاً غريباً؛ ولكنها ستبقى دائماً حليفاً مخلصاً.

اقرأ أيضاً: ماذا يريد بوتين من أوكرانيا؟ روسيا تسعى لوقف توسع الناتو 

في ما يتعلق بدول المنطقة، تنتهج تركيا سياسة خارجية نشطة للغاية؛ فهي وإن لم تكن مَن حرَّض على الربيع العربي، فإنها بمجرد اندلاعه حاولت الركوب على موجته. وهذا أدى إلى مواجهة مع الدول التي كانت تعارض توسع نفوذ الإسلاميين؛ خصوصاً في سوريا ومصر وتونس. وفي الخلاف الذي نشأ بين قطر ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، انحازت تركيا إلى قطر. وقد هددت هذه التحالفات لفترة من الوقت باستقطاب منطقة الشرق الأوسط عبر خط الصدع الجديد؛ لكن لحسن الحظ انتصرت الفطرة السليمة، فتصالحت قطر مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وكذلك فعلت تركيا. ويبدو أن الجميع قد أدركوا أنه بغض النظر عن الاختلافات، يبقى من الضروري العمل معاً على مواجهة التحديات الكبيرة -السياسية والاقتصادية والعسكرية والبيئية- ناهيك بمواجهة جائحة “كوفيد-19”.

لذلك فإن زيارة رجب طيب أردوغان إلى أبوظبي، تأتي في الوقت المناسب وتحمل أهمية كبيرة؛ فتركيا والإمارات العربية المتحدة لديهما الكثير مما يمكنهما القيام به معاً، وهما بلدان مختلفان، ويمكن لكل منهما أن يكمل الآخر بعدة طرق. ويمكن للتفاهم الاستراتيجي بين أبوظبي وأنقرة أن يغير قواعد اللعبة. لا يزال هنالك الكثير مما ينبغي فعله للوصول إلى ذلك، ولا تزال هنالك بعض المشكلات الأساسية التي ينبغي علاجها؛ ولكن الإمكانات موجودة. والمصالحة مع المملكة العربية السعودية قادمة؛ خصوصاً أن أنقرة والرياض باتتا تعطيان أهمية أقل لطموحاتهما لقيادة الأمة الإسلامية، مما يقلل من فرص الاحتكاك بينهما.

الشيخ محمد بن زايد آل نهيان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان-“رويترز”

من منظور تركي، يعتبر التقارب مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة جزءاً من جهود تركية أوسع لمعالجة المشكلات مع الجيران. وبدأت تركيا مفاوضات مع جارتها أرمينيا، التي لا تربطها معها علاقات دبلوماسية، وحدودها معها مغلقة. كانت هنالك عدة محاولات فاشلة للمصالحة؛ ولكنَّ الدبلوماسيين الأتراك هذه المرة واثقون من إحراز تقدم قريباً. كما تسعى تركيا إلى إصلاح علاقاتها مع إسرائيل؛ كانت هذه العلاقة في ما مضى وثيقة ودافئة، ولكنها تدهورت في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية؛ حيث أصبح أردوغان أكثر صراحةً في دعمه الفلسطينيين وانتقاده إسرائيل. وهنا أيضاً يبدو أن كلا الجانبين يرغب في طيّ هذه الصفحة. أما العلاقات مع اليونان، فهي أكثر تعقيداً؛ لأنها تتعلق بعدد من النزاعات الإقليمية في بحر إيجة والصراع المزمن في قبرص. ومع ذلك فإننا نشهد هنا أيضاً تغيراً في المزاج مع استعداد الدولتين للحديث عن الدبلوماسية. ولا تزال المشكلة مع سوريا والمشكلة مع الأكراد هي الأكثر صعوبة. ومن المرجح أن أردوغان لا يمتلك الإرادة السياسية أو القدرة على العمل على حلول طويلة الأمد لهاتين القضيتَين؛ بل إنه يزداد تعثراً.

ومع ذلك، من خلال محاولاتها لحل مشكلاتها مع دول الجوار القريبة، ربما تمنح تركيا نفسها مساحة لتكون أكثر فاعلية في مناطق أبعد؛ في إفريقيا وآسيا وحتى أمريكا اللاتينية، كجزء من جهودها لتصبح لاعباً دولياً. وتستخدم تركيا مزيجاً من القوة الناعمة والصلبة لتوسيع نفوذها، كما أنها تبحث عن أسواق لبيع إنتاجها من الأسلحة، وتحاول أن تصنع لنفسها مكاناً كمورد للتكنولوجيا العالية والمعدات الرخيصة نسبياً التي تناسب الدول التي لا تمتلك ميزانيات غير محدودة للتسلح. وقد أثار استخدام أذربيجان الطائرات المسيرة التركية بكفاءة عالية في حربها مع أرمينيا إعجابَ العديد من الدول التي طلبت شراء هذه التكنولوجيا. كما تم الإعلان مؤخراً أن تركيا تعمل على تطوير تكنولوجيا الطائرات المسيرة الخاصة بها؛ لتطبيقها في الغواصات الصغيرة، وهي بذلك تثير احتمال تغيير قواعد اللعبة في الأسلحة البحرية على مستوى العالم.

اقرأ أيضاً: تفاهمات تركية- إماراتية تمهد للقاء قمة بين القيادتَين

البحث عن الحجم الذي يناسبها

كل ذلك يشير إلى أن تركيا سوف تبحث بشكل متزايد عن دور أكبر لنفسها على المسرح العالمي؛ ولكن لا يزال هنالك الكثير من الغموض يلف الأجندة التي سوف يروج لها هذا الدور الجديد بالنظر إلى المواقف التركية المتناقضة غالباً بشأن العديد من القضايا؛ فهي حليف غريب، ولكنه مخلص للولايات المتحدة وحلف الناتو، وشريك اقتصادي وثيق؛ ولكنْ خصم ثقافي لأوروبا، وشريك استراتيجي لروسيا؛ بينما هي خصم عنيد للمصالح الروسية في سوريا وليبيا والقوقاز وبالطبع أوكرانيا، وصديق للدول العربية؛ ولكن يحتفظ بعلاقات متطورة مع إيران.

السؤال المهم الآخر هو: إلى أي مدى ستظل الطموحات التركية عالية بعد أردوغان؟ ومتى وكيف سيفسح أردوغان المجال لخليفته وفي أي ظروف؟ تبقى الإجابة عن كل ذلك مجرد تكهنات بحتة. فإذا كان انتقال السلطة إلى حليف سياسي، فستكون هنالك استمرارية في النهج، أما إذا خسر حزب العدالة والتنمية انتخابات العام المقبل، فستحاول الحكومة الجديدة الابتعاد عن السياسات الحالية بما في ذلك الشؤون الدولية؛ ولكن ربما يكون هذا الابتعاد رمزياً فقط. فقد ازدادت شهية الأتراك للنفوذ الإقليمي والدولي، ولن يكون هنالك تراجع دراماتيكي في ما يخص معظم القضايا؛ ولكن دهاء أردوغان واستشعاره الهدف وقدرته على التواصل مع الناس كانت عوامل أساسية في سلوك الحكومة التركية محلياً ودولياً على مدى العقدين الماضيين. وسيكون تنفيذ وصيته عملاً في غاية الصعوبة.

♦مدير لينكس يوروب في لاهاي بهولندا، ومدير تحرير موقع webportal commonspace.eu. يكتب بانتظام في قضايا الأمن الأوروبي، وقضايا أوراسيا والشرق الأوسط. ([email protected]).

 لقراءة الأصل الإنكليزي: Dennis Sammut on Turkey

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة