الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

ترسيم اللغة “الأمازيغية” في الدستور الجديد يثير جدلاً في الجزائر

الجزائر- علي ياحي

ترتفع حمى الهوية في الجزائر مع اقتراب موعد الاستفتاء على الدستور الجديد، والذي اختار له الرئيس تبون تاريخ الأول من نوفمبر المقبل. ورغم ما يُثار من جدال “محدود” بخصوص ما جاء في الوثيقة التي تعتبر الأسمى في البلاد؛ فإن ما تعلق باللغة الأمازيغية لا يبدو أنه سيتوقف، بعد أن أخذ منعرجاً خطيراً بالتحذير من محاولات “تقسيم” البلاد.

ويعيش المشهد العام منذ تثبيت الدستور الجديد للأمازيغية كلغة وطنية رسمية، جدلاً يؤكد استمرار أزمة الهوية في البلاد؛ حيث أخذت المادة الرابعة حصة الأسد من النقاش الحاصل، والتي تنص على أن “تمازيغت” هي كذلك لغة وطنية ورسمية، تعمل الدولة على ترقيتها وتطويرها بكل تنوعاتها اللسانية المستعملة في البلاد، من خلال استحداث مجمع جزائري لدى رئيس الجمهورية.

الراية “الأمازيغية” رافقت الحراك الشعبي رغم منع السلطات ورفض بعض الشعب الجزائري

جدل سياسي

وبلغ الخصام حول “الأمازيغية” الطبقة السياسية؛ حيث نفى حزب جبهة التحرير الحاكم “مزاعم” تتهمه بـ”حذف الحروف الأمازيغية من وثائق ومنشورات الحزب”، بينما الكتابة بالحروف الأمازيغية لم تكن موجودة من قبل حتى يتم حذفها، وَفق ما جاء في بيان للحزب الذي أكد أن “مَن يقفون وراء أكذوبة حذف اللغة الأمازيغية لهم نيَّات تهدف إلى التشويش على الحزب والمناضلين، وإحداث فتنة في أوساط المجتمع”، بينما صرَّح رئيس جبهة العدالة والتنمية الإسلامية؛ عبدالله جاب الله، بأن لجنة إعداد الدستور عملت لحساب أجندة سياسية تكفل استمرار النظام، عبر مغازلة جهة معينة في البلاد، على حساب بقية الجهات والمكونات؛ وهو تهديد مبطن للوحدة الوطنية، خصوصاً أن الدستور المذكور استمد تاريخ الدولة من الدولة النوميدية البربرية، مستغرباً أن تكون للبلاد لغتان وطنيتان ورسميتان في آن واحد.

اقرأ أيضاً: الجزائر.. لماذا تصاعد صراع الهوية منذ انهيار حكم بوتفليقة؟

الباحث في علم الاجتماع السياسي أسامة لبيد، يعتبر، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، أن الهدف من هذا التعديل، هو تعزيز الوحدة الوطنية التي أصبحت مهددة بفعل التهميش الذي تعرض إليه البُعد الأمازيغي منذ استقلال البلاد في 1962؛ فالمشرِّع الجزائري يسعى لجعل الإسلام والعربية والأمازيغية “الجدار الأسمنتي الذي تتحطم أمامه كل محاولات ضرب وحدة الأمة”، قائلاً: إن العربية لغة الجزائر رقم واحد، وهذا لا يمنع احترام هويات المناطق الأخرى، وهو رهان الدستور التوافقي الجديد، مضيفاً أن وضع الأمازيغية في نفس المرتبة مع اللغة العربية يعد أمراً مستحيلاً لعدة أسبابٍ تاريخية، ويجب أن تبقى الريادة للعربية مع التفكير في طرق لترقية الأمازيغية.

أسامة لبيد

ويتابع لبيد بأن دسترة الأمازيغية سيضع حداً لأبواق الفتنة والجهات التي لم تفقد الأمل في ضرب استقرار الجزائر وأمنها وحتى قوميتها، مبرزاً بخصوص الخصام بين المطالبين بكتابتها بالحرف العربي وحرف “التيفيناغ”، والفرانكوفونيين المتمسكين بالحرف اللاتيني، أن هذه المشكلة تقنية بحتة “اصطدمنا بها بعد دسترة الأمازيغية”؛ لكن قبل 14 قرناً “كتب أجدادنا الأمازيغية بالحرف العربي، وهناك مئات المخطوطات الشاهدة، وأرى أن اللغة العربية قوية جداً لاحتواء الأمازيغية”.

وأوضح لبيد أن الحرف اللاتيني فرضته فرنسا لأغراض تقسيم الجزائريين؛ بل ولتقسيم الأمازيغ أنفسهم، كما يوجد “تيفيناغ” المنتشرة بكثرة في الصحراء بين الطوارق، قائلاً: “إن هذا التنوع لا يمنع من اعتماد مخابر للخروج من الجدل”.

وختم لبيد بالرد على انعكاس أمر محكمة مغربية بصرف شيك مكتوب بالأمازيغية، على الجزائر، بأن الشعب الجزائري لن يقبل استغلال دسترة الأمازيغية لاستعمالها في الاقتصاد والشيكات والتعاملات.

اقرأ أيضاً: “الأقليات الدينية” في الجزائر.. بين ممارسة الشعائر وتهديد النسيج الاجتماعي

للمرة الرابعة

ويعتبر هذا التثبيت الدستوري للأمازيغية كلغة وطنية ثم رسمية هو الرابع من نوعه في البلاد؛ حيث سبق للرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، أن أدرج ذلك في تعديلاتٍ دستورية جرَت في 2002 و2008 ثم 2016، إلا أن اللغط لا يزال مستمراً عشية الاستعداد للذهاب إلى الاستفتاء الشعبي على الدستور؛ ما يجعل الأول من نوفمبر المقبل موعداً مهماً في تاريخ البلاد ومسيرة الرئيس تبون.

البرلمان يصوت على تعديل الدستور رغم مقاطعة المعارضة

وفي السياق ذاته، يرى الإعلامي المهتم بالشأن السياسي حكيم مسعودي، في حديثٍ إلى “كيوبوست”، أن وجود الأمازيغية في الدستور كلغة وطنية ورسمية وكبعد حضاري وتاريخي وهوياتي للأمة الجزائرية، لا يروق لكثيرٍ من المتأثرين بالأيديولوجيات الإقصائية والموروث الاستبدادي لعهد الحزب الواحد، الذي لا يؤمن إلا بالشمولية في إطار ما يراه أو ما يعتقده، ولعل أكثرهم وضوحاً المنتمون إلى حزب الأغلبية الحاكم والتيار الإسلاموي في عمومه، موضحاً أن “دستور تبون” مرّ بموافقتهم “السياسية” مثلما مرَّت دساتير بوتفليقة بالأغلبية الساحقة، رغم ما يعبرون عنه في الهامش الإعلامي من تحفظاتٍ وعدم تقبل وجدل لا يتعدى التصريحات الصحفية، كونهم يدركون أن الأمازيغية أصبحت لا تعبر فقط عن مطالب سياسية؛ بل عن توازنات في هرم السلطة لن تتجرأ على العبث بها حتى لو ناورت في بعض التفاصيل كقضية الراية الأمازيغية مثلاً.

حكيم مسعودي

ويعتقد مسعودي أن قضية الأمازيغية محسومة سياسياً، ويبقى ما تعلق بالخط؛ فتلك قضية علمية واجتهاد علمي بحت، قائلاً: إن الأصل في كتابة الأمازيغية هو “التيفيناغ”، أما “الحرفان اللاتيني والعربي ففي مرتبة (التيمم) الذي يفترض أن نتجاوزه في حضور (التيفيناغ)”، وعليه فمَن يحاول اللعب على إثارة جدل وهمي حول موضوع “الخط”، هو مهتم بتقويض المكاسب التي حققتها اللغة الأمازيغية، و”هم في كل مرة، في ظل عدم جرأتهم العلنية لمعارضة وجودها، يحوِّرون النقاش إلى هذا الشكل بدلاً من مرونة الأمازيغية التي تصلح في كتابتها وتطبيق قواعدها بعدة أحرف”.

اقرأ أيضاً: اتهامات بالعنصرية تطول المجتمع الجزائري.. ما صحتها؟

أما بخصوص ما صدر عن المحكمة المغربية، فيقول مسعودي إنه “مكسب جديد للمغرب يفترض أن نكون نحن سبَّاقين إليه ما دامت الجزائر مهد النضال من أجل إعادة الاعتبار إلى الأمازيغية ووضعها في مكانتها الحقيقية”، مضيفاً أنه لا شيء في الجزائر يمنع ذلك، وهي مسألة عمل قاعدي في مؤسسات المجتمع يستدعي دعماً، وقبله إرادة مجسدة من الدولة.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة