الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

ترحيل إيكويسن يعيد ملف “الأئمة والتطرف في أوروبا”

شكلت قضية الإمام والداعية ذي الأصول المغربية حسن إيكويسن نقطة فاصلة في علاقة فرنسا ودول أخرى بالدعاة وأئمة المساجد

كيوبوست – حسن الأشرف

أعاد ترحيل السلطات البلجيكية، قبل أيام قليلة، الإمام المغربي حسن إيكويسن إلى بلده الأصلي، بعد مسلسل من الشد والجذب بينه وبين السلطات الفرنسية والبلجيكية، إلى واجهة النقاش موضوع الأئمة المغاربة وغيرهم في البلدان الأوروبية، ومدى تأهيلهم الديني للجاليات هناك، أو وقوعهم بدورهم في فخ التشدد الديني.

وهرب إيكويسن، المولود في فرنسا عام 1964، بعد أن قرر وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان، طرده من البلاد بتهمة ترويج “خطاب الكراهية ومعاداة السامية والتميز ضد المرأة”، ليختبئ فترة من الزمن في بلجيكا، قبل أن يتم ترحيله بشكل رسمي قبل أيام من هناك إلى المغرب.

اقرأ أيضاً: حسن إيكويسن.. الإمام المغربي الذي طردته فرنسا!

نقطة فاصلة

وشكلت قضية الإمام والداعية ذي الأصول المغربية حسن إيكويسن، نقطة فاصلة في علاقة فرنسا على وجه الخصوص بالدعاة وأئمة المساجد المغاربة والمسلمين الموجودين في هذا البلد وغيره من دول القارة العجوز؛ حيث إن هذه القضية ارتكزت على تهم وجهتها باريس إلى إيكويسن، وبات العديد من الأئمة والوعاظ والدعاة معرضين إلى نفس المصير.

وبعد أن أفلحت فرنسا وبلجيكا أيضاً في تنزيل قرار الطرد والترحيل، (فرنسا بتهمة ترويج خطاب الكراهية والتطرف ومعاداة السامية، وبلجيكا بتهمة الإقامة غير المشروعة في البلاد)، أضحى نفس المسار والمصير ينتظر عدداً من الأئمة المغاربة ومن باقي الجنسيات أيضاً.

وسبق أن صرح وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان، لوسائل إعلام، بأن هناك توجهاً للسلطات الفرنسية لطرد وترحيل العديد من الأئمة الذين إما يعملون بطريقة غير قانونية في البلاد وإما يروجون خطابات تعتبرها باريس متطرفة ومتشددة.

وكشف المسؤول الفرنسي ذاته أن خطة مواجهة “الانفصالية الإسلاموية” تقتضي النظر في وضعية أكثر من 100 إمام وواعظ ومرشد ديني ينحدرون من جنسيات عديدة، وكذلك العديد من الجمعيات والهيئات الإسلامية.

مفهوم التطرف وفقه الأقليات

وفي هذا الصدد، يعلق الباحث في الشأن الديني، الدكتور إدريس الكنبوري، على الموضوع بالقول: “إن قضية تطرف الأئمة المسلمين في أوروبا تعد قضية معقدة؛ لأن هناك عوامل متداخلة في الأوساط الأوروبية تشترك جميعها في تعريف التطرف، بحيث يبدو المعتدلون حتى، متطرفين في نظر هذه الأوساط؛ بسبب الاختيارات الدينية”.

د.إدريس الكنبوري

ويسترسل الكنبوري شارحاً، في تصريحات أدلى بها إلى “كيوبوست”: “مفهوم التطرف في المجتمعات العربية ليس هو نفسه في المجتمعات الأوروبية؛ بسبب الخلفية الثقافية والعوامل السياسية وانتشار الإسلاموفوبيا التي تعتبر كل مسلم يمارس الشعائر متطرفاً”، مضيفاً أن هذا الوضع تبيَّن في عدد من الحالات في فرنسا وإسبانيا مثلاً؛ حيث تمت إدانة وترحيل بعض الأئمة بتهمة التطرف، بسبب تصريحات معينة تعتبر عادية في المجتمعات العربية.

اقرأ أيضاً: بعد فرار إيكويسن… فرنسا تستعد لطرد المزيد من دعاة التطرف

ويرى المتحدث عينه أنه “إذا كان لا بد من تعريف التطرف في أوروبا، فيجب أن نعرفه بأنه الجهل بالظروف السياسية والاجتماعية والخلفيات الثقافية للمجتمعات الأوروبية؛ إذ لا ينبغي للإمام مثلاً أن يتعامل مع هذه المجتمعات نفس تعامله مع مجتمعه الخاص الأصلي؛ لأنه هنا يتحرك في محيط مختلف؛ فقد يُعتبر موقف ديني عادي بالنسبة إلى المسلم موقفاً متطرفاً في أوروبا؛ فواجب الإمام أن يفهم المحيط الثقافي وينزل خطابه الديني بما يناسب ذلك المحيط، وأن يطَّلع على الاجتهادات المنفتحة في فقه الأقليات”.

واستدرك الكنبوري بأنه “أحياناً قد تظهر بعض حالات التطرف الديني، إما بسبب الجهل وإما ضعف التكوين وإما الوقوع في قبضة الخطاب المتطرف؛ بحيث يصبح الإمام الذي يفترض أن يحارب خطاب التطرف هو الضحية لهذا الخطاب نفسه”.

مسجد باريس الكبير

وخلص المحلل إلى أنه يتعين على الإمام المسلم في المجتمعات الأوروبية أن يدرك أنه ضيف وأن يلتزم واجب الضيافة، ويعرف أن هذا المجتمع يحتاج إليه ليكون شريكاً في السلام والإخاء لا خصماً؛ وأن يقابل ما يقدمه له المجتمع الأوروبي من خدمات بخدمات مقابلة وفقاً لقوله تعالى: “وإذا حُييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها”.

أوروبا واحترام التعدد

من جانبه، يرى الخبير في الحوار الحضاري، الدكتور محجوب بن سعيد، أنه يجب النظر إلى قضية ترحيل الإمام المغربي حسن إيكويسن، إلى المغرب في إطار السياق العام للوجود الإسلامي في أوروبا وتحديداً فرنسا، وتعاملها مع الشأن الديني الإسلامي على وجه الخصوص؛ حيث قامت السلطات الأمنية والقضائية الفرنسية، منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، وتفجيرات باريس عام 2005، وهجوم نيس عام 2016، باتخاذ جملة من الإجراءات لتشديد الرقابة على المساجد والجمعيات الإسلامية والتصدي للدعاة والأئمة الذين يروجون لأفكار غير متوافقة مع قيم الجمهورية، أو تصريحات معادية للسامية تقوض القوانين الجمهورية أو تنتهك مبدأ المساواة بين المرأة والرجل.

د.المحجوب بن سعيد

واستحضر المحجوب بن سعيد، في تصريحات أدلى بها إلى “كيوبوست”، إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في شهر فبراير من عام 2020، فرض قيود على إيفاد دول أجنبية أئمة ومعلمين إلى فرنسا، وذلك بهدف القضاء على ما وصفه بخطر “الشقاق”؛ حيث أكد أنه أصبح من الضروري الحد من النفوذ الأجنبي وإلزامية احترام الجميع لقوانين الجمهورية الفرنسية.

واستطرد المتحدث بأنه “من جهة أخرى، الأحداث والمتغيرات المتسارعة التي شهدتها بعض الدول الأوروبية منذ عام 2001، ومنها انتشار التطرف الديني، وترويج خطاب الكراهية والتمييز العنصري، فرضت على الدول الإسلامية التي لديها جاليات في الدول الغربية اتخاذ إجراءات عديدة للحد من المخاطر والآثار السلبية لتلك الأحداث؛ ومنها توفير وإعداد الأطر الدينية التي تسهر على أداء وظائفها الشرعية المنوطة بها، وتأهيلها وتدريبها على نشر الوسطية والاعتدال وتوعية مختلف شرائح المجتمع بمخاطر التطرف والغلو”.

اقرأ أيضاً: لماذا تعمد أوروبا إلى محاصرة الهيئات الممثلة للجاليات الإسلامية؟

ولفت المحجوب بن سعيد إلى أن المغرب يعتبر نموذجاً في هذا المجال؛ حيث أنشأ معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات عام 2014، وأصبحت كثير من الحكومات الأوروبية تطلب الاستفادة من خبرته المتميزة في هذا المجال.

وأضاف الباحث: “يكتسي تكوين (الكوادر) الدينية في المجتمعات الأوروبية أهمية قصوى اليوم، بالنظر إلى ما تقوم به الجماعات المتطرفة من حملات تضليلية باسم الإسلام عبر خطابات متطرفة تدعو الناشئة من الأطفال والشباب إلى العنف والقتل وسفك الدماء وتدمير الأوطان”.

ودعا المحجوب بن سعيد حكومات الدول الأوروبية إلى احترام التعدد الديني والثقافي لمجتمعاتها؛ خصوصاً مواطنيها الذين يعتنقون الديانة الإسلامية والعمل على العناية بالأئمة والدعاة الشباب المتمكنين من اللغات الأجنبية والمتشبعين بقيم الإسلام السمحة الداعية إلى الوسطية والاعتدال، وتنظيمهم في إطار قانوني مدني، وتمكينهم من الدعم المالي والمعنوي؛ ليقوموا بدورهم في نشر ثقافة الحوار والتسامح والتآخي وتعزيز قيم المواطنة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة