الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

ترحيب وترقب ومتابعة.. تطورات تونس من وجهة نظر عربية

كيوبوست

حظيت القرارات الأخيرة للرئيس التونسي قيس سعيّد، بردود فعل مرحبة في مجملها في الوطن العربي، وسط ترقب لطريقة إدارة البلاد خلال الفترة المقبلة، وتباين في التفسيرات لنص المادة 80 من الدستور، التي استند إليها الرئيس، سواء في ما يتعلق بإقالة الحكومة أو تجميد البرلمان لمدة شهر، ورفع الحصانة عن جميع نوابه.

اقرأ أيضاً: المتحدث باسم جبهة الإنقاذ التونسية لـ”كيوبوست”: إدانة الغنوشي بمحاولة اغتيال الرئيس تعرضه إلى الإعدام

البدر الشاطري

“لقد اتخذ الرئيس التونسي قراراته بعد أن بلغ السيل الزبى”، حسب الكاتب الإماراتي د.البدر الشاطري، الذي يؤكد لـ”كيوبوست” أن القرارات جاءت لتجنب البلاد نفق المجهول، مشيراً إلى أن الجمعية التونسية للقانون الدستوري فسَّرت المادة 80، التي استند إليها الرئيس بسلطته المطلقة في تقييم الظروف؛ لكن المعضلة تأتي من تجميد البرلمان، والذي ليس من صلاحية الرئيس.

وحسب محمد فاضل العبيدلي؛ المستشار بمركز دبي لبحوث السياسات العامة، فإن قرارات الرئيس قيس سعيّد لها بعدان أساسيان؛ البعد الأول مرتبط بمدى الالتزام بالدستور، والرئيس لم يستخدم سوى حقه وَفق المادة 80 بعدما استشعر الخطر نتيجة ما حدث، أما البعد الثاني فهو سياسي بعد خروج التظاهرات في الشارع والغضب الشعبي المتمثل في إحراق مقرات “النهضة”.

خرج الشارع التونسي مطالباً بإسقاط حكم “النهضة”- وكالات
محمد فاضل العبيدلي

ويرى العبيدلي أن أفضل معيار لتقييم حزب أو حركة سياسية هو سجلها في الحكم. وبالنظر إلى أن حركة النهضة كانت تمتلك أغلبية برلمانية، وتشكل حكومة للمرة الثانية، فإن حضورها جاء مخيباً للآمال، في ظلِّ مشكلات اقتصادية مستعصية نتيجة سوء الإدارة؛ وهو ما حوَّل تونس على سبيل المثال من ثالث مصدر للفوسفات في العالم عام 2010، إلى بلدٍ يضطر إلى الاستيراد من الجزائر؛ وهو أمر واحد من أمور عدة دفعت لزيادة نسبة البطالة إلى 18% بأقل التقديرات.

يعتبر الدكتور محمد آل زلفة، عضو مجلس الشورى السعودي السابق، أن إقصاء “النهضة” من السلطة في تونس بتحرك شعبي، يعكس تحولاً ومنعطفاً مهماً بالنسبة إلى جماعة الإخوان المسلمين بشكل خاص، وتيار الإسلام السياسي بشكل عام في المنطقة؛ خصوصاً أن التونسيين اكتشفوا عدم صحة ادعاءات “النهضة” بعد عام 2011، ووجدوا أنفسهم يخرجون من مشكلة ليدخلوا في أخرى أكبر.

محمد آل زلفة

وأضاف أن سلوكيات “النهضة” في الفترة الماضية؛ من تضييق الخناق على الشعب التونسي، والتسبب في إشكالات كبرى أثَّرت سلباً على الحياة العامة، بجانب سعي الحركة لتأسيس أجهزتها الموازية لأجهزة الدولة، جعلت هناك ثورة شعبية استجاب لها الرئيس بالدستور القائم بالفعل، لافتاً إلى أن قرارات الرئيس التونسي لاقت ترحيباً ليس فقط في الداخل؛ ولكن أيضاً من الدول الصديقة التي تتفهم طبيعة ما حدث وما سعت إليه “النهضة” في السنوات الماضية.

فشلت حكومة “النهضة” في تلبية مطالب الشعب التونسي- وكالات

الحق الدستوري

خالد شيات

الرئيس التونسي استخدم حقه الدستوري انطلاقاً من رغبته في تحقيق استقرار الدولة، حسب د.خالد شيات، أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بجامعة محمد الأول في المغرب، والذي يقول لـ”كيوبوست”: إن ما حدث يمكن قراءته من عدة زاويا؛ فهناك مَن يرى أنه أشبه بانقلاب مبطن، وهناك مَن يرى أنه كرَّس السلطات في يد الرئيس الذي استعاد الجمهورية التونسية. نفس الأمر بالنسبة إلى رؤية مستقبل حركة النهضة؛ فهناك مَن يرى أن ما حدث قد يكسبها تأييداً من باب المظلومية، وهناك مَن يرى أنها لن تستطيع العودة إلى السلطة، وستضعف مرحلياً على الأقل.

يشير شيات إلى أن الديمقراطية الناشئة في تونس كانت ستطيح بحركة النهضة في الانتخابات المقبلة على سبيل المثال؛ لأنها فقدت الحشد الشعبي بشكلٍ واضح، وبالتالي كان سينتقل هذا الأمر إلى صناديق الاقتراع؛ لكن في الوقت الحالي ستبدأ في ادعاء المظلومية، محاولةً اكتساب مؤيدين جدد.

تظاهر التونسيون دعماً لقرارات الرئيس قيس سعيّد- وكالات
عايد المناع

تحرك الرئيس بجرأة كبيرة ووضع السلطات في يده، في تغيرٍ دراماتيكي في الأحداث، حسب المحلل السياسي الكويتي د.عايد المناع، الذي يقول لـ”كيوبوست”: إن غياب المحكمة الدستورية، بسبب عرقلة حركة النهضة تشكيلها، منح الرئيسَ حق تفسير الدستور، وهو رجل قانون دستوري بالأساس، مشيراً إلى أن الرئيس استخدم روح الدستور أكثر من استخدام نصه، وبما يخدم مصلحة الشعب التونسي.

يشير عايد المناع إلى أن حركة النهضة والأحزاب المتحالفة معها ستعمل كل ما في وسعها من أجل عرقلة قرارات الرئيس؛ لكن حتى الآن يبدو أنهم أضعف من أن يفعلوا ذلك، لافتاً إلى أن هذا الأمر قد يحدث في المستقبل القريب.

يمكن قراءة ما حدث في تونس عبر ثلاثة مستويات، حسب الدكتور محمد الزهراوي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض، الذي يقول لـ”كيوبوست”: إن المستوى الأول مرتبط بالمشهد السياسي التونسي، والسيناريوهات التي أصبحت مفتوحة الآن أمام جميع الخيارات؛ خصوصاً أن تونس تعيش على وقع حالة من عدم الاستقرار منذ دستور 2011، والقرارات التي اتخذها الرئيس قد تكون عاملاً مساعداً على إعادة هندسة المشهد السياسي الداخلي، وإجراء تعديلات على الدستور تعيد الاستقرار السياسي المفقود، وقد يكون لها تأثير سلبي حال انفراده بالسلطة، وبإدارة المشهد السياسي.

اقرأ أيضاً: قيس سعيد يرسم ملامح الجمهورية التونسية الثالثة

محمد الزهراوي

المستوى الثاني، حسب الزهراوي، مرتبط بوضع تيار الإسلام السياسي في تونس المتمثل في حركة النهضة، والتي تعيش مرحلة حساسة ودقيقة؛ لأن تداعيات تعاملها مع الموقف ستؤثر على مستقبل الحركة الإسلامية في تونس، بما قد يرسم مستقبلها، ومن ثمَّ فإن جميع التصرفات التي تحدث الآن يجب مراقبتها جيداً للتنبؤ وفهم ما سيحدث في المستقبل.

أما المستوى الثالث، الذي يراه أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض، فمرتبط بانعكاسات ما يحدث على المنطقة المغربية التي تعيش اضطرابات واشتباكات دبلوماسية، ومحاولات للتدخل الأجنبي مستمرة، مشيراً إلى أن الأحداث في تونس وما سبقها في المغرب والجزائر، هي بداية لبروز نظام إقليمي جديد في المنطقة المغربية.

يلفت عايد المناع إلى أهمية الدعم والمساندة العربية لقرارات الرئيس التونسي؛ عبر الدعم السياسي والاقتصادي، ليس بهدف التدخل في الشأن التونسي؛ ولكن لمساعدة الشعب التونسي في أزمته وسعيه للتخلص من الأحزاب الانتهازية التي تلاعبت بالدستور.

يأمل التونسيون في تصحيح أخطاء “النهضة”- وكالات

إنهاء الجمود السياسي

أسامة السعيد

أنهت قرارات الرئيس قيس حالة جمود سياسي مستمرة منذ شهور في البلاد، حسب الدكتور أسامة السعيد، نائب رئيس تحرير جريدة “الأخبار” المصرية، الذي يقول لـ”كيوبوست”: إن الرئيس لم يستطع خلال الفترة الماضية تغيير الحكومة بالطرق التقليدية، ووجدت حالة من انعدام الثقة بين مكونات النظام الثلاثة في تونس؛ لدرجة أن الرئيس أسند إدارة مرفق الصحة إلى المؤسسة العسكرية قبل أيامٍ من هذه القرارات، بسبب انعدام الكفاءة في إدارة مؤسسات الدولة التي زادت من تردي الوضع الصحي.

يحدد السعيد نقاط اختلاف كبيرة بين ما حدث في تونس، وما جرى في مصر عام 2013؛ في مقدمتها تغلغل “النهضة” على مدى 10 سنوات في مفاصل الدولة التونسية، على العكس من حكم الإخوان لمصر، بالإضافة إلى الانقسام في المشهد السياسي؛ حيث لا تزال بعض القوى تؤيد حركة النهضة على العكس من رفض جميع التيارات السياسية في مصر جماعة الإخوان، فضلاً عن الفارق في القوة العسكرية والسياسية بين الجيشَين المصري والتونسي.

اقرأ أيضاً: تونس.. انقلاب على الشرعية أم تصحيح لمسار الثورة؟!

عمر بن جانة

التداخلات الاجتماعية والمصاهرة العائلية تجعل هناك حاجة إلى تنسيقٍ أمني على مستوى عالٍ، حسب الخبير الأمني الجزائري عمر بن جانة، الذي يقول لـ”كيوبوست”: إن الجزائر تتوجس من عدم الاستقرار الأمني في تونس، ومن ثمَّ تعمل لعدم حدوث هذا الأمر في ظل الحدود البرية الممتدة على نحو 900 كم تقريباً، مشيراً إلى أن الإجراءات الجزائرية لها أبعاد أمنية ودبلوماسية، وهناك تواصل مستمر بين قيادات البلدَين.

وبينما وصفت صحيفة “التلغراف” البريطانية، الوضعَ في تونس بأنه أسوأ أزمة تعيشها البلاد منذ سقوط نظام ابن علي، تسود رؤى متضاربة لمستقبل حركة النهضة بعدما بدأ القضاء في التحقيق بشبهات حول تلقيها أموالاً من الخارج خلال الانتخابات الأخيرة.

اقرأ أيضاً: بعد إقالة رئيس الحكومة وتعليق عمل البرلمان.. هل تحمي الجزائر ظهر تونس؟

إخفاق جديد للإخوان

يتوقع العبيدلي ضعف حركة النهضة بعد التحرك الشعبي ضدها؛ وهو أمر سيُضاف إلى إخفاقاتٍ أخرى لجماعة الإخوان المسلمين عربياً، حيث ثبت أن الجماعة تفتقد رؤية تنموية تتجاوز خطابها المتمحور حول الأخلاق، ولم تثبت استعداداً أو قدرة على التعايش في دولة مدنية حقيقية تقوم على تداول السلطة، مشيراً إلى أن تركيز الإخوان وغيرهم من الجماعات الدينية على مسائل الهوية والوصاية الأخلاقية بمسميات عدة وانعدام حساسيتهم تجاه العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية/ الاجتماعية تقودهم إلى الإخفاق في تجربة الحكم.

خرج التونسيون ليعبروا عن غضبهم من جمود السلطة- وكالات

يرى أسامة السعيد أن ما حدث في تونس بمثابة انتكاسة لمشروع تمكين الإسلام السياسي في المنطقة؛ خصوصاً أن تونس كانت التجربة الوحيدة المستمرة حتى الآن، وبالتالي خسارة “النهضة” للحكم تعني عودة تيار الإسلام السياسي إلى المربع الأول بالوجود كتيار معارضة؛ الأمر الذي سيدفع “النهضة” لممارسة مزيد من الضغوط خلال الفترة المقبلة، من أجل محاولة إلغاء بعض القرارات.

يؤكد السعيد أن الأمور ليست محسومة بشكل نهائي حتى الآن؛ خصوصاً أن هناك أدوات كثيرة لم تُستخدم، بعضها سياسي والبعض الآخر غير سياسي؛ مثل اللجوء إلى العنف في ظل رصد تزايد نشاط الجماعات المتطرفة بغرب ليبيا بالقرب من الحدود التونسية، فضلاً عن مواقف القوى الداخلية بالمجتمع التونسي خلال الفترة المقبلة.

الشباب الفئة الأكثر دعماً لسعيد- (صورة وكالات)

يعتقد خالد شيات أن تونس تحتاج اليوم إلى مجهودٍ كبير؛ من أجل تحقيق انتقال سلس للسلطة، بجانب الدعم القوي من الخارج على عدة مستويات، اقتصادية وسياسية، وحتى المنظومة الصحية التي تحتاج إلى مساعداتٍ كبيرة من أجل تجاوز الأزمة الراهنة.

اقرأ أيضاً: مستقبل الأوضاع في تونس بعد قرارات “سعيد” الاستثنائية

ترقب للمستقبل

يستبعد المستشار بمركز دبي لبحوث السياسات العامة محمد فاضل العبيدلي، أن يسير الوضع في تونس نحو ديكتاتورية من أي نوع؛ سواء أكانت عسكريةً أم تحالفاً عسكرياً/ أمنياً، على الرغم من كون القلق من هذا الأمر مشروعاً، مشيراً إلى أن استبعاده هذا الأمر قائم على عدة أسباب؛ أولها أن الجيش التونسي ليست لديه القدرة على فرض حكم من هذا النوع، ولديه تمسك بقيم الجمهورية، واحترام الحدود بين دوره وبين الحكم المدني، فضلاً عن حيوية القوى المدنية وقدرتها على مواجهة أي توجهات من هذا النوع وإحباطها، مع الإشارة إلى الدور الدولي المؤثر في عدم الانزلاق نحو هذا المصير.

سعيد يحظى بثقة غالبية التونسيين (صورة وكالات)

يتفق معه في الرأي البدري الشاطري، الذي يرى أنه على الرغم من الوضع المشوب بكثيرٍ من المخاطر؛ خصوصاً إذ استمر الوضع الاستثنائي لفترة طويلة، فإنه من غير المرجح بعد عقد من الديمقراطية، أن تعود السلطات لتكون مرتكزة بيد رئيس الجمهورية؛ خصوصاً في ظل المتابعة الدولية الكثيفة للقرارات المتخذة.

يرى البدري الشاطري أن الإخوان المسلمين في تونس ممثلين في حركة النهضة، يمرون بامتحان صعب؛ خصوصاً أن الأوضاع الإقليمية تتجه عكس مصالح الجماعة، سواء في الغرب الليبي أو في مصر والجزائر التي خاضت حرباً ضروساً ضد الجماعات الدينية.

أنور الرشيد

على الرغم من أن الوقت لا يزال مبكراً للحكم على ما حدث في تونس، حسب الحقوقي الكويتي أنور الرشيد؛ فإن ما حدث لم يكن مفاجئاً باعتباره جزءاً من عملية إحباط المسار الديمقراطي، مؤكداً أن حركة النهضة وتيار الإسلام السياسي يتحملان جزءاً من المسؤولية التاريخية عما حدث نتيجة قرارات الانفراد بالسلطة وعدم الاستماع إلى أصوات الآخرين.

وأضاف الرشيد لـ”كيوبوست” أنه بغض النظر عن التوافق من عدمه مع قرارات الرئيس التونسي، وموقفه وتوجهاته، فإن التعنت الذي مارسته “النهضة”، وسياسة رفض الاستماع إلى الآخرين والتذرع بالأغلبية، يجعلها تتحمل جزءاً من المسؤولية؛ لأن سياستها هي التي أوصلت إلى هذه المرحلة.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة