الواجهة الرئيسيةترجمات

ترجمات: من تاريخ التجارب العلمية على البشر.. كيف سخَّر النازي العلمَ لخدمة الشر؟

كيوبوست – ترجمات

الكاتب: فرانسيسكو لوبيز مونيوز

تعد محرقة اليهود في ألمانيا واحدة من أسوأ الجرائم الجماعية في تاريخ البشرية، غير أن هناك جرائم ليست أقل بشاعة تواطأ فيها العلم الطبي على مر التاريخ. فبعد الحرب العالمية الثانية، تم تقديم أدلة في محاكمات نورمبرغ حول الأبحاث المشينة التي أُجريت على البشر، خصوصًا تحت حكم النازي، ويشمل ذلك الحالات التي تم تجميدها أو إصابتها بالسل أو بتر أطرافها. كما كان هناك أبحاث محددة في علم الأدوية أقل شهرة، لكنها ليست أقل فظاعة.

هيبة الطب الألماني

تتمتع الصيدلة والكيمياء الألمانيان بمكانة عالمية كبيرة منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر. غير أن هذا العصر الذهبي انتهى مع وصول الحزب النازي إلى السلطة عام 1933، واستعيض عنه بالسلوك الإجرامي المؤسسي في مجال الصحة العامة والبحث الإنساني.

اقرأ أيضًا: مئات النازيين الألمان الجدد لا يزالون طلقاء على الرغم من مذكرات الاعتقال

وفي بداية الحرب العالمية الثانية، نظرت القيادة النازية إلى البحوث الطبية والصيدلانية كأداة في الخطوط الأمامية للمساهمة في المجهود الحربي، وتقليل تأثير الإصابات والأمراض والأوبئة على القوات. وكان القادة النازيون يعتقدون أن معسكرات الاعتقال مصدر “للكائنات المتدنية” و”المتحللة” التي يمكن (وينبغي) استخدامها كموضوعات بحثية، وكان نتيجة ذلك أن فقدت الصيدلة الألمانية والطب كرامتيهما.

جاء في كتاب “الأطباء تحت سلطة هتلر”، لمؤلفه مايكل كاتر: “عامل النازيون القانون كعاهرة، وأفسدوا التعليم والخدمة المدنية؛ حتى صنعوا من الأطباء قتلةً. ومهد ظهور حركة تحسين النسل في أوروبا الوسطى بداية القرن العشرين الطريق أمام الحكومة النازية؛ لتطبيق سياسة كارثية تتمثل في (التطهير العرقي)”.

برنامج العمل T 4

عززت الأيديولوجية النازية من اضطهاد أولئك الذين اعتبروا “غير طبيعيين”، كجزء من برنامج العمل “T4”. ويمثل 1 سبتمبر 1939 -تاريخ بدء الحرب العالمية الثانية– بداية الإبادة الجماعية للمرضى الذين يعانون “أوجه قصور” أو اضطرابات عقلية، الذين كانوا يعتبرون “قذائف بشرية فارغة”. وفي البداية، ارتكبت الجرائم عن طريق التسمُّم بأول أكسيد الكربون.

المرضى المشاركون في برنامج T4 في أثناء ركوبهم الحافلة

اقرأ أيضًا: مؤشرات الحرب العالمية الثانية تظهر اليوم.. فهل حان موعد الثالثة؟

وفي عام 1941، تم إطلاق المرحلة الثانية من البرنامج، وهي ما تسمى بـ”القتل الرحيم”، عن طريق الحقن المميتة واستخدام مادة السكوبولامين (الأدوية المضادة للغثيان)، أو منح المرضى جرعات منخفضة من مادة الباربيتورات التي تسبب الالتهاب الرئوي المميت.

وقد تم ممارسة هذه التقنيات، بالإضافة إلى وقف التدفئة في المستشفيات خلال فصل الشتاء؛ مما أدى إلى قتل أكثر من 250000 مريض. وربما هذا هو العمل الإجرامي الأكثر بشاعة في تاريخ الطب.

تجارب على الأصحاء

أصبحت التجارب الطبية أداة أخرى للسلطة السياسية والسيطرة الاجتماعية، سواء على مرضى برنامج “T4” أو على الأشخاص الأصحاء. كما تم تجنيد أولئك الذين يتمتعون بصحة جيدة في معسكرات الاعتقال للمجموعات العرقية أو الاجتماعية المنبوذة؛ مثل اليهود والغجر  والمثليين جنسيًّا.

تم إجراء عدد من التجارب من بينها دراسة:

  • تأثير السلفوناميدات (المضادات الحيوية) على الغرغرينا
  • استخدام الفورمالين الكيميائي السام لتعقيم الإناث
  • استخدام اللقاحات والأدوية الأخرى لمنع أو علاج الأشخاص الذين تمت إصابتهم بالملاريا عمدًا
  • آثار الأميتامفيتامين في التمرينات الشديدة
  • خصائص مخدر الهكسوباربيتال وهيدرات الكلورال (مسكن) في البتر
  • استخدام الباربيتورات والجرعات العالية من الميسكالين (دواء مهلوس) في دراسات “غسل الدماغ” .
بلوك 10 من معسكر اعتقال أوشفيتز، حيث أجريت التجارب الطبية على السجناء.

وفي مواجهة كل هذه الأدلة، يظل السؤال الملح بأنه كيف يمكن أن ينضم 45٪ من الأطباء الألمان إلى الحزب النازي؟! وهي المهنة الوحيدة التي وصلت إلى هذه النسبة الصادمة! فماذا يا تُرى الأسباب والظروف التي أدت إلى هذه الانتهاكات الوحشية؟

تفاهة الشر في الطب

الجواب عن هذا السؤال صعب، وقد جادل العديد من الأطباء بأن اللوائح صُممت لصالح الأمة لا المريض. وقد استندوا إلى مفاهيم مضللة مثل “القوة القاهرة” أو “المهمة المقدسة”؛ حيث اعتقد البعض أن كل شيء له ما يبرره بالعلم، حتى التجارب غير الإنسانية التي أُجريت في المعسكرات، في حين اعتبر آخرون أنفسهم وطنيين وكانت أفعالهم مبررة باحتياجات الحرب، وانخرط البعض من أتباع الأخلاقيات النازية وآخرون أكثر طموحًا يشاركون في هذه الأنشطة كوسيلة لتعزيز حياتهم المهنية والأكاديمية.. وأخيرًا، قد يكون تجنب الارتباط بالأجهزة النازية أمرًا صعبًا في قطاع الصحة؛ حيث أصبح الخوف نظامًا من الضغوط والسيطرة الاجتماعية.

اقرأ أيضًا: أكثر 7 حروب دموية بعد الحرب العالمية الثانية!

نصب تذكاري لريتشارد سيرا في برلين لتكريم ضحايا برنامج “T 4”

ويعرّف أرتورو بيريز ريفت، في كتابه “طهارة الدم”، هذا النوع من الدوافع بشكل جيد للغاية؛ فيقول: “على الرغم من أن جميع الناس قادرون على الخير والشر، فإن الأسوأ دائمًا هم أولئك الذين يفعلون الشر باسم سلطة الآخرين أو بذريعة تنفيذ الأوامر”.

وعلى الرغم من ذلك، وكما حدث في العديد من لحظات التاريخ؛ فإن المآسي في بعض الأحيان يتبعها آثار إيجابية؛ فبعد محاكمة الأطباء النازيين تم سن أول لائحة أخلاق دولية لإجراء الأبحاث على البشر، مدونة نورمبرغ، بموجب مبدأ أبقراط “الأَوْلَى أن لا تضر”، وكان لهذا القانون تأثير هائل على حقوق الإنسان وأخلاقيات علم الأحياء.

المصدر: زي كونفرزيشن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أستاذ الصيدلة ومدير مدرسة الدكتوراه الدولية بجامعة كاميلو خوسيه سيلا.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة