الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

تراجع عالمي في لقاحات الكوليرا.. هل تعود الكارثة إلى اليمن؟

تعد البلدان الفقيرة مثل اليمن وبلدان القرن الإفريقي أقل قدرة على مواجهة مثل تلك الكوارث والأزمات فضلاً عن مواجهة آثارها

كيوبوست- منير بن وبر

لليمن تاريخ أسود مع مرض الكوليرا؛ حيث أدى تفشي هذا المرض المميت إلى مقتل نحو 2000 شخص خلال ذروة انتشاره في عامَي 2016 و2017 وحدهما، ليصل إلى الضعف خلال الأعوام التالية. الآن، ومع نهاية 2022، قال مسؤول بمنظمة الصحة العالمية إن مخزون لقاحات الكوليرا منخفض للغاية عالمياً؛ الأمر الذي يهدد بتفشي المرض، ليس في اليمن فحسب، بل في عشرات الدول حول العالم.

يُعد الكوليرا من الأمراض التي تسهُل الوقاية منها، ومع ذلك يُصاب بالمرض سنوياً نحو 4 ملايين شخص في جميع أنحاء العالم، ويتسبب في وفاة 140 ألف شخص كل عام.

يُعد الكوليرا مشكلة أساسية في المناطق التي تعاني مشكلات في خدمات الصرف الصحي ومياه الشرب المأمونة؛ حيث يؤدي تناول الطعام أو الماء الملوث إلى عدوى إسهالية حادة يمكن أن تتسبب في الوفاة. لذلك، تؤدي التحسينات المستمرة في البنية التحتية دوراً حاسماً في تقليل خطر الإصابة بالمرض، وذلك إلى جانب توفر لقاح الوقاية من الكوليرا، والذي كان له دور فعَّال في إنقاذ مئات الآلاف من الأرواح حول العالم خلال العقود الماضية.

اقرأ أيضاً: اليمن.. الأولى في قائمة أسوأ الدول المتضررة من النزاع بالنسبة إلى الأطفال

لكن، مع تناقص مخزون لقاحات الكوليرا عالمياً، واستمرار الصراع المؤثر على الخدمات العامة في دول مثل اليمن، يصبح التهديد بعودة تفشي المرض نذير سوء في عام 2023، وربما ما بعده أيضاً.

أسوأ أزمة إنسانية في العالم

يُوصف اليمن بأنه يشهد أسوأ أزمة إنسانية في العالم؛ يعود ذلك جزئياً إلى فقدان الآلاف أرواحهم بسبب تفشي الأمراض وسوء التغذية، بما في ذلك مرض الكوليرا.

في القرن التاسع عشر، كانت الكوليرا واحدة من أكثر الأمراض رعباً في العالم؛ لكن التقدم الحالي في مجال الصحة العامة وتحسين الوصول إلى المياه النظيفة جعل المرض أقل خطراً. ومع ذلك، عندما يكون هناك صراع وفقر؛ فإن فقدان تلك المكتسبات يصبح حتمياً.

في اليمن، وصل عدد ضحايا الكوليرا خلال الفترة من 2016 إلى 2020، إلى نحو 4000 شخص؛ 25 في المئة منهم أطفال دون سن الخامسة. كانت المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، مثل أمانة العاصمة وعمران وصنعاء والمحويت، هي المحافظات الأكثر تأثراً على الإطلاق.

مناطق انتشار حالات الكوليرا المتحملة في اليمن 2017- 2020- WHO

وفقاً لأحدث التقارير، أدى النقص في التمويل خلال عام 2021 إلى مزيد من التدهور في النظام الصحي الراهن في اليمن. يُعد تفشي الكوليرا والدفتيريا وشلل الأطفال من بين العوامل المحركة للأزمة الإنسانية في البلاد خلال 2021 و2022.

مما يزيد القلق أكثر هو الزيادة في حالات الإصابة بالكوليرا وتوزيعها الجغرافي على مستوى العالم منذ عام 2021. تأتي هذه الانتكاسة بعد سنوات من التراجع العالمي لتفشي المرض، وتشمل أسباب فقدان تلك المكتسبات العالمية الأزمات الإنسانية وعدم الاستقرار السياسي والصراع، ومحدودية توافر موارد الرعاية الصحية، وتناقص جرعات وكمية اللقاح.

أزمة عالمية تؤثر على البلدان الفقيرة

في ديسمبر 2022، قالت وكالة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة: إن معدلات الوفيات العالمية بسبب الكوليرا آخذة في الارتفاع، وإن هناك نحو 30 دولة حول العالم أبلغت عن تفشي المرض خلال عام 2022، وهو معدل أعلى بمقدار الثلث عن المعدل السنوي المعتاد.

اقرأ أيضاً: الحرب والفساد مسؤولان عن تدهور الخدمات الصحية في اليمن

وفقاً للدكتور فيليب باربوزا، رئيس فريق منظمة الصحة العالمية لمكافحة الكوليرا وأمراض الإسهال الوبائي، فإن مخزون لقاح الكوليرا العالمي في تناقص حاد. من بين أسباب ذلك التراجع، حسب باربوزا، توقف شركة هندية عن تصدير اللقاح، وجاذبية تطوير لقاحات “كوفيد” مقارنةً بتطوير وإنتاج لقاح الكوليرا الذي تتركز سوقه في البلدان الفقيرة.

لكنَّ تفشي الكوليرا لا يعود إلى نقص اللقاحات فحسب، وإن كان هذا أحد العوامل المهمة؛ بل، في الواقع، شملت قائمة الأسباب آثار تغير المناخ مثل الأعاصير والفيضانات والجفاف، وحالات الطوارئ الأخرى مثل “كوفيد 19″، إضافة إلى العراقيل التي تشهدها سلاسل التوريد العالمية ومحدودية الموارد.

خريطة البلدان المتأثرة بالكوليرا.. ديسمبر 2022- WHO

تعد البلدان الفقيرة؛ مثل اليمن وبلدان القرن الإفريقي، أقل قدرة على مواجهة مثل تلك الكوارث والأزمات، فضلاً عن مواجهة آثارها. لا تضع هذه الحقائق المؤسفة البلدان المتأثرة في الخطر وحدها، بل تهدد أيضاً بتفشي المرض إقليماً. وهكذا، لا تعد هذه البلدان مصدراً للتهديدات الأمنية ومشكلات الهجرة غير الشرعية فحسب؛ بل هي مصدر للأمراض ما لم تتم معالجة مشكلاتها ومساعدتها على مواجهة عواقب تغير المناخ وعدم الاستقرار والمشكلات العالمية الأخرى.

تأثير الصراع والفقر

كان العالم قادراً على القضاء على الكوليرا من خلال حملات التحصين، وتحسين خدمات الصرف الصحي، وزيادة القدرة على الوصول إلى المياه المأمونة. تعد البلدان الغنية والمتقدمة أوفر حظاً في التقدم الملموس في كل تلك الجوانب، ناهيك بجودة الحياة والبنية التحتية عموماً.

لكن الفقر والصراع يؤثران بشكل كبير على انتشار الكوليرا في الكثير من بلدان العالم النامي والأقل نمواً؛ إذ يمكن أن تؤدي الظروف المعيشية السيئة إلى خلق بيئة غير صحية تؤدي إلى انتشار المرض. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للنزاع أن يعطِّل الوصول إلى المياه الصالحة للشرب ومرافق الصرف الصحي، فضلاً عن إعاقة جهود التحصين، هذا إذا توفرت اللقاحات أساساً.

اقرأ أيضاً: فشل تمديد الهدنة في اليمن: الأسباب والنتائج المحتملة

وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، تؤدي الأزمات الإنسانية المتزايدة؛ بسبب النزاعات وعدم الاستقرار السياسي ونقص التنمية، إلى تعريض عدد متزايد من الأشخاص إلى خطر الإصابة بالكوليرا. وحسب المنظمة، فإن تسعة من بين البلدان التي أبلغت عن تفشي الكوليرا تعاني نزاعاً أو عنفاً سياسياً في المناطق المتضررة؛ من بين هذه البلدان أفغانستان وإيران والصومال وسوريا واليمن.

التطلع لعام 2023

خلفت أكثر من ثماني سنوات من الصراع في اليمن ملايين الأشخاص الذين يعانون آثار العنف والأزمة الاقتصادية وتعطل الخدمات العامة. كان للهدنة الإنسانية وانتقال السلطة إلى مجلس القيادة الرئاسي دور في تحسين الأوضاع نسبياً خلال عام 2022؛ لكن عودة التوترات بعد انتهاء الهدنة تهدد بعكس ما أُنجز بشق الأنفس، وبالتالي تفاقم نقاط ضعف المجتمعات الفقيرة والبنية التحتية في عموم البلاد.

تُضاف إلى تلك التحديات الضغوط المفروضة على سلاسل الإمداد العالمية؛ والتي تؤثر على الواردات الحاسمة للبلاد؛ مثل الغذاء والسلع المستوردة، بما في ذلك المعدات الطبية والأدوية. تشير التقديرات إلى أن أكثر من 80 في المئة من اليمنيين يناضلون للحصول على الغذاء ومياه الشرب المأمونة والخدمات الصحية الكافية؛ كل ذلك يلوح بأن الوضع الإنساني في اليمن خلال 2023 يبدو قاتماً، إذ تبدو احتمالية تفشي موجة أخرى من الكوليرا -وغيرها من الأمراض- غير مستبعدة.

مريض بالكوليرا في أحد مستشفيات صنعاء.. 2017- “رويترز”

لقد استطاع العالمُ القضاءَ على الكوليرا بفضل الجهود المتضافرة لمؤسسات الصحة العامة والحكومات والأفراد المتفانين، كما أدى التثقيف حول ممارسات النظافة، واستثمارات البنية التحتية للمياه النظيفة، ومرافق الصرف الصحي المحسنة، دوراً حاسماً في القضاء على هذا المرض المميت. كان كل ذلك دليلاً على النتائج المذهلة للعمل الجماعي والتضامن العالمي للقضاء على أكثر الصعوبات العالمية تحدياً، وإنه من المؤسف حقاً أن يكون الصراع المحلي والاضطراب العالمي سبباً لتفشي مرض يمكن الوقاية منه.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة