شؤون عربية

تخريب “عين الفوارة”: هل حّرم القرآن نحت التماثيل أم عبادتها؟

"يستند المتطرفون لبعض الآيات القرآنية في تخريبهم للتماثيل، على الرغم من أن القرآن في بعض آياته، بارك صناعة التماثيل عندما لا تكون لغرض العبادة"

خاص كيو بوست –

في مقطع فيديو مصوّر بهاتف جوال، ظهر فيه متشدد جزائري يحمل مطرقة وآلة حادة وهو ينهال على تمثال “عين الفوارة” بالضرب والتكسير، قبل أن يستطيع المواطنون السيطرة عليه.

الشاب الذي أقدم على هدم التمثال، كما هو موضح بالفيديو، ملتحٍ ويرتدي ثيابًا سلفية، تم تسليمه إلى شرطة مدينة سطيف، التي أصدرت بيانًا بعد التحقيق معه قالت إنه مختل عقليًا.

وقد أثارت حادثة استهداف التمثال جدلًا على الساحة الجزائرية، بين من وصف الاعتداء بأنه “اعتداء على الفن والثقافة”، وبين من أيد الهجمة واعتبر أن التمثال عبارة عن “صنم” ينبغي تحطيمه.

ويعتبر تمثال النافورة رائعة الجمال شيدها النحات الفرنسي “فرنسيس دو سانت – فيدال”، وهي من أشهر معالم مدينة سطيف، وتم إطلاق اسم “عين الفوارة” على النافورة التى تمثلت في امرأة عارية تجلس فوق نبع المياه المتدفق من تحتها.

 

التماثيل: هل هي أصنام تعبد؟

كان من الواضح في مقطع الفيديو أن المعتدي “عباس المهبول” -كما سرّبت اسمه الصحف الجزائرية- كان يستهدف بمطرقته الأماكن التي تعتبر “عورة” من وجهة نظر المتشددين دينيًا، وهي الوجه والصدر والفخدين، بسبب اعتقاد يظنه الكثيرون بأن تلك الأماكن حتى لو كانت منحوتة في الصخر، فهي تثير “الذكور” جنسيًا! ولكن في قراءة لحوادث مشابهة، لم تسلم أيضًا تمثايل الرجال الذين يعتبرون رموزًا وطنية من النقد ومحاولات التخريب، كما حدث مِن قبل لتمثال الأمير عبد القادر الجزائري في العاصمة.

وكما فعل المتشددون بتماثيل جمال عبد الناصر في ليبيا ومصر، وكما فعلت طالبان مِن قبل بتماثيل أفغانستان.

كما أفتى علماء متطرفون من قبل بتحريم صناعة التماثيل من الثلج في فصل الشتاء!

يرجع الفكر الديني المتطرّف كرهه للتماثيل من استدلالات تاريخية، دينية، تعتبر أن التماثيل صنعت كـ”أصنام” للعبادة، ويستدلون بمنعها على أمثلة دينية مثل: تحطيم النبي إبراهيم لأصنام كان يعبدها قومه، وأيضًا تدمير تماثيل قريش بعد فتح مكة على يد المسلمين الأوائل في عهد النبي محمد.

وقد بررت الرواية التاريخية، سبب هدم تلك التماثيل، بأنها بسبب اتخاذها آلهة تعبّد بها الأقدمون، وهو ما يتناقض مع سبب إقامتها في العصر الحالي، إذ أصبحت التماثيل مقصدًا سياحيًا وجماليًا، تعكس حضارات الشعوب وتفخر بها الأمم المتحضرة لتخليد رموزها الوطنية والثقافية، بعيدًا عن كونها معلمًا دينيًا، يقصدّه الزوار للتعبد كما فعل قوم إبراهيم وأهل مكة في زمن الوثنية.

تقول الآية 35 من سورة إبراهيم: “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ“.

كما حرّمت الآية 90 من سورة المائدة “الأنصاب”؛ والأنصاب هي نوع معين من التماثيل، وهي الأصنام المعبودة التي تُنصب لتقدّم لها الذبائح.

وكلا التحريمين في المثالين السابقين لا يتطابقان مع التماثيل الموجودة في عصرنا الحالي، والتي تكون أهدافها جمالية، أو رمزية للتعبير عن حقبة قديمة، كما هو حال تمثال “عين الفوارة” الذي يعتبر من “إرث الاستعمار” كما يصفه بعض الذي أيدوا الاعتداء عليه، إلّا أن إرث الاستعمار الذي يتركه المستعمر وراءه، يصبح تلقائيًا من حق الدولة التي انتقلت من مرحلة الاستعمار إلى مرحلة التحرر، مثل الآثار الرومانية في الشرق، والتي آلت ملكيتها تلقائيًا إلى الدول التي أقيمت فيها، ومن حقها استغلالها على الوجه التي تراه مناسبًا، وأي تفريط بتلك الرموز يعتبر محوًا لهوية الدولة، وتفريطًا بحقبة مهمة من تاريخها.

 

التماثيل عمل فني حلله القرآن!

يستند المتطرفون إلى الآيات السابقة في تخريبهم للتماثيل، على الرغم من أن القرآن بارك، في بعض آياته، صناعة التماثيل عندما لا تكون لغرض العبادة، كما جاء في الآية 13 من سورة سبأ، والتي تصف الجن وهم يساعدون النبي سليمان في صناعة التماثيل: “يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ۚ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ“.

وهذا يعني أن التماثيل كانت مباحة عندما لا تكون للعبادة، وقد باركها الله في الآية السابقة وشكر عليها.

أما تكسير الأصنام فقد أقدم عليه النبي إبراهيم لإقناع قومه أن تلك الأصنام لا تستحق العبادة، لأنها لا تستطيع الدفاع عن نفسها.

وبالمقارنة بين الآيات التي تحدثت عن قوم إبراهيم وقوم سليمان، نكتشف أن تحريم إبراهيم كان موجهًا ضد عبادة ما ينحت، وليس للنحت كفن، فهل رأى “عباس المهبول” قبل أن يقدم على تخريب تمثال عين النافورة أحدًا من مدينة “سطيف” يسجد للتمثال ويعبده، كما كان النبي إبراهيم يرى قومه يسجدون لها ويعبدونها؟!

حاولت بعض الآراء تبرير ما فعله عباس من تخريب لتمثال الفوارة، بالقول إن التمثال كان يخدش حياء المارّة، بسبب أن المتطرف استهدف أثداء التمثال أولًا، ولكن جزءًا كبيرًا من ثقافة المتطرفين تقوم على تخريب ما ليس يخدش الحياء، فهم قد خربوا حتى الأعمدة والمسارح والمدرجات في مدينة تدمر، ودمروا كل ما وقعت عليه أيديهم من التماثيل والمتاحف العراقية بعد سقوطها في أيديهم. حتى مجسمّات الحيوانات، رأوا فيها خطرًا على أفكارهم، فهم يعادون الجديد والقديم في آن، وأي خروج عن التشابه الذي ينشدونه يعتبر من منطلق عقيدتهم المتطرفة، ردة وكفرًا ومؤامرة وخدشًا للحياء!

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة