الواجهة الرئيسيةشؤون عربيةملفات مميزة

تخريب التماثيل التاريخية بين الشرق والغرب: هل تحرّم الديانات الآثار حقًا؟

الأيديولوجيات المتطرفة في أوروبا وفي العالم العربي تتغذى من مصدر واحد!

خاص كيو بوست –

قبل أيام عدة، أقدم متظاهرون يونانيون، بملابس سوداء، على تخريب تمثال قديم على شكل ملاك، وكسروا أجنحته، قبل أن يسحبوه معهم، بزعم أنها تمثل الشيطان، في حلقة جديدة من عمليات تخريب التماثيل في أوروبا، التي تكشف عنها الحركات المتطرفة.

المتظاهرون ألقوا الدهانات البيضاء على التمثال الأحمر، وبصقوا عليه، قبل أن يسحبوه بعيدًا عبر شاحنات، من أجل التخلص من التمثال ذي الـ8 أمتار، لأنهم اعتبروه تمثيلًا للشيطان بدلًا من الملائكة. ورافق المتظاهرين الغاضبين الذين أقدموا على تخريب التمثال فيلاكس –تعني الكلمة باليونانية الحارس- راهب كان يرش “الماء المقدس” في المكان، من أجل “مباركة” هذا العمل.

التمثال الذي عرض في شهر كانون أول الماضي في منطقة مزدحمة في منطقة بالايو فاليرو جنوب العاصمة أثينا، تعرض للتخريب على يد مجموعة من المتظاهرين من اليمينين المحافظين، ومناصري اليمين المتطرف في اليونان.

وقال عمدة المدينة إن 10-15 متظاهرًا، يغطون وجوههم، ربطوا التمثال، بعد تخريبه، في إحدى الشاحنات، قبل أن تتحرك تلك الشاحنات، مسهمة في اقتلاعه من مكانه، وقبل أن تعثر السلطات على أجنحته المحطمة في المكان.

وأضاف: “لقد هدد المهاجمون أحد شهود العيان بالأذى في حال أخبر السلطات بأية معلومة”.

وبحسب رويترز، فقد جرى نحت التمثال من قبل فنان يوناني مشهور يدعى كوستيس جيورجيو، الذي أقام معارض فنية كثيرة في اليونان وفي دول العالم.

 

وقد فتح هذا الحدث قضية تخريب التماثيل التاريخية من جديد، سواء داخل أوروبا أو في كثير من دول العالم، بما فيها الدول العربية.

 

سياق متصل

يبدو أن الأيدولوجيات التي تغذي المتطرفين تقوم على الأسس الفكرية ذاتها، المتمثلة في تحطيم التراث التاريخي للشعوب، بحجة مخالفتها للديانات. ومع أن هذه التماثيل لم تصنع من أجل العبادة -الأمر الذي كان سببًا في تحريمها في الديانات المختلفة- إلا أن المتطرفين لا ينظرون إلى الأمر بهذه الطريقة، ويرون فيها تعديًا على ديانتهم، بما يستوجب ردًا عنيفًا، حتى لو تضمن الأمر اعتداءً سافرًا على مقدرات الشعوب.

وقد شهدت الجزائر حدثًا مشابهًا قبل فترة وجيزة، حين أقدم أحد المتطرفين على تخريب تمثال “عين الفوارة” في مدينة سطيف، بحجة أن ذلك التمثال يحتوي مشاهد خادشة للدين، كونه يمثل امرأة “عارية” تتدفق المياه من حولها، في مكان عام.

وقد رجح، حينها، مراقبون أن يكون الرجل مختلًا عقليًا، لكن معظم الدلائل تشير إلى أن الرجل لم يكن كذلك، وإنما كان يتحرك بفعل عواطفه الدينية، خصوصًا أنه كان يرتدي ثوبًا طويلًا، وبلحية طويلة، تشير إلى توجهاته الفكرية بدقة.

ولم يكن ذلك الحدث فريدًا من نوعه في العالم العربي، إذ شهدت المنطقة العربية كثيرًا من عمليات تدمير التماثيل بحجة أنها غير جائزة، وأنها عودة إلى عصر عبادة الأوثان، رغم أن أحدًا لا يعبدها الآن؛ فقد شهدت العراق وسوريا عمليات كثيرة لتحطيم تماثيل تاريخية هامة على يد مجموعات متطرفة، مثل تمثال أبو العلاء المعري ومعالم مدينة تدمر في سوريا، وتمثال أبو تمام في العراق، إضافة إلى تفجير تمثال للموسيقي عثمان الموصللي، وتمثال مريمانة في إحدى كنائس الموصل، وعدد كبير من الآثار التي ترمز إلى شخصيات سياسية ودينية ومفكرين وكتاب.

كما شهدت مصر محاولات شبيهة كثيرة، أشهرها قيام أحد شيوخ الصوفية يدعى صائم الدهر، قبل قرون عدة، بتدمير الآثار الفرعونية، بما فيها تحطيم وجه أبو الهول، بحجة التخلص من الأوثان. وفي عام 2012 قال أحد شيوخ السلفية الجهادية يدعى مرجان الجوهري: «نحن مكلفون بتحطيم الأصنام، وسنحطم تماثيل أبي الهول والأهرامات، لأنها أصنام ووثن تُعبد من دون الله». وأضاف أن «الله عز وجل أمر نبيه محمد الكريم بتحطيم الأصنام، وعندما كنت ضمن حركة طالبان قمنا بتحطيم تمثال بوذا رغم أن الحكومة هناك فشلت في تحطيمه».

وفي العام التالي، سرق مجهولون تمثالًا نصفيًا للحائز على جائزة نوبل في الآداب طه حسين في محافظة المنيا المصرية، فيما رجحت مصادر كثيرة أنه جرى تحطيمه خلال تلك الليلة.

وفي تونس، وبعد ثورة 2010، حطم متطرفون النصب التذكاري لـ”رائد تحرير المرأة طاهر الحداد” في ولاية قابس.

ولا يبدو أن عمليات تحطيم التماثيل في المنطقة العربية ستتوقف خلال الفترة المقبلة، في ظل سيطرة بعض الأفكار المتطرفة على كثير من الأفراد، خصوصًا ممن يرون في أنفسهم مؤهلين للدفاع عن الدين لوحدهم! ولا يبدو –بالطريقة ذاتها- أن العمليات المشابهة ستتوقف في أوروبا وبقية أنحاء العالم، نظرًا للتبادل الفكري –المجازي- بين الطرفين؛ فالأيدلوجيات اليمينية المتطرفة في أوروبا والولايات المتحدة، هي ذاتها التي تغذي المتطرفين في المناطق العربية.

 

هل تحرم الديانات حقًا التماثيل؟

كتب مفتي الديار المصرية، أحد كبار المفكرين الإسلاميين المعاصرين، الإمام محمد عبده، عام 1904، معجبًا بأهل صقلية: “إذا كنت تدري السبب في حفظ سلفك للشعر، وضبطه في دواوينه، والمبالغة في تحريره، خصوصاً شعر الجاهلية، وما عني الأوائل -رحمهم الله- بجمعه وترتيبه، أمكنك أن تعرف السبب في محافظة القوم [أهل صقلية] على هذه المصنوعات من الرسوم والتماثيل، فإن الرسم ضرب من الشعر الذي يُرى ولا يُسمع، والشعر ضرب من الرسم الذي يُسمع ولا يُرى”.

وبناء على ذلك، قال عبده حول جواز أو تحريم تحطيم التماثيل: “إنّ الراسم قد رسم، والفائدة محققة لا نزاع فيها، ومعنى العبادة وتعظيم التمثال أو الصورة قد محي من الأذهان، فإما أن تفهم الحكم من نفسك بعد ظهور الواقعة، وإما أن ترفع سؤالًا إلى المفتي وهو يجيبك مشافهة”، في إشارة إلى عدم تحريم مثل تلك التماثيل، وعدم وجود أي داعي لتحطيمها.

وبالطريقة ذاتها، لا تحرّم الطوائف المسيحية المختلفة التماثيل لمجرد وجودها، وإنما باعتبارها جزءًا من عبادة الأوثان التي دأب الأقدمون على ممارستها.

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة