الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

تحويلات المغتربين اليمنيين.. شريان الحياة لبلد يحتضر

لطالما كانت تحويلات المغتربين اليمنيين لأهاليهم في اليمن عاملاً حاسماً للتقليل من آثار الحرب والتدهور الاقتصادي الحاد الذي تعانيه البلاد

كيوبوست- منير بن وبر

قال البنك الدولي، في موجز حديث، إن التحويلات المالية إلى البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل قد زادت بنسبة 5% في عام 2022. وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يقدر نمو تدفقات التحويلات بنسبة 2.5% على الرغم من التحديات التي شهدها عام 2022 على المستوى العالمي.

لطالما كانت تحويلات المغتربين اليمنيين لأهاليهم في اليمن عاملاً حاسماً للتقليل من آثار الحرب والتدهور الاقتصادي الحاد الذي تعانيه البلاد. يؤكد الكثير من المراقبين أنه لولا استمرار التحويلات الخارجية الفردية لكان الوضع الاقتصادي في اليمن أسوأ بكثير مما هو عليه الآن.

اقرأ أيضاً: اليمن: لقاء مع الرئيس الصيني واتفاقية أمنية مع الإمارات.. هل هي مرحلة جديدة؟

يؤكد البنك الدولي، في تقرير آخر، أن التحويلات المالية تمثل شريان الحياة للأُسر في البلدان النامية، بالذات الأشد فقراً؛ حيث تؤدي دوراً أساسياً في تخفيف حدة الفقر ومحاربة أمراض سوء التغذية، وزيادة الالتحاق بالتعليم، وبناء القدرة على الصمود، ومواجهة المصاعب الاقتصادية في ظل اقتصادات منهارة.

تُعد تحويلات المغتربين أحد مصادر تمويل التنمية في اليمن؛ لكن تأثيرها الأكبر يأتي كونها أحد أكبر مصادر النقد الأجنبي للبلاد، ومصدر دخل أساسي للكثير من الأُسر في وقت يشهد فيه الاقتصاد اليمني تعثراً مخيفاً، ويمر الوضع الإنساني فيه بمرحلة أكثر حرجاً في الوقت الذي يستمر فيه النزاع المسلح والتهديد باستهداف البنية التحتية الاقتصادية.

إلى جانب تحويلات المغتربين، يمكن أن تلعب مجتمعات الشتات دوراً أساسياً لأوطانها الفقيرة، ليس فقط من خلال المال؛ بل أيضاً عن طريق زيادة الوعي بقضايا بلدانها الأصلية في دول المهجر وبين شبكاتها الاجتماعية والتجارية الأوسع، ومن خلال توفير الدعم المالي والمعنوي للمبادرات التي تهدف إلى تحسين الظروف في أوطانها الفقيرة.

أهمية تحويلات المغتربين اليمنيين

لطالما أدى المغتربون اليمنيون دوراً محورياً في تحسين وزيادة الدخل للأُسر اليمنية؛ وهو دور من غير المرجح أن يتراجع عما قريب.

موظفة تستلم حزمة ريالات يمنية- “رويترز”

في عام 1943، على سبيل المثال، عانت محافظة حضرموت، جنوب شرق اليمن، مجاعة كارثية بسبب الحرب العالمية الثانية، والتأثير الذي أحدثته الحرب على واردات الحبوب، وعلى تدفق الأموال التي يبعثها الحضارمة إلى أهاليهم في حضرموت من إندونيسيا وغيرها من دول جنوب شرق آسيا.

وخلال بداية التسعينيات من القرن الماضي، عانى اليمن بشكل عام أزمة اقتصادية خانقة بسبب حرب الخليج الثانية، وما نتج عنها من عودة أعداد كبيرة من اليمنيين من دولة الكويت بعد اجتياح العراق لها، وكذلك عودة أعداد كبيرة أخرى من السعودية بعد إجراء تغييرات في نظام الإقامة في المملكة خلال تلك الفترة.

ومنذ بدء الصراع العنيف في اليمن في عام 2015، وتراجع التصدير الذي تعتمد عليه البلاد، عانى الاقتصاد تراجعاً حاداً؛ أدى -إلى جانب تداعيات الحرب الأخرى- إلى جعل اليمن يواجه أكبر أزمة إنسانية في العالم. ومع ذلك، كانت تحويلات المغتربين واحدة من أهم الدعائم للتخفيف من آثار الأزمة والتعويض الجزئي عن الخسائر الاقتصادية؛ حيث أسهمت تلك التحويلات بشكل فعَّال في توفير الاحتياجات الأساسية والمأوى لنسبة كبيرة جداً من السكان.

إحصاءات تقديرية

لا توجد إحصاءات دقيقة بإجمالي تحويلات المغتربين اليمنيين؛ لكنها على الأرجح تصل إلى بضعة مليارات من الدولارات كل عام.

وفقاً لإحصاءات البنك الدولي التقديرية، تراوحت تحويلات المغتربين اليمنيين خلال الفترة من 2000 إلى 2011 بين 1 و1.5 مليار دولار؛ لكنها ارتفعت لتصل من 3.34 مليار دولار إلى 3.77 مليار دولار منذ سنة 2012 وحتى 2016، وهي آخر سنة ظهرت فيها الإحصاءات المتعلقة بتحويلات المغتربين.

اقرأ أيضاً: القات في اليمن.. تجارة تهدد اليمن بالجفاف

لإعطاء لمحة مقارنة سريعة بين مصادر تدفق العملة الأجنبية للبلاد، بلغ إجمالي قيمة صادرات اليمن في عام 2000 نحو 3 مليارات دولار، مقابل نحو 1 مليار من تحويلات المغتربين، بينما وصل إجمالي قيمة صادرات اليمن في عام 2016 إلى 950 مليون دولار فقط، مقابل 3.77 مليار دولار من تحويلات المغتربين. تعطينا هذه الإحصاءات فكرة واضحة عن الأهمية الكبيرة للتدفقات النقدية بالعملة الأجنبية الواردة إلى اليمن من المغتربين.

رسم بياني يقارن تحويلات المغتربين بقيمة الصادرات- “كيوبوست”

تجدر الإشارة إلى أن الارتفاع الكبير في تحويلات المغتربين منذ عام 2012 يُفَسَّر بأنه نتيجة تحسين آليات احتساب تلك التحويلات من قِبل البنك المركزي اليمني، حسب نشرة المستجدات الاقتصادية والاجتماعية في اليمن، الصادرة عن وزارة التخطيط والتعاون الدولي. ومع ذلك، حتى مع تبني تلك الآليات، فإن الأرقام يمكن أن تكون أكبر لأن الكثير من التحويلات لا يزال يتم خارج القطاع المصرفي.

مجتمعات الشتات اليمني

لليمن تاريخ طويل من الهجرة؛ نتيجة لذلك يُعتقد اليوم وجود بضعة ملايين من اليمنيين، أو من أصول يمنية، في عدة دول مثل إندونيسيا ودول مجلس التعاون الخليجي والأردن ومصر.

خلال القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين تقريباً، كان للمهاجرين الحضارمة -مثلاً- تأثير سياسي واقتصادي كبير على بلدهم الأم، مستفيدين من نفوذهم وثرواتهم التي كونوها في بلدان المهجر؛ مثل الهند وإندونيسيا وسنغافورة. وحتى عندما تولى البريطاني هارولد إنجرامز، مهمة عقد اتفاق السلام في حضرموت (نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي)، والمعروف لاحقاً بـ“سلام إنجرامز”، فقد قام بزيارة المهاجرين الحضارمة في سنغافورة وجاوا ودول الملايو؛ للحصول على دعمهم.

اقرأ أيضاً: كيف أثر الحضارمة في جنوب شرق آسيا؟

بالطبع، نسبة كبيرة من اليمنيين الذين هاجروا منذ عقود، وربما قرون من الزمن، لم يعودوا يحملون الجنسية اليمنية، ومع ذلك، هم بلا شك جزء مهم من مجتمع الشتات اليمني؛ وهي مجتمعات قيِّمة لأي بلد، خصوصاً عندما يكون بلداً فقيراً كاليمن؛ حيث تساعد مجتمعات الشتات عموماً بلدانها من خلال المساهمة في تعزيز التنمية الاقتصادية وخلق الوظائف والأعمال التجارية. كما يمكن لمجتمع الشتات المساعدة في توفير التدريب والتعليم وتوفير الوصول إلى الرعاية الصحية والمياه النظيفة، إضافة إلى توفير المهارات والمعارف. لقد كانت لمجتمعات الشتات اليمني مبادرات ومساهمات كثيرة لافتة في مختلف تلك الجوانب.

إن الشعور بالتضامن والارتباط بالوطن الأصلي -بغض النظر عن الجنسية- يدفع العديد من رجال الأعمال والقادة إلى المساهمة في زيادة الوعي بقضايا وطنهم الأم؛ وهو أمر مهم للدبلوماسية بمختلف مستوياتها وأنواعها. بناء على ذلك، يصبح من المهم جداً أن تعمل الدولة على تقوية علاقاتها ليس بمجتمعات الشتات فقط؛ بل أيضاً بالدول التي تعيش بها تلك المجتمعات.

توقيع اتفاقية منح دراسية بين الجامعة الأمريكية بالقاهرة ومؤسسة حضرموت.. 2019- AUC

بلغت تحويلات المغتربين إلى الدول منخفضة ومتوسطة الدخل في عام 2022 نحو 626 مليار دولار، مقارنةً بـ597 ملياراً في عام 2021؛ لتتفوق بذلك على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الذي يتأثر بشكل كبير بالاستقرار السياسي والاقتصادي وحجم السوق وجودة البنية التحتية. وهذا ما يجعل تحويلات المغتربين، وتضامن مجتمعات الشتات، أمراً في غاية الأهمية لدول غير مستقرة وذات بنية تحتية ضعيفة كاليمن؛ حيث يُعد التصميم على المساعدة -لا الجاذبية الاستثمارية- هو مفتاح صمود واستمرار الأموال المنقذة للحياة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة