الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

تحقيق صحفي: الإيرانيون الفارون من البلاد – مستويات غير مسبوقة تنذر بالخطر

نافذة على حياة الإيرانيين العاديين الساعين إلى مغادرة البلاد

ترجمة كيو بوست عن مركز أبحاث “ميدل إيست سنتر للتقارير والتحليلات” الأمريكي

وجدت الشرطة الصربية جثة الموسيقار الإيراني “بيدرام سفاري” متجمدة على الأراضي الصربية بعد أن هرب من جنوبي إيران محاولًا الوصول إلى شمالي أوروبا، وقد تداول النشطاء قصته عبر مواقع التواصل الاجتماعي في منتصف يناير/كانون الثاني 2019. وعلى غرار مئات الإيرانيين هذا الشتاء، كان “سفاري” يسعى إلى إيجاد حياة أفضل من “القمع والاضطهاد” اللذين يمارسهما النظام الإيراني بحق كل من يفكر بطريقة تخالف أيديولوجية الخميني.

اقرأ أيضًا: تحقيق صحفي بريطاني يكشف أسرار هجرة إيرانية خفية إلى المملكة المتحدة وأوروبا

يصل الإيرانيون المغادرون إلى صربيا، ثم يواجهون عقبات عديدة عند محاولة العبور تجاه الشمال. قابلنا الكثيرين منهم، فقالوا لنا إنهم يودعون مبلغ 2000 يورو في مكتب صرافة ليتولى بدوره عملية الدفع مقابل المرور. هؤلاء الفارون يبتعدون عن ساحل “كاليه” ويتجهون على طول الطريق نحو تركيا. جزء منهم يختار الذهاب إلى أوروبا لأسباب مختلفة، بينما بعضهم يعتزم الذهاب إلى أستراليا. وعند الحديث عن أستراليا، لا ننسى أن الفائز بجائزة الأدب الأخيرة، بهروز بوخاني، قد فر من إيران إلى كانبرا في عام 2013.

غالبية المغادرين نشطاء سياسيون أو متهمون بارتكاب جرائم، قرروا الرحيل عن طهران بحثًا عن مستقبل أفضل. بحثنا عن أولئك الذين اتخذوا القرار الصعب، وأدركنا أنهم يسعون إلى إيجاد حياة حقيقية بعيدًا عن متاعب الظلم والفساد. بعض أولئك وصلوا إلى بلغاريا باستخدام جوازات سفر مزورة، كانوا قد اشتروها على طول طريق السفر. أجرت السلطات البلغارية مقابلات معهم، فوجدت أن بعضهم قرر التوجه نحو المملكة المتحدة عبر القناة الإنجليزية خلال الأشهر المنصرمة.

الكثير منهم طلاب مدارس، وطلاب جامعيون، وعاطلون عن العمل، ورياضيون، ورجال أعمال مفلسون، وضحايا عنف منزلي، ومثليون جنسيًا.

يقول لنا أحد المهرّبين الإيرانيين (عمره 45 سنة) إنه يهرّب حوالي 50 مواطنًا إيرانيًا بشكل يومي عبر الحدود الغربية والشمالية الغربية نحو خارج إيران. وقال إن هنالك مهربين إيرانيين آخرين يمارسون المهنة ذاتها. ووفقًا له، غالبية المغادرين هم من الشباب، يرحلون لأسباب عديدة، من بينها رفض الخدمة في الجيش، والحرمان من حق الحصول على جواز سفر، وهذا هو ما يدفعهم للمغادرة عبر أساليب غير قانونية دون وثائق رسمية.

أكد لنا المهربون أن الكثير من الشابات والنساء الإيرانيات يغادرن البلاد بالأسلوب غير القانوني ذاته، بسبب رفض السلطات منحهن جوازات سفر. وبحسب الهاربات من إيران، هنالك قوانين إيرانية متعددة تحرم المرأة من الحصول على جواز سفر، أو تجعل ذلك مرتبطًا بشروط مسبقة. ووفقًا للتقارير الأخيرة، فإن عدد القصر الإيرانيين الذين يطلبون اللجوء في الخارج هو أعلى بكثير من أعداد السوريين والأفغانيين. وهنالك تقارير سلطت الضوء على دوافع الإيرانيين للهروب نحو أوروبا، وأكدت أن أعداد الفارين تضاعفت في السنوات الأخيرة.

اقرأ أيضًا: 300 ألف جواز سفر من جزر القمر اشتراها الإيرانيون للالتفاف على العقوبات الدولية

وبرغم ازدياد أعداد الفارين بشكل مفاجئ في السنوات الأخيرة، إلا أن الجمهورية الإسلامية شهدت موجة نزوح بدءًا من الثمانينيات، لكن الإعلام الدولي لم يسلط الضوء على هذه الحقيقة. وبالطبع، يمكن للأرقام والإحصاءات الرسمية في البلدان المختلفة أن تؤكد على هذا الأمر. وبحسب اعتراف الأمين العام للمجلس الأعلى لشؤون الإيرانيين في الخارج، جواد قوام شهيدي، في عام 2014، “فإن 7% من سكان البلاد، أي حوالي 6 ملايين مواطن، يعيشون في الخارج”. هذه الأرقام بالطبع تشمل فقط أولئك الذين غادروا بوثائق رسمية وبطرق قانونية.

أجرينا مقابلات مع إيرانيين داخل البلاد، يرغبون بمغادرة إيران، وسألناهم عن الأسباب. لنأخذ على سبيل المثال إحدى الحالات: يعمل رجل في مجال هندسة تكنولوجيا المعلومات لصالح شركة تصدير كبيرة تديرها الدولة، بينما تعمل زوجته بوظيفة محاسب، فيقولان: “لا نزال غير قادرين على عيش حياة كريمة”.

قال لنا إيرانيون: “الأجور متدنية جدًا في البلاد، ومستوى المعيشة يتآكل شيئًا فشيئًا… في الحقيقة، من الصعب على الكثير منا توفير سبل العيش الكريم؛ فنسب البطالة عالية جدًا، وتعصف بأركان البلاد”. لكن المشاكل الاقتصادية لا تواجه فقط أصحاب الأجور المتدنية، إذ إن الكثير منهم لا يستلمون أجورهم لمدة شهور. قال لنا الزوجان: “لم نتسلم رواتبنا منذ شهرين، الأوضاع باتت مزرية”. ومن الملاحظ أن السكان المحليين لم يعودوا يأبهون بما يقوله الدبلوماسيون إزاء خطابات التحدي في مواجهة العقوبات الاقتصادية الأمريكية، وهم يعتبرونها مجرد “كلمات فارغة”.

يقول أحدهم: “نحن نفكر في مغادرة البلاد في أقرب وقت ممكن، غالبية أصدقائي وزملائي غير راضين عن الوضع الحالي في إيران، ويسعون إلى الهجرة مثلي، الأمر يعتمد على توفر الظروف المناسبة للهجرة، لا سيما المالية منها”.

تقول إحدى الزوجات: “تزوجنا قبل 3 سنوات، لكننا رفضنا إنجاب طفل أو طفلة في هذه البيئة المسمومة… الحكومة والنظام السياسيان ملوثان في طهران”.

يقول المواطن علي رضا، من عائلة دينية محافظة مرتبطة بالحكومة، خريج هندسة ميكانيكية: “فرّ أصدقائي وزملائي من إيران خلال العامين المنصرمين، لأنهم لم يحصلوا على وظائف بعد التخرج، الحمد لله أن عائلتي غنية بما يكفي وأنا لست بحاجة إلى دخل. ومع ذلك، ليس لدي أي طموح لمواصلة العيش في إيران، أنا على اتصال يومي بأصدقائي، وسأرحل إلى كندا قريبًا… سيقوم أحدهم بتهريبي إلى سياتل، ثم إلى كندا”. ويضيف: “المشكلة هنا هي غياب الحرية في البلاد، لا أستطيع المشي في الشارع مع صديقتي”.

اقرأ أيضًا: 4 أسباب وراء رفض بعض الدول لميثاق الهجرة العالمي

وجدنا أن التعليم والبحث عن العمل سببان رئيسان يدفعان الكثير من الشباب الإيرانيين إلى مغادرة البلاد. يقول عضو مجلس إدارة إحدى جامعات العلوم والتكنولوجيا في إيران: “لا يمكن للاقتصاد الإيراني أن يوفر فرص عمل مرضية للشباب الإيراني المتعلم… شبابنا يهاجرون ويفقدون رغبتهم بالعودة إلى الوطن”.

لقد أصبحت هجرة الأدمغة كارثية على البلاد، بعد أن تعمقت بشكل غير مسبوق. وتفيد المعلومات أن عشرات الآلاف من الشباب الإيرانيين الموهوبين قد فروا من البلاد في الآونة الأخيرة. أما النظام الإيراني فيحاول صدّ موجة هروب المواهب، عبر الدفع برواية مناهضة للغرب، وتشجيع “النزعة الوطنية”، وإلقاء اللوم على “الأيادي الشريرة”. ولهذا نجد آية الله خامنئي دائمًا ما يردد عبارات عن “التخطيط والتآمر الغربيين ضد الجمهورية الإسلامية”.

 

المصدر: مركز أبحاث “ميدل إيست سنتر للتقارير والتحليلات” الأمريكي

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة