الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

تحقيق خاص.. معاناة اللاجئين اليمنيين في دول العبور

"كيوبوست" يتواصل مع طالبي لجوء في دول عربية كمصر والأردن والصومال.. للوقوف على أبرز الصعوبات التي تواجههم في مجالات العمل والصحة والتعليم

كيوبوست- منير بن وبر

لقد ترك ما يقارب ثمانين مليون شخص حول العالم أوطانهم رغماً عن إرادتهم منذ عام 1990 حتى نهاية عام 2019، في مؤشر واضح على مدى الفوضى والاضطراب اللذين يعانيهما المجتمع الدولي؛ حيث إن الصراعات والحروب هي السبب الأول الذي يدفع أولئك المجازفين البائسين إلى الهجرة؛ بحثاً عن الأمن والرزق والاستقرار.
وعلى
 الرغم من أن الناس غالباً ما يسمعون عن المهاجرين واللاجئين السوريين والفلسطينيين والإفريقيين، ربما أكثر من غيرهم؛ فإن القائمة في الحقيقة تشمل الكثير من الدول، مثل أفغانستان وجنوب السودان واليمن.. وغيرها من الدول المضطربة. وغالباً ما تتوجه الأغلبية الساحقة منهم إلى الدول المجاورة والدول النامية، كما أن قرابة النصف منهم تقريباً دون سن الثامنة عشرة؛ مما يجعل حياتهم في تلك البلدان المضيفة ليست حسب تطلعاتهم؛ بل ربما أكثر سوءاً من بلدانهم في بعض الأحيان.
في
 مقابلة خاصة أجراها “كيوبوست” مع أندرياس كيرشوف، المتحدث الرسمي باسم المكتب  الإقليمي لمفوضية اللاجئين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، قال كيرشوف: إن هناك أكثر من 25 ألف لاجئ وطالب لجوء يمني في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا اعتباراً من منتصف عام 2020.

اقرأ أيضاً: لقاء مع المتحدثة الرسمية باسم المنظمة الدولية للهجرة حول المهاجرين الإفريقيين إلى اليمن

مصر والأردن

تعتبر مصر والأردن أكثر البلدان المضيفة لليمنيين؛ ولكن القائمة تشمل عدة دول أخرى، منها تركيا والصومال وجيبوتي وإثيوبيا.. وغيرها من البلدان. وحسب أندرياس كيرشوف، فإن أوضاع أولئك اللاجئين وطالبي اللجوء تختلف من بلد إلى آخر، وأضاف أن الكثير من الحكومات المستضيفة تمنح اللاجئين إمكانية الوصول إلى الخدمات العامة؛ مثل الرعاية الصحية والتعليم. ومع ذلك، حسب التحقيق الذي أجريناه، فإن جهود تلك الدول، والمنظمات الداعمة لها، تواجه ضغوطاً هائلة لأسباب مختلفة؛ وهو ما ينعكس سلباً على أوضاع اللاجئين وطالبي اللجوء اليمنيين.
وحسب
 أحد طالبي اللجوء اليمنيين في الأردن، والذي تحدث إلى “كيوبوست”، فإن إجراءات طلب اللجوء وتصاريح العمل أصبحت أكثر صعوبة منذ عام 2019. كما أكد طالب لجوء آخر، لـ”كيوبوست”، أنه لم يعد مسموحاً لطالبي اللجوء اليمنيين في الأردن بالعمل. إجراءات الحصول على العمل تعد صعبة أيضاً في مصر، والتي تستضيف أكثر من 9 آلاف مهاجر وطالب لجوء يمني، حسب ما أكدته مفوضية اللاجئين لـ”كيوبوست”؛ لذلك قد يضطر الكثير من اللاجئين اليمنيين إلى العمل في قطاع الاقتصاد غير الرسمي.

اقرأ أيضاً: استمرار الصراع في اليمن يهدد بتزايد تجنيد الأطفال

ومع ذلك، لا يزال الكثير من اللاجئين اليمنيين يتمتعون بحرية العمل في بلدان مضيفة أخرى مثل الصومال، كما أكد أحد اللاجئين اليمنيين في الصومال لـ”كيوبوست”، والذي أشار أيضاً إلى أن اليمنيين غالباً ما يعملون في قطاع البناء والمطاعم والتجارة؛ بل إنهم قد استطاعوا التأثير بشكل ملحوظ في بيئة الأعمال في الصومال؛ مثل أساليب العرض وافتتاح المحلات التجارية الجديدة المختلفة والجذابة.

زوارق تقل لاجئين من اليمن في ميناء أوبوك بجيبوتي.. مفوضية اللاجئين- “فان دامي”

تُعد صعوبة الحصول على العمل في البلدان المضيفة، بغض النظر عن الأسباب، إحدى أبرز المشكلات التي تواجه طالبي اللجوء واللاجئين اليمنيين؛ حيث إن الإعانات التي يحصلون عليها من قِبل المنظمات منخفضة جداً؛ بل إنها في تناقص مستمر منذ عامَين تقريباً. ومن جانبه، قال أندرياس كيرشوف، إن محدودية التمويل هي إحدى العقبات الأساسية التي تواجه مفوضية اللاجئين والشركاء غير الحكوميين الآخرين؛ حيث إن المنظمة تمول معظم أنشطتها من تبرعات المساهمين، مثل الحكومات والاتحاد الأوروبي والقطاع الخاص.

محدودية الدخل

تؤثر محدودية الدخل على مختلف نواحي الحياة في مجتمع اللاجئين اليمنيين؛ خصوصاً في البلدان المضيفة ذات تكاليف المعيشة العالية مثل الأردن، إذ يبلغ متوسط إيجار الشقة الواحدة -مثلاً- في وسط المدينة نحو 700 دولار، وهو متوسط أعلى بنحو 30 في المئة من أسعار الإيجارات في القاهرة بمصر.

وحسب البيانات من المصادر المفتوحة، سوف تحتاج عائلة من أربعة أشخاص إلى نحو 1600 دولار في القاهرة للحصول على نفس مستوى الحياة في عمّان مقابل متوسط يبلغ 2670 دولاراً. وعلى الرغم من فرق تكاليف الحياة الواضح بين هاتين الدولتَين، اللتين تُعدان الوجهة الأولى لليمنيين؛ فإن الأرقام لا تزال عالية للغاية مقارنة بتكاليف الحياة في اليمن.

اقرأ أيضاً: لماذا باع رجل ابنته في اليمن؟

تكاليف المعيشة الباهظة تلك تدفع اليمنيين في البلدان المضيفة إلى حافة الهاوية، وتُقحمهم في ظروف إنسانية قاهرة. وفقاً لأُم يمنية طالبة لجوء بالأردن، فإن بعض العائلات هناك قد تضطر إلى أن تشارك شقة واحدة صغيرة مع عائلة أخرى، كما أفاد طالب لجوء آخر أن شقق الشباب مكتظة لدرجة أن 15 شاباً قد يتشاركون غرفة واحدة.
يتكرر
 مشهد الشقق المكتظة أيضاً في مصر؛ حيث يعيش معظم اليمنيين في الأحياء المزدحمة والفقيرة، أو تلك البعيدة جداً عن وسط المدينة. وحسب مفوضية اللاجئين، في تصريح خاص أدلت به إلى “كيوبوست”، فعلى الرغم من أن الظروف كانت صعبة بالفعل لدى معظم اللاجئين وطالبي اللجوء في مصر منذ ما قبل جائحة فيروس كورونا؛ فإنهم تأثروا بشدة من الجائحة، وفقد الكثير منهم مصادر دخلهم، كما لا يستطيعون تحمل تكاليف الخدمات الأساسية الكافية أو دفع الإيجار.

مدينة هارجيسا.. أرض الصومال- “ريتلو سنيلاك”

وفي الصومال، يتم نقل المهاجرين اليمنيين طوعاً إلى مخيمات مجهزة بعد استقبالهم في ميناء بربرة، العاصمة التجارية لأرض الصومال. عادة ما يقضي أولئك اليمنيون أياماً قليلة بالمخيم قبل أن ينتقلوا إلى أقاربهم أو شققهم المستأجرة، والتي غالباً ما تكون في مدينة هارجيسا العاصمة. وعلى الرغم من أن متوسط الإيجار في أرض الصومال منخفض مقارنة بدول أخرى، حيث يبلغ نحو 100- 150 دولاراً للشقة المتوسطة؛ فإنه يُعتبر مرتفعاً أيضاً بالنسبة إلى اليمنيين الذين عادة ما يسكنون في بيوت فسيحة ملكاً لهم في اليمن.

اقرأ أيضاً: تهم أممية بالفساد تلاحق أطرافاً إخوانية داخل الحكومة اليمنية

خدمات ورعاية

وبالإضافة إلى مشكلات السكن، يعاني اللاجئون وطالبو اللجوء اليمنيون مصاعب أخرى في ما يتعلق بالخدمات الصحية والتعليم؛ وهي عقبات تختلف من بلد إلى آخر؛ ففي مصر مثلاً يحصلون على الرعاية الصحية العامة الأولية والثانوية والطارئة على قدم المساواة مع المصريين، وكذلك الأمر بالنسبة إلى التعليم العام.
أما في الأردن، فيتم تقديم خدمات الرعاية الصحية بمقابل مالي، كما يدفع اليمنيون رسوماً مدرسية، إضافة إلى تكاليف النقل والمستلزمات الدراسية. وعلى الرغم من أن هذه التكاليف تُثقل كاهل طالبي اللجوء واللاجئين بالفعل؛ فإن الأهالي يبدون أكثر انزعاجاً من جودة التعليم المتدنية، حسب ما وصفته إحدى طالبات اللجوء اليمنيات في الأردن، ومما يتعرض إليه أبناؤهم من تنمُّر وعنف من قِبل أقرانهم والمعلمين.
وفي الصومال، تُعد مشكلة اللغة معضلة أساسية بالنسبة إلى اليمنيين؛ مما يدفعهم إلى إلحاق أبنائهم بالمدارس الخاصة التي تدرس باللغة العربية. وبالطبع، يضطر الآباء إلى دفع مبالغ مالية لهذه المدارس؛ لكن، مع تزايد محدودية الدخل وانخفاض المساعدات مؤخراً، يصبح المزيد من اليمنيين غير قادرين على تحمل تلك التكاليف؛ مما يضطرهم إلى إلحاق أبنائهم بالمدارس الدينية الخيرية التي تدرس علوم الدين الإسلامي واللغة العربية فقط، كما يضطر بعضهم إلى إيقاف أبنائهم تماماً عن الدراسة؛ وهو قرار مؤسف اتخذه الكثير من اللاجئين وطالبي اللجوء في مختلف الدول المستضيفة.

اقرأ أيضاً: الاقتصاد اليمني بين عجز الحكومة وطغيان المتمردين

لا شك أن تعزيز التكافل والشراكة بين الحكومات المضيفة والجمعيات والمؤسسات المحلية والدولية، وزيادة الدعم المالي لهم، يمكن أن يُسهم في تقليل معاناة اللاجئين وطالبي اللجوء اليمنيين وغير اليمنيين؛ لكن حل هذه المشكلة عالمياً سيتطلب تضافراً دولياً، لوضع حد للنزاعات والصراعات، ومساعدة الدول الضعيفة والمنهارة على الاستجابة الفاعلة لمشكلاتها؛ من أجل مجتمع عالمي أكثر إنسانية وعدلاً واستقراراً.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة