الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

تحت الرادار: الوجود الإيراني “الخفي” في البلقان

ماذا قالت لنا مصادر مقربة من حزب الله ومن الوكالات الاستخبارية البلغارية؟

ترجمة كيو بوست عن ذي غلوب بوست

“لاقت عمليات التضليل المعلوماتية الإيرانية العالمية اهتمامًا كبيرًا في أجهزة المخابرات الدولية ووسائل الإعلام، لكن وجودها في البلقان لا يزال خارج نطاق التركيز. في الحقيقة، تواصل المنافذ الإعلامية التقليل من أهمية العمليات الإيرانية في تلك المنطقة، ولا بد من قراءة الأوضاع فيها”، هذا ما ذكره الباحثان في جامعة تكساس الأمريكية، كيريل أفراموف وروسلان تراد، في مقالتهما في مجلة “ذي غلوب بوست” الأمريكية.

يقول مصدرنا: “نعم، لدى إيران وجود في أماكن مثل بلغاريا، لكنك لن تكتشفها بسهولة؛ فهي تعمل بهدوء، وبدون الكثير من الدعاية”. هذا هو المفتاح الرئيس للمحادثة التي بدأت مع أحد المصادر المطلعة في بلغاريا، ورفضت الكشف عن هويتها.

اقرأ أيضًا: دراسة جديدة: هكذا تحرك إيران وكلاءها في المنطقة العربية

يؤكد لنا المصدر أن هنالك نقصًا في المعلومات العلنية بشأن الوجود الإيراني وتأثيره في هذا البلد بالتحديد. ويقول لنا إن “معظم السياسيين البلغاريين غير مدركين لأمرين: أن الإيرانيين طوروا شبكة تمر عبر البلقان، وحوّلوا دولًا مثل بلغاريا إلى قواعد لوجستية”. وأضاف كذلك: “السياسيون البلغاريون اختاروا تجاهل الأمر والبقاء في الظلام بشكل كامل”. كما أن محادثاتنا التي أجريناها مع مصادر مقربة من أجهزة الاستخبارات البلغارية تؤكد هذه الفكرة. لقد مرت الأنشطة الإيرانية المستمرة في البلقان دون أن يلاحظها أحد، أو دون أن يعتبرها أحد مشكلة. ومع ذلك، فإن التفاصيل التي كشفت لنا في المحادثات مع مصادر مقربة من حزب الله، وممثلين عن مؤسسات رسمية، وعسكريين ودبلوماسيين، تظهر صورة مختلفة وأكثر دقة.

البلقان: خارج التركيز

يمكن القول إن نصيب الأسد من الاهتمام الإعلامي في هذا الصدد ذهب إلى دول مثل روسيا والصين، بينما جرى التغافل عن النشاطات الإيرانية الخطرة في أماكن أخرى. ويبدو أن السبب في ذلك هو أن الإيرانيين غير مهتمين في هذا التوقيت بالتجاذب التقليدي للقوة الناعمة والتكتيكات الإقناعية، بل فضلوا التلاعب بطريقتهم المميزة، من خلال تأثير الخطاب عبر منصات التواصل الاجتماعي، دون الكشف عن أي من أنشطتهم السرية. لكن الأمر لم يقتصر على التضليل المعلوماتي، بل تميز الوجود الإيراني عبر أوروبا بـ”عمليات حادة” تهدف إلى قمع المعارضة والقضاء عليها فعليًا.

وفي حين أن عمليات التضليل المعلوماتية الإيرانية العالمية ونشاطاتها السرية في فرنسا وألمانيا والنمسا والدول الإسكندنافية قد لفتت انتباهًا كبيرًا، إلا أن وجودها في البلقان ظل خارج التركيز. ومن أسباب ذلك هو أن منطقة البلقان لم ترتبط عادةً بالوجود الإيراني أو بالأنشطة الإيرانية المرئية، على عكس روسيا وتركيا اللتين تعتبران لاعبين إقليميين رئيسيْن.

كيو بوستس

اعتبرت إيران البلقان منطقة “هادئة” ومناسبة تمامًا لأنشطتها اللوجستية، لتبقى خارج التركيز بعيدًا عن الوكالات الأمنية والاستخبارية العالمية، في ظل تراخ في الإجراءات الأمنية، والضعف المؤسساتي، والفساد المتفشي في تلك المنطقة. وبسبب الموقع الجغرافي للبلقان، توفر المنطقة لإيران جسرًا حيويًا لأوروبا الغربية والوسطى.

من الواضح أن طهران زرعت وجودها “الخفي” في هذه المنطقة بهدوء وثبات طوال الثلاثين سنة الماضية.

 

صداقات إيران الثابتة مع البوسنة

تمكنت إيران من إنشاء قاعدة أمامية أوروبية رئيسة خلال حرب البوسنة ما بين 1992 و1995. وقد أشار الباحث كايل أورتين إلى العلاقات الجيدة التي امتلكها أول رئيس بوسني -علي عزت بيغوفيتش- مع إيران، الذي حصل على كامل الدعم من الحكومة الإيرانية ابتداء من الثمانينيات.

وقد مارس الزعماء الإيرانيون بمساعدة المخابرات الإيرانية -لا سيما قوات “باسدران” شبه العسكرية- نفوذًا كبيرًا خلال تدريب الوحدات المتطرفة في الجيش البوسني، في ظل تقديم مساعدات لوجستية وأسلحة وذخائر. وقد تركت أجهزة المخابرات الإيرانية بصمة هامة في الصراعات الداخلية البوسنية التي أعقبت فترة ما بعد الحرب، تجسدت في وحدة العمليات الخاصة سيئة السمعة “لاركس”، المدربة من قبل إيران، بقيادة نيدزاد أوغلجن.

ويمكن القول إن إيران لم تغادر البوسنة عندما انتهت الحرب، بل حافظت على علاقات ممتازة مع السياسيين المحليين. كما عمل الإيرانيون على تكثيف الشبكات التي أنشأوها خلال الحرب للحفاظ على نفوذهم ووجودهم. ولم يكن لدى إيران أية مشكلة في أن معظم المسلمين البوسنيين هم من السنة؛ لأن غرض إيران الأوحد هو استخدام البوسنة كموقع إستراتيجي أمام أوروبا الوسطى والغربية.

اقرأ أيضًا: هل يمكن مواجهة التمدّد الشيعي دون فهم قوة إيران الناعمة؟

 

الثغرات الأمنية

تمكنت إيران من جعل البلقان قاعدة لها بسبب الفجوات الأمنية والضعف المؤسساتي والفساد المستشري في هذه المنطقة. يجري تنفيذ أنشطة التأثير الإيرانية في هذه البيئة السهلة من قبل موظفي السفارة الإيرانية، وكذلك من قبل عملاء نشطين تابعين لحزب الله اللبناني. وغالبًا ما يستخدم عملاء حزب الله وثائق وجوازات سفر إيرانية للدخول والخروج من هذه المنطقة. ويمكن التأكيد على أن عملاء حزب الله كانوا يتصرفون بهدوء لتجنب التدقيق في بلغاريا في بادئ الأمر، لكن الوضع اختلف بعد هجوم الحفلة عام 2012.

 

توسع النفوذ ما وراء البوسنة

لم تكتف إيران بقاعدتها اللوجستية المتطورة في البوسنة، بل رأت أن توسيع نفوذها خارج حدود البوسنة أمر هام وسهل؛ نظرًا لأن البلقان هي “الحلقة الأضعف” في السلسلة الأمنية الأوروبية، وتوفر لطهران حلقة وصل بين آسيا وأوروبا، ومنصة لبدء عملياتها وسط أوروبا وغربها. وقد أظهر هجوم القنابل المفجع على جماعة إيرانية معارضة في فرنسا هذا الصيف مدى تعقيد العمليات الإيرانية ونطاقها، كما أظهر دور النشطاء الإيرانيين المتمركزين في عواصم أوروبية مختلفة تحت غطاء دبلوماسي. ومن أحدث الأمثلة على ذلك، تورط الدبلوماسي الإيراني المقيم في فيينا، أسد الله أسدي، في هجوم باريس الفاشل. تشير هذه الحوادث إلى أن الإيرانيين يقومون بتوسيع أو تنشيط شبكات قائمة بالفعل في منطقة البلقان الأوسع.

وتؤكد مصادرنا أن السلطات البلغارية تدرك وجود مثل هذه الشبكات التابعة لحزب الله في 3 على الأقل من المدن البلغارية الضخمة المكتظة بالسكان، لا سيما العاصمة صوفيا، وبلوفديف، وميناء بارنا على البحر الأسود.

وبحسب مصادرنا في الجالية اللبنانية في بلغاريا، فإن عملاء حزب الله هم الأكثر نشاطًا في العاصمة، إذ يعبرون الحدود مع صربيا بشكل روتيني كسائحين أو تحت غطاء رسمي. في صربيا، يجمعون المعلومات المتعلقة بالبنية التحتية والمباني الإدارية وغيرها من المسائل. ويبدو أن بعض السياسيين البلغاريين في الائتلاف الحاكم يدركون جيدًا وجود حزب الله والسعي الإيراني نحو التأثير.

اقرأ أيضًا: مؤسسة أمريكية تكشف معلومات صادمة حول وكلاء إيران في المنطقة العربية

وتفيد مصادر استخبارية بلغارية لنا أن الوكالة الإيرانية تمتلك أصولًا خاصة في مقدونيا وكوسوفو، يمارس فيها أعضاء حزب الله نشاطات ميدانية. وفي صوفيا، لدى حزب الله موقعان محددان لتنظيم الاجتماعات، يجري فيهما التخطيط وتعزيز الاتصالات مع قوى سياسية محلية، وهذا ما أكده لبناني مقيم في بلغاريا شارك سابقًا في تلك الأنشطة التنظيمية. وتفيد المصادر كذلك أن رجال أعمال بارزين يدعمون حزب الله من خلال دفعات شهرية. وبحسب المعلومات المتوفرة، تنخرط إيران في بلغاريا في أكثر من 12 مصنعًا للمعادن الثقيلة وتصنيع قطع السيارات والبترول.

كما أجرينا محادثات مع 5 طلاب بلغاريين شاركوا في برامج ترعاها إيران في منطقة البلقان، تحدثوا لنا عن نهج إيران “العلوي” في جميع نشاطاتها الثقافية، ما يجعل ذلك مصدر خطر بالفعل.

 

الخلاصة

بالرغم من أن الأنشطة الإيرانية في البلقان لا تزال “خفية” حتى هذه اليوم، إلا أنها تشكل مخاطر كبيرة أمنيًا وثقافيًا. ويبدو أن السرية التي تنتهجها إيران في البلقان مرتبطة بشكل كبير بمدى الوصول للأهداف السياسية التي يضعها صناع القرار في طهران.

 

المصدر: مجلة “ذي غلوب بوست” الأمريكية

حمل تطبيق كيو بوست على هاتفك الآن، من هنا

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة