الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

“تحالف شيطاني” يجمع الإرهاب والانفصال في القارة السمراء

شكلت الندوة التي شهدها منتدى أصيلة الثقافي حول الحركات الانفصالية والتنظيمات الإرهابية فرصة لتداول الأفكار حول ظاهرة الانفصال وعلاقتها بالإرهاب

المغرب- حسن الأشرف

أثار خبراء ومسؤولون، في إحدى الندوات التي احتضنها “منتدى أصيلة” الذي تمتد أشغاله إلى الخامس من نوفمبر 2022، موضوع علاقة الحركات الانفصالية بالجماعات الإرهابية داخل القارة الإفريقية، ونقاط الالتقاء بينهما؛ ما يستدعي تضافر الجهود الإفريقية والدولية لمواجهة ظاهرة الالتحام بين الانفصال والإرهاب.

وتلتقي الحركات الانفصالية والجماعات المتطرفة والإرهابية داخل القارة الإفريقية، في كونهما تستغلان معاً وضعية الفقر والهشاشة والأمية في مناطق مثل الساحل جنوب الصحراء، لتنفذا “أجندة الهيمنة” على القارة السمراء عبر التعبئة واستقطاب الأتباع والأنصار.

اقرأ أيضاً: مكافحة الإرهاب في إفريقيا.. هل ثمة حلولٌ جذرية؟

ويرى خبراء أن المغرب معني بظاهرة تحالف الحركات الانفصالية مع الجماعات الإرهابية بالنظر إلى أنه يواجه هو نفسه حركة انفصالية هي جبهة البوليساريو التي تطالب بانفصال الصحراء عن سيادة المملكة، كما أنه معني بالتهديد الإرهابي داخلياً وخارجياً.

جانب من تدريبات عناصر مقاتلة من منسوبي جبهة البوليساريو- “أ ف ب”

قارة الإرهاب

شكَّلت الندوة التي شهدها منتدى أصيلة الثقافي، حول الحركات الانفصالية والتنظيمات الإرهابية، فرصة لتداول وتبادل الأفكار والآراء بخصوص دواعي الانفصال داخل البلد الواحد، والتي تتمثل في الغالب في اختلالات اجتماعية واقتصادية تفضي إلى الانفصال.

ووفق خبراء الندوة ذاتها، فإن “دعاوى الانفصال تكون في أحيان كثيرة جراء غياب العدالة الاجتماعية، متمثلة في غياب التكافؤ بين مناطق البلد الواحد في ميادين التنمية والصحة والتعليم والتغذية، وعدم إشراك الكفاءات في مناصب المسؤولية، علاوة على هشاشة الدولة الوطنية وعجز مؤسساتها في القضاء والديمقراطية”.

الندوة رصدت نقاط الاتصال بين الجماعات الإرهابية والحركات الانفصالية داخل القارة السمراء، متمثلة في انتشار الفقر والأمية والهشاشة الاقتصادية؛ حيث تستغل هذه الحركات الانفصالية والجماعات المتطرفة هذه الأوضاع المزرية للتأثير بشكل سلبي على عقول الأتباع.

اقرأ أيضًا: صعود الجماعات الجهادية في إفريقيا: إعادة النظر في العلاقة بين الفقر والإرهاب

الخبراء يرون في هذا الصدد أن الحل يكمن أساساً في إرساء جسور الديمقراطية في البلد؛ لكن ليس من خلال استيراد النموذج الغربي في الديمقراطية، لأنه سيكون نموذجاً فاشلاً، ولكن من خلال إرساء ديمقراطية محلية تمتح من الخصوصيات لكل بلد إفريقي وثقافته الذاتية المحلية وعاداته الضاربة في التاريخ.

وتفيد أرقام رسمية أن إفريقيا شهدت 500 هجوم إرهابي في سنة 2021 خلفت العديد من القتلى، كما أن 48 في المئة من الوفيات بسبب الإرهاب كانت في إفريقيا جنوب الصحراء، من إجمالي وفيات العالم؛ حيث تم تسجيل 3461 قتيلاً.

تحالف شيطاني

د.محمد عصام لعروسي

ويعتبر المغرب معنياً بظاهرة “التحالف الشيطاني” بين الحركات الانفصالية والجماعات الإرهابية في القارة الإفريقية؛ لهذا ما فتئت المملكة تبذل مجهودات كبيرة لمواجهة هذه التهديدات الإرهابية والمطالب الانفصالية.

يقول في هذا الصدد الدكتور محمد عصام لعروسي، الخبير في الشأن الاستراتيجي، إن مجهودات المغرب لمواجهة الإرهاب تعتبر مجهودات حثيثة وذات بال؛ خصوصاً في العشرية الأخيرة، إذ لعب دوراً أساسياً على جميع المستويات لمواجهة الإرهاب، بما في ذلك التخطيط الاستراتيجي بالتعاون مع المنتظم الدولي.

ويرى لعروسي، في حديث مع “كيوبوست”، أن دليل الاعتراف الدولي بجهود المغرب لمكافحة الإرهاب هو إنشاء مكتب مكافحة الإرهاب والتدريب التابع للأمم المتحدة في العاصمة الرباط، كما أن المملكة تصنف من بين 12 دولة إفريقية الأكثر أمناً، حسب معايير تقارير دولية.

اقرأ أيضاً: الإمارات والمغرب ضمن البلدان الأقل تعرضاً لتهديدات الإرهاب

وذهب لعروسي إلى أن المغرب اكتسب على مستوى العلاقات متعددة الأطراف ومستوى العمل الدولي الجماعي أهمية بالغة؛ لاحتضانه العديد من المبادرات، منها المبادرة المتعلقة بالتحالف الدولي لمواجهة “داعش” التي احتضنتها مراكش، والتي أظهرت أن الخطر الإرهابي في إفريقيا خطر داهم، باعتبار ما تعانيه المنطقة من اختلالات أمنية وهشاشة تنموية واقتصادية؛ خصوصاً في منطقة الساحل جنوب الصحراء.

المغرب يواجه الإرهاب بالضربات الاستباقية

ولفت الخبير ذاته إلى أن “هذه المنطقة التي تتسم بصعوبة التضاريس يصعب على الدول منفردةً مواجهة الخطر الإرهابي فيها، وبالتالي تحتاج إلى منظومة دولية كاملة حتى يتأتى احتواء هذا الخطر”، مشيراً إلى أن المغرب حقق العديد من المنجزات؛ خصوصاً في الداخل، بفضل الضربات الاستباقية والعمل الاستخباراتي الجيد المبني على أسس علمية والمدعوم بمفهوم التعاون الدولي.

مفهوم الأمن الشمولي

على المستوى العملياتي والميداني، يضيف لعروسي، استطاع المغرب أن يحقق طفرات نوعية في مواجهة الإرهاب في إفريقيا؛ خصوصاً “داعش” وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، مشيراً إلى أن الجزائر التي تدعم جبهة البوليساريو المطالبة بانفصال الصحراء، احتضنت زعماء هذه “الميليشيات”، مثل عبدالمالك دروكدال الذي ينتمي إلى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، والذي تم اغتياله من طرف القوات الفرنسية في 2020، وأيضاً وليد الصحراوي الذي اغتيل مؤخراً، وهو عنصر في البوليساريو الانفصالية.

اقرأ أيضاً: كيف أسهم المغرب في مكافحة التطرف في إفريقيا؟

وشدد لعروسي على ضرورة الانتباه إلى ظاهرة الربط بين الجماعات الانفصالية والتنظيمات الإرهابية؛ لأن هذه التنظيمات المتطرفة تلعب دوراً أساسياً على وتر النزاعات الإثنية والصراعات القبلية والخلافات الدينية، وتعشش في المناطق الرخوة التي تنعدم فيها مقومات الأمن والتنمية.

ووَفق المتحدث ذاته، لا يزال الخطر الإرهابي متصاعداً في إفريقيا؛ خصوصاً منذ سنة 2019 إلى اليوم، حيث ارتفعت وتيرة العمليات الإرهابية بنسبة 31 في المئة، وارتفع العدد من 2020 عملية إلى أكثر من 4 آلاف عملية إرهابية.

المغرب احتضن التحالف الدولي ضد “داعش”

وأكمل لعروسي بأن هذا ما يجعل دينامية المغرب تحتاج المزيد من اليقظة والحرص وحث المجتمع الدولي على بذل مزيد من الجهود لاحتواء الخطر الإرهابي في القارة السمراء، متابعاً بأن “مجهودات المغرب كبيرة من ناحية الضربات الاستباقية؛ لأن خطر عودة المتطرفين إلى البلاد من بؤر التوتر قائم، لا سيما بعد انهيار دولة الخلافة في سوريا والعراق”.

وخلص الخبير إلى أن إفريقيا تحتاج إلى منظومة جماعية أمنية متكاملة، والمغرب راكم تجربة كبيرة في هذا الباب، ويستطيع أن يُصدر هذه التجربة من خلال مفهوم الأمن الشمولي الديني والروحي والاقتصادي، والفهم العميق لطبيعة التحولات الجيوسياسية في المنطقة، من خلال توفير ما هو جيو- أمني،  وجيو- ثقافي، وجيو- اقتصادي، وباقي المفاهيم الكبرى.

تشرذم الإثنيات

من جهته، يقول عبدالواحد أولاد مولود، باحث في العلاقات الدولية ومتخصص في الشأن الأمني لشمال إفريقيا، إن القارة السمراء تدفع ثمناً باهظاً وتكلفة بشرية واقتصادية واجتماعية هائلة؛ بسبب الحركات الانفصالية المتنامية في القارة.

عبدالواحد أولاد مولود

واعتبر الباحث المغربي، في حديث مع “كيوبوست”، أن القارة الإفريقية تعج بالمكونات الإثنية والعرقية؛ حيث تحاول كل إثنية إثبات ذاتها على باقي الإثنيات والعرقيات، ما يحول دون إرساء توازن عرقي وإثني.

ولفت أولاد مولود إلى أن الإثنيات المتقاربة تتحد في ما بينها لتخلق حركات انفصالية، وحتى على مستوى الديانة الواحدة تتعدد الإثنيات وتتشرذم لتشكل حركات تطالب بالانفصال عن الدولة التي تكون في الغالب هشة وفاشلة اقتصادياً واجتماعياً.

اقرأ أيضاً: المغرب يقود الحرب ضد تجنيد الأطفال

واستطرد المحلل عينه بأن طغيان الإثنيات والعرقيات يحول دون قدرة الدولة على التحكم في الوضع وتلبية المطالب الاجتماعية والاقتصادية لهذه الإثنيات، وإذا لم تتم الاستجابة لتلك المطالب ذات الطابع المعيشي والاجتماعي، تتحول إلى مطالب ذات طبيعة انفصالية.

ولفت أولاد مولود إلى أنه “لا يمكن إغفال أن الدول الاستعمارية تتحمل جزءاً من المسؤولية في نشوء هذه الحركات الانفصالية؛ لأنه من صالحها وجود تشتت وتعدد في المكونات الإثنية والعرقية بالقارة السمراء، لأنها (الدول الاستعمارية) تستغل تلك الإشكالات الأمنية لخلق ذرائع للتدخل في الشؤون الداخلية لتلك الدول الإفريقية”.

وسجل الباحث صعوبة الفصل بين الانفصال والإرهاب؛ لأن هناك مزيجاً بين هذه الحركات، ونوعاً من التأثير والتأثر بين أنصار الحركات الانفصالية والجماعات الإرهابية، مشيراً إلى حالات تحتضنها القارة الإفريقية من قبيل جبهة البوليساريو وحركة تيغراي في إثيوبيا، وانفصال جنوب السودان.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة