الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

تجربة اجتماعية فاشلة .. فصلت أطفال الإنويت عن عائلاتهم

كيوبوست- ترجمات

تارا جون

نظرت هيلين تايسين ابنة السنوات السبع إلى والدتها وشقيقيها، من على متن سفينة الركاب إم إس ديسكو، وهي تعلم أنها ستبحر من جرينلاند إلى مكانٍ يسمى الدنمارك، وأنها لن ترى عائلتها مرة ثانية. اعتصرها الحزن، بينما لم تكن تفهم لماذا اختارت أمها أن ترسلها إلى هناك. في ذلك الوقت، كانت جرينلاند مستعمرة دنماركية، يعاني سكانها من الفقر المدقع، ومعدل فيات مرتفع للغاية، على حد تعبير إينار لوند جينسين، الباحث في متحف الدنمارك الوطني.

كتبت تارا جون مقالاً على موقع “سي إن إن” حول قضية أطفال عاشوا نفس تجربة هيلين تايسين، ومعاناتها، تشير فيه إلى أن هدف حكومة الدنمارك من هذه العملية كان “تنشئة جيل من الدنماركيين الصغار ليكونوا نخبة من المثقفين وقدوة لسكان جرينلاند”.

اقرأ أيضاً: الدنمارك تقرر الحدَّ من عدد السكان “غير الغربيين” لتقليل مخاطر المجتمعات الدينية والثقافية الموازية

شعرت الحكومة الدنماركية بضرورة تحديث المستعمرة للحفاظ على مصالحها فيها، واستوحت من منظمة “أنقذوا الأطفال” في الدنمارك، فكرة جلب أطفال الإنويت إلى البلاد لإنقاذهم من الظروف المعيشية السيئة في جرينلاند. وبعد عامٍ ونصف، أعيد معظم الأطفال إلى ديارهم ليعيشوا في ملجأ للأيتام، يديره الصليب الأحمر الدنماركي. قال جينسين إن أكثر من نصف هؤلاء الأطفال أصيبوا بأمراضٍ نفسية وعقلية أو مشكلات تعاطي المخدرات، في وقتٍ لاحق من حياتهم. وتقول كريستين هاينسين ابنة الستة والسبعين عاماً: “لقد حرمتنا الحكومة الدنماركية من هويتنا وعائلاتنا”، وهي واحدة من ستة ناجين من هذه التجربة الاجتماعية الذين لا يزالون على قيد الحياة اليوم.

أطفال الإنويت في ملجأ الأيام بعد عودتهم إلى جرينلاند- سي إن إن

قدمت منظمة “أنقذوا الأطفال” اعتذارها في عام 2015 عن الدور الذي لعبته في هذه التجربة الاجتماعية، واعتذرت الحكومة الدنماركية بعد خمس سنوات، ولكن محكمة في كوبنهاغن رفضت دفع تعويضات لمن لا يزالون على قيد الحياة. وفي تصريح لشبكة “سي إن إن” قالت وزيرة الشؤون الاجتماعية والمسنين الدانماركية إن الحكومة تدرس تقديم تعويضات لهم. وأشارت إلى أن الجانب الأهم الآن هو اعتذار الحكومة الرسمي للضحايا وعائلاتهم. وهي خطوة كبيرة نحو تصحيح خطأ الحكومة حتى لا يكرر التاريخ نفسه.

قالت تايسين إن والدتها كانت أرملة، وإنها رفضت في البداية طلب اثنين من الدنماركيين اصطحاب ابنتها إلى الدنمارك، ولكنها وافقت لاحقاً بعد أن تلقت وعداً بأن ابنتها ستحصل على تعليمٍ أفضل.

اقرأ أيضاً: قصة الشوارع المتوحشة في الدنمارك

ويذكر المقال أن الباحث جينسين قال إن التجربة التي حصلت على الضوء الأخضر عام 1950 كانت تهدف إلى تجنيد الأيتام، وتم اختيار 22 طفلاً مع أن العديد منهم كانوا يعيشون مع أقربائهم أو أحد والديهم. وأشار إلى أن الدنماركيين الذين كانوا يختارون الأولاد كانوا مستعمرين يتمتعون بالسلطة والهيبة في جرينلاند، وأن ذلك كان له أثر كبير في إقناع ذوي الأيتام بالموافقة. كما أنه يعتقد أن هنالك شكوكاً حول ما إذا كان ذوو الأطفال على درايةٍ كاملة أو فهم كامل لما كانوا يوافقون عليه.

كريستين هاينسين تزور قبور أصدقائها الذين دفنوا في مقبرة بكوبنهاغن- سي إن إن

عندما وصل الأولاد إلى الدنمارك، تم إيواؤهم في مخيم عطلات تابع لمنظمة “أنقذوا الأطفال” لمدة أربعة أشهر، مُنعوا خلالها من التحدث بلغتهم الأم، وتم تعليمهم اللغة الدنماركية. وبعد ذلك تم وضعهم مع أسر حاضنة لمدة عام تقريباً. وعندما حان وقت العودة إلى جرينلاند، بقي ستة من الأطفال في الدنمارك بعد أن تبنتهم الأسر المضيفة. ويشير جينسين إلى أن بقاء هؤلاء في الدنمارك كان يناقض الغرض الأساسي من التجربة، وهو عودة الأطفال إلى جرينلاند ليكونوا نخبة مثقفة فيها. الأطفال الذين عادوا إلى جرينلاند تم وضعهم في ملجأ للأيتام، وتم نقل الحضانة القانونية لهؤلاء الأطفال إلى مديرة الملجأ.

تتذكر تايسين أنها رأت عائلتها تنتظرها على رصيف الميناء، وقالت: “رميتُ حقيبتي وركضت نحوهم، عانقت أمي وتحدثت إليها، ولكنها لم ترد. فأنا كنت أتكلم الدنماركية”. استمر اللقاء عشر دقائق إلى أن جاءت ممرضة دنماركية لتخبر تايسين بأن عليها أن تترك والدتها لأنها ستعيش في دار الأيتام. قالت تايسين: “أتذكر أني بكيتُ طوال الطريق، كنت أتوق إلى رؤية بلدتي، ولكني لم أر شيئاً من وراء دموعي”.

اقرأ أيضاً: كيف سبب حظر النقاب مشاكل عميقة في الدنمارك؟

ضمت دار الأيتام 16 طفلاً سُمح لهم التحدث باللغة الدنماركية فقط، وكان اتصالهم بأسرهم محدوداً للغاية أو غير موجود. ولم يسمح لوالدة تايسين بزيارة ابنتها إلا مرتين خلال السنوت السبع التي قضتها هناك.

قال الباحث جينسين إنه تم التركيز على البقاء على اتصال مع العائلات الحاضنة، وإنها كانت صدمة أن ينفصل هؤلاء الأطفال عن مجتمع جرينلاند، وعن أسرهم. حتى عندما كانت دار الأيتام تستقبل الآباء أحيانا لتناول القهوة لم يكن يسمح لهم بالتواصل مع أبنائهم.

تم إلحاق الأطفال بمدرسة دنماركية، ومنعوا من التواصل مع أطفال جرينلاند في المدينة، ولم يُسمح لهم بالاختلاط سوى مع العائلات الدنماركية المقيمة في المدينة. واعتبرهم سكان جرينلاند غرباء لا يتكلمون لغتهم.

أحد الناجين الستة من التجربة يقلب صوراً قديمة- سي إن إن

وبعد أن مُنحت جرينلاند الحكم الذاتي عام 1979 فقدت السلطات الدنماركية والجرينلاندية الاهتمام بهذه التجربة الاجتماعية، واحتلت مشاريع البنية التحتية، وقطاع الأعمال، وإصلاحات الرعاية الصحية، مركز الصدارة.

وبحلول عام 1960، كان معظم الأطفال قد غادروا دار الأيتام، وعاد معظمهم إلى الدنمارك. وبالنسبة للستة الذين لا يزالون على قيد الحياة، فهم يقولون إن العثور على إحساسهم بهويتهم قد استغرق وقتاً طويلاً.

المصدر: سي إن إن

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة