الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

تجاوزت 7 مليار دولار: انعكاسات هجرة رؤوس الأموال على الاقتصاد الأردني

مختصون اقتصاديون يحذرون من تراجع الأوضاع الاقتصادية في الأردن

كيو بوست – مصطفى أبو عمشة

تتنامى ظاهرة هروب رؤوس الأموال من الأردن لاستثمارها في دول عربية وغير عربية، مما يسبب كسادًا في السوق الأردنية على مستوى الاستثمارات الداخلية. وتشير مصادر إلى أنّ حجم استثمارات الأردنيين في الخارج تبلغ حوالي 7.2 مليار دولار، بحسب جمعية سيدات ورجال الأعمال الأردنيين المغتربين.

وتتوزع استثمارات الأردنيين في الخارج على قطاعات: العقارات، والأوراق المالية والأسهم، والسياحة والفنادق، والصناعة، والخدمات، وتكنولوجيا المعلومات، بالإضافة لاستثمارات فردية صغيرة. كما تتوزع هذه الاستثمارات في نحو 42 دولة، استأثرت الإمارات العربية المتحدة بالحصة الأكبر منها بنسبة 21.5%، تلتها المملكة العربية السعودية بنسبة 16.5%، ثمّ إندونيسيا بنسبة 11% في المركز الثالث.

اقرأ أيضًا: العمالة الوافدة في مواجهة الاقتصاد الأردني، فمن ينتصر؟

وجاءت الولايات المتحدة الأمريكية في المركز الرابع بنسبة 9%، تبعها العراق بنسبة 8%، فتركيا 7%، ثمّ مصر بنسبة قدرها 6.5%، وأوروبا بنسبة 5.5%، ثمّ السودان 3%، واستثمارات أخرى توزعت على دول مختلفة.

ويثير هروب رأس المال الأردني إلى الخارج تساؤلات حول انعكاسات خروج هذا المال على الاقتصاد الأردني.

 

للظاهرة أسباب متعددة

على الرغم من أنّ الأردن يعد بيئة جاذبة لكثير من الجنسيات كالعراقية والليبية واليمنية وحتى الخليجية، إلا أنّ بعض دول جوار الأردن تقدم خدمات وامتيازات أفضل للاستثمار تشجع رأس المال الأردني على الخروج من السوق المحلية.

الخبير الاقتصادي الأردني «مازن مرجي»

ويرى الخبير الاقتصادي الأردني «مازن مرجي» في حديث خاص إلى “كيوبوست”، بأنّ أسباب هذا الأمر تتعدد؛ يتمثل أولها في حالة عدم الاستقرار السياسي الاقتصادي الناتجة جراء ارتفاع ضريبة الدخل والمبيعات.

وهذا يرجع بحسب رؤيته إلى استمرار العجز في الميزان التجاري، إذ بلغت نسبة تغطية الصادرات الكلية للمستوردات بحسب إحصائيات رسمية 38% في عام 2018، ويمثل الفرق بين قيمة المستوردات وقيمة الصادرات الكلية أكثر من 8 مليار دينار، الأمر الذي يعطي مؤشرًا سلبيًا عن الاقتصاد الأردني، ويؤدي إلى عزوف كثير من المستثمرين في الداخل والخارج عن الاستثمار في الأردن.

وبالرغم من تصاعد حالة تسرب الأموال للخارج، إلا أن هنالك تزايدًا في أعداد العمالة الوافدة إلى الأردن، التي وصلت إلى 1.15 مليون عامل، منهم 600 ألف مصري، و200 ألف سوري.

ويعتبر مرتجى أن تزايد أعداد اللاجئين الوافدين إلى الأردن أسهم بشكل فاعل في هروب الأموال الأردنية إلى الخارج، خصوصًا توافد اللاجئين السوريين الذين وصلوا إلى أكثر من مليون و300 ألف شخص. ويشكل هؤلاء قوة مستهلكة نظرًا لتواجدهم مع عائلاتهم، بخلاف العمالة المصرية التي تفضل عدم اصطحاب العائلات أثناء العمل خارج البلاد.

اقرأ أيضًا: أزمة الاقتصاد الأردني: هل باتت الطريق مسدودة أمام حل جذري؟

كل هذه العوامل أدت بحسب الخبير الاقتصادي مرجي إلى زيادة حجم الاستيراد من الخارج على حساب الواردات، وهذا بحد ذاته يشكل عبئًا على الاقتصاد، ويرفع العجز في الميزان التجاري الأردني، ويشكل بيئة طاردة للمستثمرين. 

ويذهب المحلل الاقتصادي مازن مرجي إلى أبعد من ذلك في تحليل الظاهرة، مؤكدًا بأنّ تراجع حوالات المغتربين التي كانت تأتي من الخارج، ألقت بظلالها على توفير فرص العمل والإنتاج، وأدت إلى انخفاض الإنتاج المحلي، فكلما زاد مستوى الإنفاق داخل البلاد كلما أدى إلى زيادة الإنتاج المحلي ونمو نسبة الصادرات.

المحلل الاقتصادي عامر الشوبكي

وفي سياق متصل، يذهب المحلل الاقتصادي عامر الشوبكي، في تصريحاته الخاصة إلى “كيو بوست”، إلى رؤية مقاربة مع مرجي، مشيرًا إلى أسباب عدة متعلقة بهذه الظاهرة، تتمثل في ارتفاع كلفة التشغيل وفاتورة الطاقة على القطاعين الصناعي والتجاري، معتبرًا بأنّ هذا هو أحد أهم الأسباب التي بموجبها يبحث المستثمرون وأصحاب المصالح عن سوق تقل فيها الكلفة التشغيلية، وليكون مستوى التنافسية أعلى في تسويق منتجاتهم.

كما يرى الشوبكي بأنّ حجم الضرائب المفروضة على المستثمر والمواطن الأردني أضعفت السيولة في أيديهم، بل وأصبحت غير متوفرة بالشكل الكافي، مما أدى إلى زيادة في التكلفة المعيشية وتراجع في القدرة الشرائية، وهذا ينعكس بالسلب على النمو الاقتصادي في الأردن، ويؤدي للعزوف عن الاستثمار داخل المملكة.

ويتابع الشوبكي قائلًا: “تآكل دخل المواطن الأردني الذي أصبح لا يكفي إلا لسداد رمقه والضروريات من الحياة، حفّز على خروج رأس المال الموجود في السوق الأردنية، وأصبح التجار يفكرون بالخروج من السوق الأردنية إلى أسواق قريبة يتأقلمون معها مثل أسواق الإمارات ومصر وتركيا”، معتبرًا بأنّ المشكلة باتت في تزايد مستمر، والحكومة لا تعبأ بمعالجتها بطرق حكيمة ومدروسة.

 

مؤشر اقتصادي سلبي وخيارات صعبة

لا يزال مؤشر النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي في الأردن يسير ببطء شديد، إذ وصل بداية العام 2019 إلى 2% مقارنة مع 1.9% العام الماضي، وهي زيادة غير معتبرة، الأمر الذي يربطه الكثير من المراقبين بالسياسات التي تتبعها الحكومة في معالجة المشكلات الاقتصادية، كالعجز في الموازنة العامة للدول وتزايد المديونية الخارجية، إذ فشلت في مواجهة هذه الأزمات وتوليد حلول ابتكارية لمعالجتها، مكتفية بسياسات الجباية ورفع الضرائب والفوائد والجمارك.

وهنا، يسوق الخبير مرجي العديد من الأسباب المهمة التي أدت إلى تزايد حالات هروب الأموال من الأردن ورغبة الأردنيين بالاستثمار في الخارج، مشيرًا إلى أنّ رفع أسعار الفوائد على القروض السكنية والقروض المتعلقة بالأعمال من البنك المركزي الأردني -تحت حجة تطورات أسعار الفائدة في الأسواق الإقليمية والدولية- ألقى بظلاله على الاقتصاد في البلاد، وعزز من عدم الثقة بالحكومة ومن هروب المستثمرين.

اقرأ أيضًا: وطن عربي مصغر: حقائق عن اللجوء في الأردن

وهذا جعل الأردنيين، بحسب مرجي، يشعرون بحالة من عدم الاستقرار والتهديد الاقتصادي، إذ يطالب مرجي بضرورة توفير البيئة الجاذبة للمستثمرين من طرف الحكومة عبر تحرير الاقتصاد من القيود الصارمة التي تواجه المستثمر.

أما المحلل الاقتصادي عامر الشوبكي فيعرض مجموعة من الخيارات التي من شأنها تفادي المشكلة، إذ يرى أهمية أن تقوم الحكومة بدراسة الأعباء الضريبية على التجار وأصحاب الأعمال والمواطنين، خصوصًا ضريبة المبيعات التي تفرض على الطبقة المتوسطة والفقيرة، مما يضعف القدرة الشرائية ويؤدي إلى تراجع حجم الاستثمار في البلاد.

ويتحدث الشوبكي عن تأثيرات هروب الأموال في الاقتصاد الأردني، مشيرًا إلى أنّها ستؤدي إلى ازدياد حجم البطالة في المجتمع، خصوصًا بعد تراجع عدد من المشاريع المتوسطة والكبيرة التي تقوم بتشغيل فئة كبيرة من الشباب، إضافة إلى أنّ نتائجها ستلقي بظلالها على إيرادات الحكومة التي ستنخفض بسبب ما تتبعه من سياسات.

وهذا سينعكس سلبًا على الموازنة العامة للدولة، لأنّ الخزينة الحكومية ستفقد إيرادات الكثير من أصحاب الأموال، وهذا يعني مزيدًا من الأزمات التي سيمر بها الاقتصاد الأردني، وخروج المزيد من الأموال إلى الخارج مستقبلًا.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة