الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

تبعات “كورونا” تعمِّق أزمات الاقتصاد التركي

على الرغم من الآثار الاقتصادية السلبية لانتشار فيروس كورونا على مختلف دول العالم واقتصاداتها فإن التأثير على الاقتصاد التركي سيكون مضاعفًا ويؤثر على ترتيب تركيا اقتصاديًّا على مستوى العالم

كيوبوست

تحوَّلت الشكوك حول مصداقية التعامل الرسمي التركي مع أزمة انتشار فيروس كورونا لتمتد إلى الناحية الاقتصادية بدلًا من الجانب الصحي فحسب، فبعد عشرات التقارير التي تحدَّثت عن إخفاء تركي رسمي لأعداد المصابين بالفيروس وتأخُّر تنفيذ خطة إجراءات وقائية لمواجهة الفيروس الرئوي القاتل[1]، يتزايد الحديث عن التداعيات المحتملة لتفشِّي الفيروس على الاقتصاد التركي الذي يعاني التدهور أساسًا.

ويبدو أن تركيا ستعتمد على سياسة التضليل في ما يتعلق بالتأثيرات الاقتصادية المتوقعة لانتشار الفيروس بتركيا؛ حيث جاءت تصريحات وزير الخزانة والمالية التركي بيرات البيرق لتؤكد قدرة الاقتصاد على تحقيق نسبة نمو 5% على الرغم من التحديات المستجدة التي فرضها انتشار الفيروس، وهو ما يناقض توقعات وكالة “موديز” بأن يكون الاقتصاد التركي الأكثر تضررًا من بين الاقتصاديات العشرين الأكبر في العالم.

اقرأ أيضًا: عثمانية أردوغان الجديدة.. واقع مؤسف وسياسات غير مدروسة

أسباب تراجع الاقتصاد التركي

– شلل القطاع السياحي: اعتمدت تركيا بشكل رئيسي خلال الأعوام الأخيرة على عائدات السياحة التي تجاوزت 35 مليار دولار، حسب البيانات الرسمية في العام الماضي؛ لتكون واحدة من أهم مصادر الدخل للاقتصاد الذي يعاني أزمات متلاحقة.

وعلى الرغم من تسجيل معدلات متراجعة عبر مؤشرات اقتصادية متعددة؛ فإن القطاع السياحي استفاد من انخفاض قيمة العملة، الأمر الذي جعل المدن التركية وجهة رخيصة مقارنةً بغيرها من الوجهات، وأسهم في زيادة عدد السياح وارتفاع عائدات السياحة في 2019 بنسبة 17%، مع تغيير فئة الشريحة المستهدفة من هؤلاء السياح؛ لتشمل الفئات الأقل إنفاقًا[2].

توقفت حركة السياحة في تركيا بشكل كامل – رويترز

ويعمل في القطاع السياحي أكثر من مليون شخص، بينما لم تعلن الحكومة أي إجراءات بشأن العمالة المتضررة في هذا القطاع، وسط توقعات بأن يفقد نصف هؤلاء العاملين على الأقل وظائفهم خلال الأيام المقبلة مع إغلاق الفنادق والمحلات والأسواق التجارية.

ويمتد التأثُّر ليشمل عائدات الخطوط الجوية التركية التي كانت تأمل في تحقيق مبيعات تقترب من 15 مليار دولار لنحو 80 مليون مسافر، وهي أرقام أصبح من المستحيل تحقيقها؛ خصوصًا مع إلغاء الآلاف الرحلات المُجَدوَلة وتعليق حركة الطيران بشكل كامل، باستثناء بعض الرحلات الداخلية، وهي الخطوة التي جاءت بعد إغلاق بعض المطارات أمام الرحلات الدولية في وقت سابق[3].

اقرأ أيضًا: وثيقة جديدة تكشف نشاطات تركيا التجسسية في 92 دولة حول العالم

– استمرار انخفاض الناتج المحلي: سجلت تركيا نقصًا في الناتج المحلي، ونصيب الفرد منه خلال السنوات الماضية؛ وهو ما ارتبط بشكل واضح بعدة عوامل، من بينها انخفاض قيمة العملة، والانكماش الاقتصادي؛ ليتراجع دخل الفرد في الناتج المحلي من 12 ألف دولار عام 2014 إلى 9127 دولارًا في 2019، حسب بيانات معهد الإحصاء التركي[4].

وعلى الرغم من نمو الاقتصاد التركي على أساس سنوي في 2019 بنسبة 0.9%؛ فإن موازنة العام الجاري التي أقرها البرلمان في ديسمبر الماضي، تشير إلى عجز متوقع بقيمة 23.4 مليار دولار، بناءً على توقعات بزيادة في الإيرادات[5]، مع الأخذ في الاعتبار أن موازنة العام الماضي شهدت عجزًا بقيمة 15.65 مليار دولار، وهو أعلى بـ15% من الرقم الذي توقعته الحكومة عند إعداد الموازنة، وذلك على الرغم من ضخ البنك المركزي رصيدًا من الاحتياطي في حساب الموازنة[6].

وحسب توقعات خبراء تحدَّثوا مع صحيفة “دي تسايت” الألمانية، فإن عدد الأشخاص الذين من المرجح أن يفقدوا وظائفهم، يصل إلى نحو 6 ملايين شخص إذا ما تم النظر إلى القطاعات التي ستتأثر سريعًا بفقدان الوظائف خلال الأزمة الحالية؛ بما فيها العاملون في قطاع الإنشاءات، وهو ما يعني أن نحو 15 مليون شخص سيتأثرون من الأزمة، وينضمون إلى طابور العاطلين عن العمل الذي وصل إلى نحو 13% قبل الأزمة، ويرتفع لدى الشباب ليصل إلى نحو 25%، حسب الإحصائيات الرسمية[7].

وتشهد تركيا تزايدًا ملحوظًا في نسب البطالة خلال السنوات الثلاث الماضية، بعدما كانت تتراوح في حدود 10%؛ وهو ما يرجع إلى استمرار فقدان الوظائف وإغلاق الشركات وتجميد الأعمال، بينما توقَّع صندوق النقد الدولي وصول نسبة البطالة إلى 12.9% عام 2020؛ وهي النسبة التي يتوقع تغييرها بشكل كامل بناءً على المتغيرات الجديدة.

اقرأ أيضًا: كيف تتدخل تركيا عسكريًّا في ليبيا؟

-التدخل السياسي في القرارات الاقتصادية: منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يتدخل في جميع القرارات الاقتصادية؛ من أجل تحقيق مكاسب سياسية.

فعلى الرغم من المشكلات السياسية التي أسهمت في تفاقم أزمة انخفاض قيمة الليرة على مدى العام الماضي بنسبة 10% مقابل الدولار؛ فإن ثمة أمورًا سياسية دفع ثمنها الاقتصاد التركي، بداية من الصدام مع الولايات المتحدة ثلاث مرات في أقل من 15 شهرًا؛ الأولى بسبب أزمة حبس القس برانسون، في الربع الأخير من 2018، مرورًا بأزمة شراء الصواريخ الروسية وما تبعها من توتر في العلاقات مع واشنطن، وصولًا إلى قرار التوغل التركي في الأراضي السورية في أكتوبر الماضي، فضلًا عن الأزمات المتزايدة مع دول الاتحاد الأوروبي؛ سواء بشكل مباشر بسبب التنقيب عن الغاز في الحدود القبرصية وملف اللاجئين، أو بشكل غير مباشر ارتباطًا بالتدخل العسكري في ليبيا[8].

تدخل أردوغان في سياسات البنك المركزي التركي بشكل مباشر – رويترز

تدخَّل أردوغان في الاقتصاد وَفق قناعاته الشخصية بشكل واضح خلال العام الماضي؛ وهو ما جعل وكالات التصنيف الدولية تخفِّض التصنيف الائتماني لتركيا، فاستمرار سياسة الرئيس التركي المركزية وغموض آلية اتخاذ القرار وصعوبة التنبؤ بما سيحدث في المستقبل من قرارات أسهمت في النظرة إلى الاقتصاد التركي باعتباره اقتصادًا قائمًا على القرارات الفردية للرئيس الذي دمج وزارتَي الخزانة والمالية وأسندهما إلى صهره بيرات البيرق؛ وهو لا يمتلك خبرة طويلة ليتولَّى هذا المنصب، الأمر الذي عرَّضه إلى انتقادات كبيرة قابلها أردوغان بالوعيد لمطلقيها[9].

اقرأ أيضًا: الدور التركي في ليبيا.. قراءة للسياقات الداخلية والإقليمية

الخلاصة

على الرغم من الآثار الاقتصادية السلبية لانتشار فيروس كورونا على مختلف دول العالم واقتصاداتها؛ فإن التأثير على الاقتصاد التركي سيكون مضاعفًا ويمتد ليس فقط على الأوضاع الداخلية، عبر تزايد الغضب الشعبي المتوقع ضد الرئيس رجب طيب أردوغان، وهو ما سينعكس حتمًا عليه وعلى حزبه في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة؛ ولكن سيصل أيضًا إلى ترتيب الاقتصاد التركي على مستوى العالم.

فوَفق المؤشرات والأرقام الجديدة ستكون تركيا مرشحة بقوة للخروج من قائمة أقوى 20 اقتصادًا عالميًّا؛ وهو أمر يرتبط بشكل واضح بتزايد الديون وفقدان الثقة في الأداء الاقتصادي بشكل عام؛ خصوصًا بعد فقدان ادعاءات استقلالية البنك المركزي عن الحكومة بشكل كامل.

ومع استمرار انهيار الاحتياطي النقدي، فربما تلجأ تركيا إلى طلب قرض من صندوق النقد الدولي قبل نهاية العام الحالي؛ وهي خطوة إن أقدم عليها النظام التركي سيكون عليه القبول بمزيد من إجراءات الإصلاح الاقتصادي التي لن يستطيع تحمل تباعتها داخليًّا، فضلًا عن تقديم تنازلات من أردوغان؛ لمنح استقلالية لعدد من المؤسسات الاقتصادية التي فرض سيطرته عليها.

المراجع

[1] https://www.skynewsarabia.com/world/1331935-%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D9%83%D9%88%D8%B1%D9%88%D9%86%D8%A7-%D9%87%D9%84-%D8%A7%D9%95%D9%8A%D8%B7%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9%D8%9F

[2]https://www.cnbcarabia.com/news/view/62538/%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B9-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D8%AF%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%AD%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D9%80-17-%D9%81%D9%8A-2019.html

[3] https://ara.reuters.com/article/worldNews/idARAKBN21F0BB

[4] https://www.mubasher.info/news/3591684/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7-%D9%8A%D8%B3%D8%AC%D9%84-%D8%A3%D8%A8%D8%B7%D8%A3-%D9%88%D8%AA%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D9%86%D9%85%D9%88-%D8%B3%D9%86%D9%88%D9%8A-%D9%81%D9%8A-10-%D8%A3%D8%B9%D9%88%D8%A7%D9%85/?currentUserCountryCode=–

[5] https://aawsat.com/home/article/2046686/%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86-%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7-%D9%8A%D9%82%D8%B1-%D9%85%D9%8A%D8%B2%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-2020-%D8%A8%D8%B9%D8%AC%D8%B2-%D9%85%D8%AA%D9%88%D9%82%D8%B9-23-%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%B1

[6]https://www.independentarabia.com/node/80811/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A/%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF-%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7-%D9%81%D9%8A-2020-%D8%B9%D8%AC%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B2%D9%86%D8%A9-%D9%8A%D9%82%D9%81%D8%B2-72-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%86-%D8%AA%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82%D9%85

[7] https://www.zeit.de/politik/ausland/2020-03/tuerkei-coronavirus-pandemie-recep-tayyip-erdogan/seite-2

[8] https://ahvalnews.com/turkish-lira/lira-flash-crash-erdogan-double-down-leaves-turkey-exposed

[9] https://al-ain.com/article/erdogan-finance-measures-dismissal

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة