الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

تبادل الأسرى في اليمن.. بادرة سلام أم انتهازية؟

يمكن تفسير تعيين سفير إيراني لدى حكومة الحوثيين في صنعاء كإحدى الجزرات الممكن منحها للحوثيين وإيران لتمهيد المضي قدماً في حل شامل للسلام في اليمن.. لكن هذه الخطوة التي صاحبت تبادل الأسرى لاقت استغراباً واستنكاراً واسعاً من قِبل الكثيرين

اليمن – منير بن وبر

تأتي أكبر عملية تبادل أسرى بين أطراف النزاع في اليمن لتأكيد استمرار الحوار وأهمية الوسطاء. ومع أنها، من الناحية العملية، ليست سوى خطوة في مشوار الألف ميل لإنهاء الصراع وتطبيع الحياة في اليمن المُدمَّر؛ فإنه يُنظر إليها على نطاقٍ دولي واسع كمؤشر جدير بالترحيب.

كان أطراف النزاع في اليمن قد اتفقوا، أواخر عام 2018، على تبادل إطلاق جميع الأسرى والمعتقلين والمفقودين والمحتجزين تعسفياً والمخفيين قسرياً، وحتى أولئك الموضوعين تحت الإقامة الجبرية. تبادل الأطرافُ كشوفاتِ الأسماء، التي تجاوز عددها قرابة 16 ألفاً؛ لكن الصفقة لم تتم. كان ذلك الاتفاق تقدماً هائلاً بالفعل عند مقارنته بما أُحرز مؤخراً؛ حيث تم الإفراج عن ما يزيد على ألف أسير فحسب؛ أي نحو 7 في المئة فقط من الرقم المأمول، وخلال فترة زمنية طويلة نسبياً.

شاهد: فيديوغراف.. تبادل الأسرى والمعتقلين بين الحكومة والحوثيين في اليمن

وعلى الرغم من الفارق الكبير بين حجم الطموح وما أمكن تحقيقه فعلياً؛ فإن صفقات السلام، بشكل عام، ليس بالضرورة أن تتم بنفس الوتيرة المُكلفة دائماً؛ إذ يمكن لتغيُّر الظروف المحيطة وموازين القوى أن تفعل فعل السحر في المُضي قدماً بشكل أسرع. يُمكن فهم تأثير عوامل مُشابهة من خلال دعوة وزير الخارجية في حكومة الحوثيين لدول التحالف “لتغليب العقل والحكمة والظروف المواتية إقليمياً ودولياً.. والولوج في عملية تفاوض مباشر مع حكومة الإنقاذ الوطني”، وذلك في تصريح له لوكالة الأنباء اليمنية التابعة للحوثيين.

تغيُّرات ووساطات

شهدت المنطقة مؤخراً تغيرات جذرية؛ أبرزها اتفاقات السلام مع إسرائيل بوساطة أمريكية، والتي من شأنها التأثير بشكل غير مباشر على الحرب في اليمن من خلال تضييق الخناق على المساعدات الإيرانية للحوثيين، ودفع طهران نحو التفكير أكثر في ممارساتها في اليمن، وكذلك دفع الحوثيين لإعادة تقييم تحالفاتهم ومصالحهم. ويمكن ملاحظة التأثير المحتمل لتلك التغييرات من خلال مبادرة السلام التي قدَّمها الحوثيون في سبتمبر الماضي، والتي تضمَّنت تسعة مطالب للحوثيين لإيقاف توغلهم في محافظة مأرب، والدعوة إلى رفع الحصار والانخراط في مفاوضات لإنهاء الحرب.

وبالإضافة إلى التغييرات غير المتوقعة أحياناً، يُمكن لفعالية الوسطاء تقديم قوة لا غِنى عنها لدفع المفاوضات. وقد أدَّت سلطنة عمان دوراً في التوسُّط في عملية التبادل الأخيرة؛ استكمالاً لدورها الحيادي ومساعيها للسلام، واستغلالاً لتأثيرها وعلاقاتها بأطراف الصراع. يُذكر أن عمان قد لعبت دور الوسيط أكثر من مرة في الأزمة اليمنية، وكان من بين مساعيها المهمة التوسُّط في ما عُرف بـ”مبادرة كيري” التي أعلن عنها وزير الخارجية الأمريكية السابق جون كيري، في عام 2016.

وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري مع سلطان عمان الراحل رحمه الله- أرشيف

قضت خطة كيري بسحب الحوثيين أسلحتهم من العاصمة صنعاء، ومنحهم فرصة المشاركة في حكم البلاد وتشكيل حكومة وحدة وطنية. ورغم فشل المبادرة؛ فإنه تم إحياؤها من جديد في العام الماضي من خلال محادثات أمريكية مع الحوثيين في مسقط.

اقرأ أيضاً: هل تحيد عمان عن دورها السلمي المهم في المنطقة؟

 يُنظر إلى المحادثات بين الولايات المتحدة والحوثيين كامتدادٍ للحوار بين واشنطن وطهران من خلال القنوات الخلفية، والتي من بينها عمان، ومن غير المستبعد أن تُبدي الولايات المتحدة بعض المرونة في هذا الشأن عبر منح الحوثيين بعض التنازلات المشجعة على الحوار المثمر بما لا يتجاوز الثوابت الجيوسياسية في المنطقة.

تنازلات أمريكية

لا يمكن بدقة التكهن بماهية التنازلات التي يمكن لواشنطن تقديمها للإيرانيين في مختلف الملفات، والتي من بينها الملف اليمني؛ لكن يبدو أن التنازلات ضرورية إن أراد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إضافة نصر آخر في الشرق الأوسط، ربما يُصبح التوصُّل إلى اتفاق مع إيران نصراً مدوياً، وربما يؤدي قطعُ الوعد بذلك إلى زيادة فرص فوز ترامب بالانتخابات، ووفقاً للصحفي الإيراني ومراسل “بي بي سي” الفارسية، مسعود بهنود، في تغريدة له في أغسطس الماضي، فإن ترامب وإيران يقتربان من اتفاقٍ مُربح للطرفَين؛ إذ إن ترامب يقدِّم التنازلات عشية الانتخابات.

وفي حين أنه لا يوجد دليل قاطع على حوار بين واشنطن وإيران، إلا أن ترامب قد أبدى استعداده أكثر من مرة للحوار. كما قالت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، في رسالةٍ إلى مجلس الأمن الدولي عقب مقتل قاسم سليماني، إن الولايات المتحدة مستعدة للتفاوض مع إيران “بهدف منع المزيد من تعريض السلام والأمن الدوليين إلى الخطر أو تصعيد النظام الإيراني”.

اقرأ أيضاً: هل يؤثر التطبيع مع إسرائيل على الحرب في اليمن؟

خطوات مُستنكَرة

وبالنظر إلى تلك المعطيات، يُمكن تفسير تعيين سفير إيراني لدى حكومة الحوثيين في صنعاء كإحدى الجزَرَات الممكن منحها للحوثيين وإيران لتمهيد المُضي قُدماً في حل شامل للسلام في اليمن؛ لكن هذه الخطوة التي صاحبت تبادل الأسرى لاقت استغراباً واستنكاراً واسعاً من قِبل الكثيرين، كما نفى مكتب المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن أي دور في نقل السفير، حسن إيرلو، إلى صنعاء؛ خصوصاً أنه من المحتمل أن إيرلو قد كان قائد التدريبات على الأسلحة المضادة للطائرات في معسكرات التدريب الإيرانية، حسب بعض التقارير.

مبنى السفارة الإيرانية في صنعاء- AFP

وبغضِّ النظر عن جدوى تعيين سفير إيراني في صنعاء، وما إذا كان ذلك مجرد دليل آخر على انتهازية الحوثيين أم لا، فإن طهران كان لديها بالفعل سفير في اليمن، والعلاقة بين الطرفَين لا تزال على مستوى سفير، هذا بالإضافة إلى امتلاكها تمثيلاً دبلوماسياً مع بعض الدول المشاركة في التحالف العربي في اليمن؛ كالإمارات والكويت.

ومن جانب آخر، تمثِّل عملية تبادل الأسرى بحد ذاتها، بما يصاحبها من التزام حوثي، خطوة صغيرة لكن مهمة لإثبات أن المجتمع الدولي يمكنه التعامل مع الجماعة، ومواصلة الحوار الذي يعني مواصلة الدبلوماسية، وهو أمر مهم في أية عملية تفاوض طويلة المدى وإن كانت مجهدة ومكلفة، وربما مثيرة للجدل والحيرة أحيانا.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة