الواجهة الرئيسيةشؤون خليجية

تاريخ قطر الحديث – سلسلة من الانقلابات ودعم الجماعات المتطرفة

من انقلابات داخلية إلى دعم المتطرفين خارجياً

خاص كيو بوست –

لم يحدث أن مرت على قطر سنوات طويلة دون حدوث انقلابات أو صراعات سياسية على السلطة، بين أفراد أسرة آل ثاني الحاكمة. منذ سنوات انشقاقها عن السيادة البحرينية ووقوعها تحت الحكم العثماني، تحولت قطر إلى مكان تكثر فيه الخلافات بين أفراد الأسرة الحاكمة، بهدف الوصول إلى السلطة وفرض الأجندات الخاصة دون وجود أي شكل من أشكال التنظيم السياسي داخل الإمارة.

صامويل تادرس

في خمسينات القرن الماضي، كانت قطر إمارة صغيرة، ورغم ذلك فقد عانت هذه الإمارة من سلسلة من الانقلابات الفاشلة والناجحة التي جرت على أيدي أفراد من الأسرة الحاكمة ضد الحاكم من أخ أو ابن أو ابن العم، الأمر الذي أدى إلى إحداث حالة دائمة من عدم الأمان داخل أروقة القصر الأميري، بفعل الخوف الدائم من قيام انقلابات على الحاكم من قبل أقاربه، بحسب ما يوضح صامويل تادرس الخبير في شؤون جماعة الإخوان المسلمين في معهد هادسون.

في طفولة الأمير السابق لقطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني كانت قطر قد رزحت تحت الوصاية البريطانية لأكثر من خمسين سنة، وخلال تلك الفترة كانت الأسرة الحاكمة قد عانت من التآمر على أفراد العائلة من قبل بعضهم البعض لسنوات طويلة.

عام 1940 وبعد 27 عاماً من حكم آل ثاني لإمارة قطر، أجبرت الأسرة الحاكمة أمير البلاد عبد الله بن جاسم على التخلي عن السلطة. وقد كان هذا التنازل تنازلاً شكلياً لابنه حمد بن عبد الله، جد الشيخ حمد بن خليفة، الذي كان –أي حمد بن عبد الله- قد تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة بسبب علاقة نسائية بحسب ما يوضح علي آل دهنيم، المعارض القطري وضابط المخابرات السابق، الذي أوضح أن مثل هذه القصة لا يمكن أن تذكر في كتب التاريخ القطرية، وإنما كانت محفوظة داخل ملفات المخابرات فقط، والتي اطلع عليها بوصفه ضابط مخابرات.

وبعد فشل هذه المحاولة، وتسلم علي بن عبد الله السلطة في الإمارة، تعرض هو الآخر لمحاولة اغتيال عام 1960 في بيروت، حين أطلق ابن أخيه النار عليه في محاولة لاغتياله. ورغم أن الحادثة هي الأخرى لم تحظَ بتغطية وسائل الإعلام القطرية، إلا أن صحيفة ناطقة بالإنجليزية أوردت تفاصيل الحادثة، كما يظهر في الفيديو التالي.

بعد ذلك استمرت محاولات الاغتيالات والانقلابات داخل الإمارة وصولاً إلى الشيخ حمد بن خليفة الذي نفذ انقلاباً أبيض ضد والده، واستولى على الحكم. وبتتبع التاريخ الطويل لقطر، شعر حمد بأن كل أفراد الأسرة الحاكمة القريبين منه لا يثقون به، وبأنه قد يتعرض في أي لحظة لعملية مشابهة لما حدث مع والده وجده وأسلافه من قبل. لذلك، ظل الشيخ حمد حذراً ويقظاً خوفاً من مصير مماثل لمصير من سبقوه. كما شعر حمد أن كثيراً من القطريين لا يثقون به، خاصة أصدقاء والده من العائلات الكبيرة في قطر، الذين رفضوا تقديم المساعدة له في عمليات الإعمار التي وضعها أساساً لحكمه.

لقد كانت معظم الأراضي التي أراد حمد السيطرة عليها لصالح مشاريعه المستقبلية بيد العائلات الكبيرة التي كانت تربطها علاقة قوية بوالده. ومع رفض هذه العائلات تقديم المساعدة له، لجأ إلى حيلة أخرى تقوم على طمر مياه البحر وتحويلها إلى أراضٍ صلبة تقوم عليها مشاريعه الاقتصادية. لقد أسهم ذلك في القضاء على المشاريع الاقتصادية لهذه العائلات، عبر المساهمة في خفض أسعارها بشكل كبير جداً، بعد أن أصبحت بعيدة عن الشواطئ القطرية، وبالتالي تحولت الأهمية الاقتصادية إلى الأراضي التي طمرها وأصبحت ملكاً خالصاً له.

ومن هنا، انطلق حمد عام 1996 بمجموعة من المشاريع الاقتصادية التي كانت تهدف إلى جلب الأموال اللازمة لتطبيق سياساته التي ستتكشف خلال السنوات القادمة. لقد كان حمد يهدف من خلال ذلك إلى الكسب المادي الوفير من أجل كسب النفوذ السياسي على الساحة السياسية الإقليمية والدولية عبر الحصول على قوة المال، وتوظيفه من أجل السياسة. ولم تكن العقارات والشركات التي أنشأها تكفي لتمويل هذه المخططات، فعمد إلى الاستدانة من الدول الخارجية بمبالغ مالية ضخمة.

مروان اسكندر

يقول د. مروان اسكندر، المستشار المالي للشيخ حمد بن خليفة آل الثاني سابقاً إن سنوات التسعينات من القرن الماضي شهدت تعاظم رأس المال القطري الذي أصبح يقدر بحوالي 7 مليارات دولار، مستفيدًا من الالتحام المصلحي بين قطر والولايات المتحدة الأمريكية.

لقد وصلت قيمة الاستدانة الخارجية لقطر حوالي 120 مليار دولار. وكانت العلاقة مع الولايات المتحدة قد تسببت بسيطرة شركة أمريكية كبرى على أكبر معمل للغاز الطبيعي. كانت هذه الشركة هي شركة اكسون برئاسة وزير الخارجية الأمريكي الحالي تيليرسون. وقد استخدمت الولايات المتحدة ذلك لفرض توجهاتها على قطر، وكان من بينها أن يسمحوا بإنشاء مركز تمثيلي تجاري لإسرائيل في قطر.

تدفقت الأموال الطائلة بالمليارات على قطر، وأسهمت في تمويل مشروع حمد بتعزيز نفوذه على الساحة الدولية، ومع ذلك فإن موقف حمد الداخلي كان لا يزال متزعزعاً، فوالده الذي انقلب عليه كان مصرًا على العودة واستعادة الحكم من جديد.

وقد أظهر التلفزيون الرسمي القطري لقطات لمحاكمة مجموعة من الأفراد الذين حاولوا الانقلاب على حمد، وقد علم لاحقاً أن بعضهم كان يعمل سرًا لصالح حمد أثناء الانقلاب المضاد، الأمر الذي ساعده في منع انقلاب والده عليه، مستغلاً الفرصة للتخلص من معارضيه وإحكام سيطرته على الحكم. على خلفية ذلك، سُجن 90 متهماً بالانقلاب، كما جرى نفي 6000 قطري من آل مرة إلى خارج البلاد، وفي بادرة غير مسبوقة في منطقة الخليج تم تجريدهم جميعًا من الجنسية وطردوا خارج الحدود.

لم تكن الحياة في المنفى سهلة على الأب المخلوع، وصودرت أمواله وهدد أقاربه وأجبروا على عدم التواصل معه. استصدر حمد مذكرة اعتقال بحق والده لدى الانتربول. بالتزامن مع مصادرة أمواله بالخارج، لدرجة أنه لم يتمكن من دفع تكاليف فندق كان يقيم به.

بعد عودة والده مضطراً إلى قطر لدفن زوجته، قام حمد بوضع أبيه تحت الإقامة الجبرية حتى وفاته، ومضى في مشروعه السياسي.

 

العلاقة مع الإخوان المسلمين: تبادل مصالح

على مدار سنوات طويلة، شكلت الدوحة الملاذ الرئيسي الآمن لجماعة الإخوان المسلمين، تلك الجماعة التي عادة ما ينظر إليها على أنها المسؤولة عن توجيه السياسة الإعلامية لقطر. تقرّبُ أمير قطر من الإخوان يبدو مناقضًا للبرنامج السياسي المتطرف الذي تتبناه الجماعة بمعارضة الأنظمة الملكية، لكنه كان في حقيقة الأمر تبادلاً مصلحياً بين الطرفين.

يقول صامويل تادرس، الخبير في شؤون الإخوان المسلمين إن العلاقة بين الطرفين كانت قائمة على أساس أن تجد قطر موطئ قدم لها في المنطقة، بشكل أوسع من دورها وحجمها التاريخي، بما يسمح لها في وقت ما أن تقود المنطقة.

كان تتويج قطر باستضافة كأس العالم 2022 واجهة حضارية أمام العالم تخفي خلفها تطلعاتها السياسية. وعندما انطلقت أحداث الربيع العربي دعمت قطر الجماعات الإرهابية والمتطرفين في عدد من دول المنطقة، ضمن رؤية تقوم على افتراض أن فرصتها قد حانت لتنفذ مخططاتها من خلال دعم جهات وأحزاب تكون تحت سلطتها. لقد تخلى حمد عن الناصريين والقوميين في تلك المرحلة، وقرر استخدام جماعة الإخوان اعتقادًا منه بأنهم الأمل في مساعدته لتنفيذ مخططاته، بالتزامن مع توظيف قناة الجزيرة لزعزعة الأمن في مصر ودول عربية أخرى.

 

فرض النفوذ الإقليمي

في السنوات الأولى بعد انقلاب حمد على والده قام بتثبيت قبضته على قطر من خلال توثيق علاقاته الأمنية والسياسية مع الولايات المتحدة ممهداً لمحاولاته فرض نفوذه الإقليمي.

للوهلة الأولى كانت الاستثمارات الكبيرة لقطر داخل كبرى الشركات العالمية تعد مظهراً طبيعياً لمثل هذا الاقتصاد الثري المواكب للقرن الحادي والعشرين، إلا أنها كانت بالنسبة لحمد قناعاً يضفي على الحكومة مسحة من الأهمية الدولية.

وقد استخدم حمد لضرورات التوسع الإقليمي جماعة الإخوان المسلمين. يقول ايريك تراجر الخبير في شؤون جماعة الإخوان المسلمين إن هذه الجماعة تعد جماعة دينية ذات تنظيم هرمي صارم تحاول تجنيد الأعضاء وتنظيمهم في الخلايا لنشر التفسير المسيس للإسلام الذي تتبناه الجماعة، حتى تتمكن من تعزيز نفوذها، إلى أن تستوفي القوة الكافية للهيمنة على الدولة، وتؤسس دولة إسلامية عالمية. لذلك يحاول الإخوان الإطاحة بالحكومات التي لا يدخل أعضاؤها في إدارتها ويعتبرونها خطراً جسيماً.

 

 

تنسجم سياسات قطر مع سياسة الإخوان في تقويض جيرانها، لذلك قدم لها الشيخ حمد دعمًا منقطع النظير، بالدرجة الأولى من خلال قناة الجزيرة. ومن خلال تسليم إدارة قناة الجزيرة للإخوان المسلمين زادت قطر بشكل كبير من قوة الإخوان ونفوذهم.

بعد اشتداد الأزمة السورية، دعمت قطر الجماعات الأكثر تطرفاً بالأسلحة والأموال، خاصة المنتمين للقاعدة وجبهة النصرة.

 

كما دعمت قطر المعارضة البحرينية وحاولت زعزعة أمنها، بهدف الحصول على نفوذ داخل الدول المحيطة.

ورغم أن قطر كانت تحاول الظهور بمظهر المحايد، إلا أن حمد كان خلف الكواليس يتعاون مع المعارضة لتحريضها، في الوقت الذي يحاول تهدئة حكومات الخليج الغاضبة على المستوى الرسمي. وقد أظهرت مكالمة مسربة بين حمد بن جاسم مع أفراد من المعارضة البحرينية، كانت قد بثتها قناة العربية، نوايا النظام القطري تجاه البحرين.

 

مرحلة تميم: السير على خطى الوالد

كان جيران قطر في الخليج العربي يأملون حدوث تغيير كبير في السياسة القطرية بعد تسلم تميم بن حمد السلطة في البلاد، لكن شيئاً لم يتغير، إذ سار تميم بن حمد على خطى والده، واستمرّ باحتضان جماعات متشددة على غرار ما فعله والده.

لقد خان الشيخ تميم اتفاق عدم التدخل في شؤون الجوار، الذي وقعه مع جيرانه الخليجيين، إضافة إلى نكثه العهد بوقف دعم جماعة الإخوان المسلمين، أو أي جماعات معارضة في دول الخليج؛ البحرين والسعودية وغيرها.. من شأنه أن يزعزع أمن المنطقة. ومع الوقت بات واضحاً أن والده هو الحاكم الفعلي الذي هرب من دور المواجهة وصار يحكم سياسات قطر من خلف الستار.

 

لذلك تعالت الأصوات الخليجية التي تطالب بضرورة التوجه إلى منع السلطات القطرية من متابعة تدخلاتها في الشؤون الإقليمية، الأمر الذي تطلب مواجهة السياسة القطرية عبر قطع العلاقات الدبلوماسية معها بشكل كامل، وعبر خطوات أخرى من شأنها أن تردع هذه التحركات التي من شأنها تقويض الأمن الإقليمي.

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة