الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون خليجيةمقالات

تاريخ الحلوى في السعودية والخليج

د.عبدالرحمن بن عبدالله الشقير♦

تعد الصناعات التحويلية للحلوى من مؤشرات التحضر؛ لأن الإنسان يتجاوز تصنيع الغذاء الضروري إلى غذاء الرفاهية، ثم يضفي عليها مسميات جديدة، ومعاني ثقافية جديدة وآداباً للمائدة تحدد أوقات أكلها، وأساليب تقديمها؛ فبعضها يقدم مع القهوة، وبعضها يؤكل بعد الوجبة الرئيسية؛ مما يعكس مستوى تحضره وتذوقه.

وقد شكلت الحلوى دوراً أساسياً في حياة الإنسان ورافقته في مسيرة تاريخية طويلة، وصارت جزءاً من ثقافته وحياته اليومية، وارتبطت الصورة الذهنية الشعبية للحلوى بكل ما هو جميل؛ إذ يوصف الشخص الوسيم بأنه حلو، ويوصف صاحب السلوك اللطيف بأنه سكر أو عسل أو قشطة، وقد تستخدم هذه الأنواع الحلوة في إلقاء تحية الصباح والمساء على الآخرين. وتأتي هذه المقالة نظراً لندرة الكتابات في موضوع الحلوى وتاريخه وعلاقته بتغير القيم الاجتماعية والاقتصادية.

اقرأ أيضًا: الشوكولاتة.. بدأت مُرَّة وصارت الحلوى الأكثر شعبية!

تاريخ الحلوى

يدخل تاريخ السُّكَّر والحلوى ضمن التاريخ الكبير للطبيخ والطعام، وللحلوى تاريخ طويل لا يقل عمره عن ثلاثة آلاف سنة، من الاستكشاف البشري وتطويره والبحث عنه في أنواع الفواكه والأشجار؛ من أجل إسعاد الإنسان، وتحسين تذوقه للأطعمة. وفي كتاب “الحلاوة والسُّلطة: مكانة السُّكَّر في التاريخ الحديث” لسيدني ومينتز (صدر باللغة الإنجليزية 1985، وترجم إلى العربية 2007 بتونس)، وصف دقيق لدور العالم العربي في إنتاج السُّكَّر وتصديره واستعمالاته في أنواع الحلوى.

ويحفل التراث العربي بأنواع الحلوى التي تصنع من السكر والعسل والدبس والجلاب، ومن المكسرات؛ مثل اللوز والفستق. وذكر محمد بن الحسن البغدادي بعض وصفاتها في كتاب “الطبيخ”، وأشار إلى وصفات المطبق والشابور والقطايف؛ مما يؤكد أن كثيرًا من أنواع الحلوى لا يزال يحمل مسمياته ومكوناته منذ ألف سنة حتى الآن. وفي كتاب “فضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان” لابن رزين التجيبي، قسم خاص بمكونات أنواع الحلوى. وأشار الحبشي في كتاب “معجم الموضوعات المطروقة” (2009) إلى عدد من الكتب والرسائل الصغيرة عن تاريخ السُّكَّر، واستعمالاته، وأحكامه الشرعية.

لقمة القاضي – أرشيف

ويشير كتاب “الطبخ في الحضارات القديمة” (2012) لكاني كوفمان، إلى أنواع من الحلوى التي عرفتها حضارة الرافدين؛ مثل كعك التمر والفواكه المجففة ومرسو (فطيرة التمر والفستق)، وساسقو (الثريد بالتمر)، كما عرفت الحضارة المصرية الكعك والتين المطهي.

كانت مؤلفات الطبيخ تصدر من علماء وأدباء، ثم انقطع التأليف في هذا الحقل لقرون طويلة، ولا يعرف حدودها، ولكنها عادت في الزمن المعاصر على شكل كتب مقادير طبخ من قِبل طهاة، وبعد ظهور التقنية ووسائل التواصل توقف إنتاج كتب الطبخ تقريباً، وحل محله مقاطع الفيديو أو الطبخ على الهواء مباشرة. ويتميز الأندلس سابقاً والمغرب العربي الآن بكثافة التأليف في الطبخ بوصفه ثقافة وحضارة.

اقرأ أيضًا: الحلوى الفلسطينية التي علَّمت الإسرائيليين الوقوف في الطابور

ويؤكد تاريخ خط سير الطعام أنه تحول من النيئ إلى المطبوخ، ثم ارتبط الطعام بالصحة والدواء، ثم ارتبط بالحلوى، ثم استقلت الحلوى بخط سير خاص بها.

صدمة الحلوى المستوردة

كانت طرق القوافل القديمة القادمة من الهند واليمن والشام تزود أسواق جزيرة العرب بأنواع التوابل والسكر، ثم جاءت “شركة الهند الشرقية البريطانية” (تأسست عام 1600م)، و”شركة الهند الشرقية الهولندية” (تأسست عام 1602م)، ونشطت الحركة التجارية في المنطقة من خلال زيادة المنتجات وتنوعها وإدخال بعض العملات المعدنية، وأدخلت الشاي (الشاهي) كمشروب خالٍ من السكر، ثم محلَّى بالسكر (سماه العامة الحلو)؛ مما زاد من شعبيته.

الصورة الذهنية للسكر

ارتبط السكر في أول دخوله إلى المجتمع بصورة ذهنية شعبية جيدة، وصار إحدى أدوات الوصف بالحلاوة، وكان الناس يضيفونه إلى الحليب والشاي. وقد عرف المجتمع السكر منذ زمنٍ مبكر، ويسميه بعضهم شَكِر، ويستخدم بإضافته إلى بعض المشروبات كالحليب إذا جاء مُراً، ويأتي في الشعر الشعبي غالباً لتشبيه ريق المحبوب، يقول الشاعر الغزلي المعروف محسن الهزاني:

له ريقٍ أحلى من برايد جزالا      وأحلى من السكر ليا جا من الشرق

ويبدو من البيت أن منطقة الجزيرة العربية قد عرفت السكر الهندي؛ بوصفها أهم دولة مصدرة للسكر إلى المنطقة من خلال الاستعمار أو شركة الهند الشرقية. ويقول الشاعر ابن حصيّص:

ريق سارة مثل شَكِر في غضارة     أو حليب ابكار عفر مسمناتي

فهو يوازن بين الحليب المحلى بالسكر بحلاوة حليب النياق التي شبعت من رعي النبات والزهر، وانعكس طيب الزهر على حليبها.

القشد – أرشيف

حلويات ما قبل عصر النفط

كان المجتمع السعودي يصنع حلواه من منتج بيئته قبل أن يعرف الحلوى المستوردة؛ إذ كانت كل منطقة تحصل على حلوياتها من خيرات مزارعها، وبعضها يُعد من أنواع الطعام قبل تمييز الحلوى عن الطبيخ، وهي إما منتجات موسمية؛ مثل: العنب، والجح (الحبحب)، والتين، والرمان.. وإما منتجات حيوانية كالحليب والزبد والسمن والأجبان، وإما صناعات تحويلية للأغذية؛ مثل: صناعة القشد، والمحلا، والحنيني، والزبيب المجفف من العنب، والتمر المكنوز والمجروش ومعبوط (المعجون مع إقط بسمن)، ودبس التمر. وهي ذات سعرات حرارية عالية، أو مصنفة كذلك؛ لأن الإنسان العادي بحاجة إلى طاقة جسدية، لأنه يبذل جهداً عالياً في يومه؛ بسبب اعتماده الكبير على المشي في التنقل وأداء أكثر مهامه بيده، والحلوى ليست مصنفة في الغالب؛ فهي حلوى الصغار والكبار، رجالاً ونساء.

طبق الحنيني – أرشيف

ويوجد في الحجاز قائمة حلويات ما بين محلية أو تعرفت عليها المنطقة من الثقافات الإسلامية عبر القرون، ومن أبرزها: اللقيمات والمشبك والمعصوب والحلاوة التركي وطبطاب الجنة والجنوحة.

وعرف المطبخ الحجازي أنواعاً من التقاء الثقافات المحلية والثقافات الفرعية والثقافات الإسلامية، وتشكل من ذلك أنواع من الحلوى؛ مثل: اللدو واللبنية والهريسة والمعجون وحلاوة بتاسي والمعمول والغريبة والكعك والجبنية أو الفلة، ومطجنة؛ وهي تعمل بالتمر والجبنة، وشعيرية بالحليب وساقودانة، وهي شبيهة بالمهلبية، والماسية تشبه الجلي. وقد أشار إلى بعض الحلويات كتاب “موسوعة ثقافة المجتمع المكي خلال نحو قرن ونصف القرن 1300- 1436هـ” (2015) لإسماعيل كتبخانة.

أما في الشرقية؛ خصوصاً الأحساء بوصفها من أقدم المدن الشرقية، ففيها: مفتوت وملتوت ولقيمات وجبنية ومبصل والحلوى البحريني وساقو وكليجا حساوية وحلوى حساوية.

وبطبيعة الحال تتداخل الثقافات المحلية والثقافات المتجاورة في ما بينها؛ إذ يلحظ أن المنطقة الجنوبية ذات مطبخ متنوع ومتشعب، بحيث تختلف مطابخ وحلويات عسير عن جيزان وعن نجران، كما تختلف حلويات السراة عن تهامة، إلا أن العسل والتمر والسمن تعد المكون الأساسي الذي يجمع ما بينها.

حلويات ما بعد النفط

أسهمت شركة “أرامكو” في استيراد كميات كبيرة من السلع والبضائع الجديدة، كما أسهمت في تموين الأسواق المحلية بالمنتجات الغذائية والحلويات والسكريات والمواد الخام لصناعة الحلوى. ثم بعد ذلك دخل عدد من التجار في استيراد الحلويات أو تصنيعها محلياً بكميات تجارية.

الكاسترد (التطلي) – أرشيف

اشتهرت مجموعة من الحلويات الشعبية؛ مثل التطلي والجلي، ويزداد ارتباطها بشهر رمضان، إضافة إلى المشروبات الباردة الحلوة؛ مثل: قمر الدين والفيمتو.

الحلويات المجاورة

امتاز الشعب البحريني بالحلوى البحرينية، كما امتاز الشعب العماني بالحلوى العمانية؛ وهي صناعات محلية قديمة، وتصنع من النشا والسكر والزيت، وتستخدم فيها الأعشاب العطرية لتزيينها، كالزعفران والهيل، إضافة إلى ماء الورد.

استطاعت الحلوى البحرينية والحلوى العمانية أن تكون جزءاً من شخصية المدينة القديمة، وأحد مكونات هويتها، وطبقاً رئيساً في المناسبات الرسمية والخاصة.

الحلوى البحرينية – أرشيف

حلويات الطفرة

كانت الطفرة الاقتصادية في بداية الثمانينيات فرصة للاستيراد والاستهلاك الكبير في السلع الغذائية؛ ومن بينها أنواع الحلوى المستوردة من أوروبا، مثل: أنواع الشوكلت الفاخر والشعبي، والحلويات الشامية كالبقلاوة والكنافة، ثم تحولت الحلويات إلى سوق اقتصادية كبيرة ومتكاملة.

الحلاوة الطحينية

تمثل الحلاوة الطحينية نقطة صفر في تاريخ صناعة الحلوى في الجزيرة العربية؛ لسرعة انتشارها في المجتمع وبين جميع الطبقات.

وهي تصنع من عجينة بذور نبتة السمسم، وكانت معاصر السمسم معروفة منذ أكثر من ستمئة سنة في الهند وتركيا؛ إذ تعصر فيؤخذ زيت السمسم للعلاج والاستخدامات الطبية والغذائية، أما عجينته فتُصنع منها الحلوى.

عرف المجتمع السعودي، في مرحلة الحداثة العمرانية والصناعية، منذ قرن من الزمان تقريباً، الحلاوة الطحينية، ودخلت إلى المجتمع من مصادر متنوعة؛ إذ عرفها الحجاز من بلدان الشام وتركيا ومصر، في حين دخلت نجد من خلال الكويت، وكانت تأتي مع التجار في “تنك”، وبطرق التهريب؛ خشية الضرائب.

ولكن شهدت مرحلة الطفرة الاقتصادية في بداية الثمانينيات انفتاحاً شعبياً واسعاً وحراكاً اجتماعياً غير مسبوق شمل جميع مفاصل الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وفي داخل هذا التغير والحراك ظهرت عادات غذائية جديدة، واختفت عادات قديمة، وتعرفت الطبقة الوسطى على أنواع من المأكولات والحلويات كان من أشهرها الحلاوة الطحينية، إذ انتشرت انتشاراً واسعاً، ولا يكاد يخلو بيت من وجود “تنكة طحينية”، يأكلها الأطفال بنهم، وتقدم للضيوف ضمن تشكيلة نواشف (أجبان وزيتون ومربى وعسل.. جاهزة للأكل في معلبات ولا تحتاج إلى طبخ)؛ تؤكل بالخبز.

اقرأ أيضًا: أشهر أنواع حلوى عيد الميلاد حول العالم

وفي حلقة “طحينية” من مسلسل “طاش ما طاش” الشهير، صوروا دخول الطحينية في المجتمع التقليدي البسيط على أنها من ترف الطبقة الفقيرة، وفي أحد المشاهد كانوا يأكلونها بالخبز وباليد، وتقدم في الصحن المعد لأكل الأرز، وهذه مبالغة يقصد منها تصوير حجم الصدمة الثقافية من خلال الحلاوة الطحينية وعدم الاستقرار حول تصنيفها ضمن آداب المائدة، والذي أدركته مع جيل بداية الثمانينيات أن الطحينية كانت مصنفة ضمن النواشف، وهي منتشرة بين جميع الطبقات الاجتماعية.

الحلاوى الطحينية – أرشيف

تحدث محمد عبدالحميد حلواني، في مقابلة مع صحيفة “الاقتصادية”، عن المصنع الحديث للحلاوة الطحينية (ماركة النخلة)، يقول: “أتذكر أن أكثر الزعماء إعجاباً بالحلاوة الطحينية هو الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وكنا نرسل له كميات إلى القاهرة، وذات مرة أرسل إلى جدة طائرة حملت عدة كراتين من الحلاوة الطحينية، وكذلك رئيس وزراء لبنان سليم الحص، فهو معجب بالحلاوة الطحينية من (حلواني إخوان)، ومن رجال الأعمال المتذوقين للحلاوة الطحينية يحضرني آنذاك الشيخ إسماعيل أبو داود، رحمه الله، والشيخ عبدالعزيز السليمان، وأحمد عبدالواسع رئيس المراسم الملكية سابقاً، وأحمد زكي يماني وزير البترول سابقاً.. وغيرهم ممن لا تحضرني الذاكرة”. ولم تعد الطحينية تصنف من الحلوى منفردة، إلا إذا كانت من مكونات الحلوى، وذلك بسبب تنوع بدائل الحلوى المستوردة والمصنعة محلياً.

ختام

لا يزال تاريخ الحلوى في الجزيرة العربية غير واضح المعالم، ولم تكتب سيرته حتى الآن، إلا أنه من المؤكد وجود حلوى موسمية للشتاء والصيف ورمضان والأعياد، كما يوجد خط سير جغرافي لبعض الحلويات، وحلويات مصنعة ومستقرة محلياً.

حاولت هذه المقالة التعرف على سيرة حياة الحلوى في الجزيرة العربية، وعلاقتها بالإنسان في حياته اليومية ومشاركتها له في مواسم العام، وتبين أن للحلوى تاريخاً طويلاً لم يُكتب حتى الآن، على الرغم من توجه المنظمات الدولية لتشجيع توثيق التاريخ المادي، وغير المادي للشعوب.

لم يلحظ في أنواع الحلوى وجود حلوى ذكورية وحلوى نسائية، ولا يوجد حلوى طبقية في بداياتها، إلا أنها تحولت إلى طبقية بوضوح مع زمن الطفرة الاقتصادية، وما بعد، وأصبحت أحد مجالات التمايز بالماركات وأساليب التعليب.

ارتبطت أنواع الحلوى بلحظات الأنس ولقاء الأهل والأصدقاء، وصارت أحد الأشكال الرمزية الاجتماعية لصناعة البهجة، وغالباً ما تقدم بعد وجبة الغداء والعشاء، أو تقدم مع القهوة والشاي.

♦أستاذ علم الاجتماع في جامعة الملك سعود بالرياض

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

د.عبدالرحمن بن عبدالله الشقير

الباحث السعودي، وأستاذ علم الاجتماع في جامعة الملك سعود بالرياض