الواجهة الرئيسيةترجمات

تاريخ التكفير وتفسيراته المختلف عليها

استغلال الخلاف التاريخي حول مفهوم التكفير لتبرير ممارسات المنظمات الإسلاموية المتشددة

ترجمة كيو بوست –

المصدر: مجلة “عين أوروبية على التطرف”، بقلم الخبير الإيطالي في شؤون الجماعات المتطرفة والإرهاب، فرانسيسكو بيرجوغليو إريكو.

إن التكفير سلاح دعاية حديث جدًا، يُستخدم من القاعدة وداعش وتنظيمات أخرى، لكن أصوله متجذرة في الأزمنة البعيدة. ومن أجل فهم هذا المصطلح بشكل أفضل، لا بد من السفر إلى جذور القرن السابع – مجموعات الخوارج والمرجئة.

اقرأ أيضًا: ما الفرق بين الأصولية، والراديكالية، والتطرف، والإرهاب، والفِكر الجهادي؟

ظهر الخوارج خلال معركة صفين عام 675 ميلادية، حيث اشتبك الخليفة الرابع علي بن أبي طلب ومعاوية بن أبي سفيان. خلال المعركة، وجهت قوات معاوية دعوة إلى علي وقواته للقبول بالتحكيم بين الطرفين. حينها، قبل علي بالعرض، لكن بعض قواته رفضته، ظنًا منهم بأن علي انحرف عن المسار بدلًا من الاسترشاد بالتوجيهات الإلهية، واعتقادًا منهم بأن هذا العمل يشكل إهانة لأمر الله، ما حث هذه القوات على الانفصال عن علي. حينها، أصبحت هذه المجموعة تعرف باسم الخوارج.

تركز التفكير العقائدي لهذه المجموعة على الميل تجاه الثورة على الحكام المسلمين، باعتبارهم غير متدينين بشكل كاف. عندما وافق علي على التحكيم مع معاوية، كان الانفصاليون، الذين عرفوا فيما بعد باسم الخوارج، يصرخون “لا إله إلا الله، والحكم لله وحده فحسب”، بمعنى أن الله وحده هو من يمتلك سلطة التحكيم وليس البشر، ولا حتى الخليفة علي.

وفي وقت لاحق، توجه الخوارج نحو تطبيق الأحكام القرآنية بشكل صارم للغاية، ما حثهم على قتال “المسلمين المذنبين” باعتبارهم كفارًا، وبالتالي وجوب طردهم من المجتمع. ولأن الخوارج اعتبروا المسلمين المذنبين كفارًا، قاموا فورًا بتطبيق الآيات القرآنية حول “الجهاد ضد غير المسلمين” عليهم. وهذا يعني، وفقًا للخوارج، أن تطبيق الجهاد لا ينحصر على قتل المذنبين من الناس العادين فحسب، بل يشمل الخليفة كذلك، وهو ما دفعهم إلى اغتيال علي عام 661 ميلادية.

أما العقيدة الثانية من أيديولوجية الخوارج، فتناولت مفهوم “الإيمان” و”الكفر”. فما هو الإيمان؟ ومتى يصبح المسلم كافرًا؟ في ذلك الحين، كان الجدل يدور حول ما إذا كان يجب اعتبار “الأعمال” جزءًا من الإيمان أم لا. وبكلمات أخرى، هل يقتصر الإيمان على القلب واللسان فحسب، أم على الأفعال كذلك. البعض، مثل الحنابلة والمعتزلة، اعتبروا أن الأفعال جزءًا لا يتجزأ من الإيمان، وبالتالي، لا يمكن أن يكون الإيمان كاملًا دون الأفعال. أما الحنفية، فاعتبروا أن الإيمان يكمن في القلب واللسان فحسب، وليس في الأعمال. وبالنسبة للخوارج، اعتقدوا أن القلب واللسان والأفعال جميعها تدل على إيمان المسلم، وبالتالي، اعتبروا أن هذه المكونات الثلاثة هي معايير لتحديد المؤمن من الكافر. وبناء عليه، اعتبر الخوارج أن المسلم الذي يرتكب ذنوبًا هو كافر لأن أفعاله أفسدت إيمانه القلبي.

اقرأ أيضًا: ما هو الإرهاب بالتحديد؟ ولماذا يربطه البعض بالإسلام؟

علاوة على ذلك، قسّم علماء السنة الكبائر والصغائر، أو الخطايا الكبرى والخطايا الصغرى، فقام الخوارج بتصنيف “الأعمال” ضمن الخطايا الكبرى، مثل القتل أو الزنا أو عبادة الأصنام أو الشرك. حينها، فصَل الخوارج الشرك عن الكبائر الأخرى، واعتبروا أن أيّ فعلٍ من أفعال الشرك يحوّل المسلم إلى كافر على الفور، ما يبرر تكفيره واعتباره مطرودًا من الإسلام مباشرة.

كان المسلمون بشكل عام يطالبون بتوفير دلائل إضافية من أجل اعتبار المسلم كافرًا، مثل التصريح اللفظي بالشرك أو الكفر، أما الخوارج فخالفوهم، واعتبروا أن المذنب بأية كبيرةٍ تحوّل المسلم إلى كافر على الفور، دون الحاجة إلى دلائل إضافية. وهكذا، برز تيار من المسلمين -الخوارج- الذين مارسوا تكفير المسلمين بناء على الكبائر، مخالفين الحركة السنية جميعها. العوام من المسلمين اعتبروا أن الإيمان يزيد وينقص بالأعمال، بينما اعتقد الخوارج أن الإيمان لا يتقلب، ولا يزيد ولا ينقص، بل إما أن يكون ثابتًا أو يذهب نهائيًا، وبالتالي يكفر من يذهب إيمانه.

أما المرجئة، فقد خالفوا الخوارج، واعتبروا أن الحكم يتبع لله وحده، وبالتالي، ينبغي “إرجاء” الحكم إلى يوم القيامة، بمعنى انتظار حكم الله على المسلم يوم القيامة. يعود مفهوم الإرجاء أو الإمهال حول “المرتدين” إلى القرآن ذاته، إلى سورة 9:106 بالتحديد؛ وهو ما دفع هذه الجماعة إلى تجنب الانحياز إلى أي جانب في أي نزاع. بالنسبة لهذه الجماعة، فإن الإيمان يتألف فقط من الإيمان المقيم في القلب وتأكيده في اللسان، وليس في الأفعال الملموسة، وبالتالي، لا يمكن النظر إلى أفعال الفرد لتحديد ما إذا كان مؤمنًا أو كافرًا. بالنسبة للمرجئة، فإن الكبائر لا تخرج الفرد من الإسلام، إلا في حالة التأكيد اللفظي الذي يؤكد كفره. وعلى عكس الخوارج، اعتبر علماء المرجئة أن الإيمان لا يتبدل بأفعال المعصية، وبالتالي لم يربطوا الأعمال بالإيمان.

اقرأ أيضًا: الإرهاب نقيض نفسه: ما معنى أن تكون إرهابيًا؟

 

استغلال الخلاف حول التكفير لتبرير أجندة التنظيمات الإسلاموية الجهادية

انتقل الخلاف العميق حول التكفير إلى عصرنا هذا، فاستخدمت التنظيمات الإسلاموية والجماعات الإرهابية هذا المفهوم لتبرير أهدافها وهجماتها الجهادية على المسلمين، باعتبارهم كفارًا مذنبين، بمن فيهم الحكّام. واستنادًا إلى هذا السجل التاريخي من النزاع حول مفهوم التكفير، اعتبرت التنظيمات الجهادية الناس العاديين أعداءً للإسلام الحقيقي والمؤمنين والأمة بأسرها، وبالتالي فإن للجهاد ما يبرره. في الحقيقة، تدافع التنظيمات عن هذا الموقف من خلال التلاعب بالعديد من نصوص القرآن والحديث.

وللأسف، العديد من الناس تقبّلوا هذا التلاعب باعتباره حقيقة، ما دفعهم إلى اعتناق “الجهاد” تحت وطأة الدعاية الإرهابية التي تعِد بالخلاص والجنة، من خلال “الطريق الحقيقي” لـ”الإسلام الحقيقي”. من الضروري فهم مصطلح التكفير تاريخيًا، ومعرفة كيفية استخدامه من قبل الجماعات الجهادية، ليس فقط من أجل الوقاية من التطرف، بل كذلك من أجل فهم مبررات إراقة الدماء التي تتبناها هذه الجماعات.

 

المصدر: مجلة “عين أوروبية على التطرف

 

حمل تطبيق كيوبوست الآن، من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة