الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون دولية

تأسيس هيئة جديدة.. فرنسا تواجه حركات الإسلام السياسي

حركات الإسلام السياسي تمتلك تأثيراً كبيراً على الجالية المسلمة في فرنسا وتثير قلق الحكومات المتعاقبة

المغرب- حسن الأشرف

طوت فرنسا بشكلٍ نهائي صفحةَ “المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية”، الذي كان الطرف الرئيسي الذي تحاوره الحكومة الفرنسية طيلة 19 عاماً، بالإنشاء الرسمي لهيئة جديدة اختارت له اسم “منتدى الإسلام في فرنسا”، تأمل في أن يكون بديلاً للمجلس، وممثلاً موحداً للمسلمين في هذا البلد الأوروبي.

وبإحداث الهيئة الإسلامية الجديدة، من حيث تركيبتها ومهامها، والأسماء المشكلة لها، تبحث السلطات الفرنسية عن القطع مع تيارات “الإسلام السياسي” التي كانت تتجاذب المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية الذي تم تأسيسه سنة 2003، كما تأمل النأي عن التدخلات الأجنبية في الشأن الإسلامي بفرنسا.

اقرأ أيضاً: في ظل صراع متواصل.. مَن سيمثل الإسلام في فرنسا؟

وتضم الهيئة الإسلامية الجديدة بفرنسا زهاء 100 شخصية، ثلثاها يتشكلان من مسؤولي جمعيات وأئمة ونشطاء محليين، تم اختيارهم عقب تنظيم مؤتمرات في مناطق وجهات البلاد خلال 3 سنوات بين 2018 و2020، بينما الثلث الباقي مشكل من شخصيات ذات تمثيل على المستوى الوطني بفرنسا.

إرشاد وإمامة و”نزعة انفصالية”

وشاركت، السبت الماضي لدى انعقاد “منتدى الإسلام بفرنسا”، شخصياتٌ ذات علاقة وطيدة بموضوع تمثيلية المسلمين بفرنسا، منهم محمد الموسوي، وأنور كبيبش، وشمس الدين حفيظ، وكامل قبطان، والمفكر حكيم قروي وآخرون، ولم يتم استدعاء “الإمامتان” إيفا جنادين وآن صوفي مونسيني، اللتين تدافعان عن “إمامة” النساء، درءاً من السلطات الفرنسية لاندلاع خلافاتٍ في بداية مسار الهيئة الجديدة.

شخصيات شاركت في المنتدى- (أ.ف.ب)

وناقش عشرات الفاعلين والناشطين، خلال المنتدى المذكور، أربعة مواضيع رئيسية، بحضور وزير الداخلية الفرنسي، جيرالد دارمانان.

الأول؛ يتعلق بإحداثِ سلطة دينية جديدة، تواكب الإرشاد الديني في الثكنات العسكرية والمستشفيات والمؤسسات السجنية، وهي المهمة التي كان يقوم بها المجلس الذي تم حله ذاتياً، بعد بروز انقساماتٍ حادة وسط الاتحادات المكونة له، فضلاً على توجه الحكومة الفرنسية صوب الهيئة الجديدة.

ويبدو أن هذه المهمة التي ستتولاها الهيئة الإسلامية الجديدة تروم محاصرة الفكر المتطرف الذي قد يتسرب إلى منتسبي الجيش الفرنسي، أو في السجون والمستشفيات، وذلك باعتماد إرشادٍ ديني (وعظ) معتدل ووسطي.

اقرأ أيضاً: فرنسا تكثِّف جهودها لمكافحة التطرف

والملف الثاني الذي حظي باهتمام ونقاش المنتدى يتمثل في مراجعة وضعية ومهام وتدخلات الإمام، وتحديد المجالات التي ينشط فيها، فضلاً على كل ما يتعلق براتبه، ومتى يبدأ عمله، ومتى ينتهي، ومن يتولى عقد عمله في المسجد، وغيرها من الأمور.

ويرى مراقبون أن هذا الملف تسعى من ورائه السلطاتُ الفرنسية وضع أعينها (من خلال المنتدى الجديد) على الإمام، وتحديد وظيفته بشكلٍ دقيق، باعتبار أنه العنصر المحوري في عملية التواصل والخطاب الديني، بغية توفر نظرة استباقية لكل ما من شأنه أن يؤدي إلى زرع ما تراه فرنسا خطاب عنصرية وكراهية وتطرف ديني.

والملف الثالث؛ يتجسد في كيفية تنزيل قانون مكافحة “النزعة الانفصالية” الذي تم اعتماده بفرنسا، خلال الصيف الفائت، وذلك من خلال دليلٍ إرشادي للجمعيات التي تسير المساجد، بهدف الحصول على تسيير وإدارة أكثر شفافية في أعين السلطات الفرنسية.

وأما الملف الرابع؛ في اهتمامات الهيئة الإسلامية الجديدة بفرنسا، فيتمثل في موضوع حماية دور العبادة من السلوكات والممارسات التي تحارب المسلمين.

وزير الداخلية الفرنسية في المنتدى- (أ.ف.ب)

مؤيدون ومعارضون

ولم يمر الإقرار الرسمي بعمل منتدى الإسلام بفرنسا دون إثارة جدل وسجال، بين مؤيدين للهيئة الجديدة، ومعارضين لشرعيتها وتمثيليتها للمسلمين بفرنسا.

وإذا كانت أغلب، إن لم تكن جميع، الآراء، تتفق على ضرورة مواجهة التطرف والإرهاب، من خلال سنِّ تدابير قوية تصب في هذا الاتجاه، فإن الرهان على الهيئة الإسلامية الجديدة -التي تأتي على أنقاض المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية- جاء مدثراً بكثيرٍ من النقاشات والتخوفات.

الحكومة الفرنسية بدَت مصرة على إحداث الهيئة الجديدة، ودعمها بكل السبل، وتعتبرها أداة رئيسية لمواجهة التطرف الديني، ولكن خصوصاً للحد من تدخلاتِ دول أجنبية في تدبير شؤون المسلمين في هذا البلد، وهو ما ظهر في تصريحات وزير الداخلية الفرنسي الذي قال لجريدة “لوباريسيان” بأن “فرنسا تأمل إطلاق ثورة للحد من التأثير الأجنبي على الإسلام، وبأنه لا ينبغي على الإسلام أن يعتمد على الأموال الأجنبية، وأي سلطات في الخارج”.

اقرأ أيضا: إمام مسجد بوردو: المجلس الفرنسي لا يمثل كل مسلمي فرنسا

وبالتالي، فإن المؤيدين لهذه الخطوة ينطلقون من الرؤية الحكومية لهذا الملف الشائك، كما يعتقدون أن المنتدى بتشكيلته المتنوعة والمكونة من نشطاء إسلاميين، وعلمانيين أيضاً، تهدف إلى حماية 5 ملايين مسلم من التدخلات الأجنبية، وأيضاً للاندماج في المجتمع الفرنسي، واحترام قيم الجمهورية.

وفي المقابل، يرى المعارضون لخطوة الحكومة الفرنسية أن المنتدى ليس سوى ستار لتمييزٍ ضد الأقليات المسلمة بفرنسا، حيث سيتم تحميلها كل عمل متطرف أو إرهابي محتمل، كما أن هؤلاء المعارضين يرون الخطوة “فرقعة إعلامية”، وانتخابية بالأساس، إذ -وفق هؤلاء- يسعى الرئيس إيمانويل ماكرون إلى استقطاب أصواتٍ من اليمين صوب الحزب الذي يتزعمه، قبل الانتخابات الرئاسية في أبريل المقبل.

 محاضن حركات الإسلام السياسي

رفيقي أبو حفص

ويعلِّق الخبير في الشأن الديني والحركات الإسلامية، رفيقي أبو حفص، على الموضوع بالقول إن مهام الهيئة الجديدة بفرنسا تأتي في سياق الأحداث الإرهابية التي شهدتها البلاد، والنقاش العاصف الذي طال مسألة اندماج المسلمين داخل فرنسا، وأوروبا بشكل عام.

ويرى رفيقي، ضمن حديثٍ مع “كيوبوست”، أن الهيئة الفرنسية الجديدة تعتبر إفرازاً لهذه النقاشات التي كانت مبنية في الأساس على العلاقة بين الإسلام والمسلمين من جهة، والإرهاب والتطرف من جهةٍ أخرى. وأبرز المتحدث أن أكبر مهمة لهذه الهيئة تتمثل في محاربة “الفكر الانفصالي” أو “الانعزالي”، مضيفاً أن الهيئة لن تمسَّ في شيء حقوق المسلمين بفرنسا.

الهيئة الجديدة تهتم بدور العبادة بفرنسا- (أ.ف.ب)

وشدد رفيقي على أن التخوفات القائمة من طرف البعض تعود أساساً إلى أن كثيراً من مسلمي فرنسا تربوا في محاضن حركات الإسلام السياسي. ويكمل بالقول: “وبالتالي يعتبر هؤلاء أن أي تدخل من الحكومة الفرنسية للحد من نشاط هذه الحركات هو محاربة للإسلام، وهذا غير صحيح”، وفق تعبيره. وجواباً عن سؤال مدى نجاح منتدى الإسلام بفرنسا، في مهامه الموكولة إليه، أوضح رفيقي أن ذلك قد لا يتحقق في المدى القريب، فليس من السهل تجاوز الخريطة التي تم صنعها خلال عقودٍ من الزمن.

انقسام المسلمين بفرنسا

وذهب الخبير ذاته إلى أن حركات الإسلام السياسي كانت، خلال العقود الماضية، أحد أكبر الأسباب المفضية إلى انقسام المسلمين داخل فرنسا، كما تسببت في تعدد ولاءات المسلمين هناك، فهناك الموالون إلى المغرب، وآخرون إلى السعودية، وموالون للجزائر، وآخرون يتبعون تركيا.. إلخ.

اقرأ أيضاً: فرنسا: ماذا يجري خلف كواليس محاربة المؤثرين الإسلاميين؟

ووفق رفيقي، فإن الهيئة -من خلال أسماء منتسبيها وتشكيلتها- تجنبت أغلب تمثيليات المراكز والمؤسسات التي كانت ممولة ومؤطرة من طرفِ حركات الإسلام السياسي، وتضم أسماء وشخصياتٍ معروفةٍ بعدائها لهذه الحركات.

وزاد رفيقي بأن حركات الإسلام السياسي لا تزال تمتلك تأثيراً في كثيرٍ من الجاليات المسلمة في فرنسا وأوروبا، لكونها تتقن دغدغةَ عواطف هذه الجاليات وهوياتها. وخلص رفيقي إلى أن عدم تمثيليةٍ لهذه المراكز قد يجعل من الصعب القول إن الهيئة الجديدة ستتمكن من توحيد المسلمين بفرنسا، لكن يبقى هذا أفضل خيار متاح في سياق تجفيف منابع الإرهاب داخل أوروبا، وتصفية الحسابات مع حركات الإسلام السياسي التي كان لها دورٌ سلبي في عدم اندماج كثيرٍ من المسلمين داخل المجتمع الفرنسي والأوروبي.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

حسن الأشرف

صحفي مغربي

مقالات ذات صلة