الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

تأثير الحضارمة في الحضارة الإنسانية

تبقى الحقيقة المُرَّة أن إنجازات الحضارمة العظيمة كانت غالباً -إن لم تكن دائماً- خارج وطنهم الأم حضرموت

منير بن وبر

تُصنِّف الموسوعة البريطانية الشاعرَ “امرؤ القيس” كأحد أكثر الكتَّاب المؤثرين في التاريخ، وذلك في كتاب “أكثر 100 كاتب مؤثر في كل العصور” الصادر في عام 2010م، وقد احتوى الكتاب اسمَين عربيَّين فقط، إلى جانب امرؤ القيس؛ هما أبو الطيب المتنبي ونجيب محفوظ. اشتملت قائمة المئة على أسماء كتَّاب عظماء؛ مثل وليام شكسبير، وفولتير، وفيكتور هوغو، وتشارلز ديكنز، ومارك توين.. وغيرهم. وفي حين أن أبا الطيب المتنبي يُنسب إلى قبيلة كِندة لولادته في حيِّها بالكوفة؛ إلا أنه ليس منهم فعلياً، فإن امرؤ القيس كِندي حضرمي من جنوب جزيرة العرب، ولا خلاف على ذلك.

عُرف امرؤ القيس كشاعر عظيم مخالِف لتقاليد بيئته، وقد قال الأديب والشاعر السوري محمد الجندي، عمّا وصل إلينا من شعره إنه “يكفي لأن يجعل امرؤ القيس إمام الشعراء المتقدمين والمتأخرين”. ويُقال إن امرؤ القيس قد تعلَّم الشِّعر منذ صغره من خاله المهلهل، أبي ليلي، الشهير بلقب الزِّير، والذي شارك في حرب البسوس؛ فكانت له فيها العجائب.

من أكثر ما عُرف عن امرؤ القيس هو معلَّقته الشهيرة التي تبدأ بـ:

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ .. بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُول فَحَوْمَلِ

يُنظر إلى مُعلَّقة امرؤ القيس على نطاقٍ واسع كأفضل تراث أدبي ورثه العرب من شِعر الجاهلية؛ حتى إنه ليُضرب بها المثل في الحُسن والشهرة، فيقال: «أشهر من قفا نبك!» و«أحسن من قفا نبك!». وكان مما قاله امرؤ القيس لعشيقته في معلَّقته:

أفاطِمَ مَهْلًا بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّلِ .. وإِنْ كُنْتِ قَدْ أزمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي

وَإنْ تكُ قد ساءتكِ مني خَليقَةٌ .. فسُلّي ثيابي من ثيابِكِ تَنْسُلِ

أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قَاتِلِي .. وأنَّكِ مَهْمَا تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَلِ؟

ترعرع امرؤ القيس في نجد، مُتسكعاً مع صعاليك العرب؛ حيث غلب عليه ورفاقه حب التسكُّع بين أحياء العرب والصيد والهجوم على القبائل وشرب الخمر واللهو والمجون. لم يكن نمط الحياة ذلك مُرضِياً لوالده؛ فأرسله إلى أعمامه في حضرموت علَّه يتغيَّر.

اقرأ أيضاً: دار المصطفى.. قصة منبر إسلامي معتدل من حضرموت

لكن أعمام امرؤ القيس لم يتمكنوا من تغيير ما شبَّ عليه الملك الضلّيل، كما هو لقبه؛ حيث استمر على حاله حتى أتاه خبر مقتل والده وهو يلهو على قمة جبل صيلع، في جنوب الهجرين بوادي دوعن في حضرموت، هناك حيث قال مقولته الشهيرة: “اليوم خمر، وغداً أمر”، لينطلق بعدها في رحلة ملحمية للثأر لأبيه؛ وهي رحلة طويلة انتهت بوفاته وحيداً غريباً في أنقرة- تركيا؛ حيث لم يستأنس إلا بقبرٍ لامرأة من بنات ملوك الروم قال فيها:

أجارتنا إن الخطوبَ تنوب .. وإنّي مقيمٌ ما أقام عسيبُ

أجارتنا إنّا غريبان ها هنا .. وكلّ غريبٍ للغريب نسيبُ

وإن كان امرؤ القيس هو أعظم شعراء العرب، وأحد مفاخر الحضارمة، فإن أبا يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي هو “أبو الفلسفة العربية” و”فيلسوف العرب”. يعود نسب الكندي إلى الملك الكندي الأشعث بن قيس الكندي، الذي قاد أحد وفود الحضارمة عام الوفود ليُسلِم بين يدَي رسول الله، ثم كان له دور بارز في عهد الخلفاء الراشدين.

رسمة تخيلية لما كان عليه بيت الحكمة حيث عمل الكِندي

وُلد أبو يوسف الكندي في أحد بيوت قبيلة كِندة بالكوفة، والذين استقرُّوا، كغيرهم من الحضارمة، في العراق منذ عهد الفتوحات الإسلامية. عُيِّن الكندي من قِبل الخليفة المأمون، سابع خلفاء الدولة العباسية، للعمل في بيت الحكمة ببغداد، جنباً إلى جانب مع علماء آخرين منهم عالم الرياضيات الشهير الخوارزمي. كانت دار الحكمة أول دار علمية في الحضارة الإسلامية، والمحرك الأول لبدء العصر الذهبي لها.

اقرأ أيضاً: كيف يدمر الصراع والإرهاب الحضارة البشرية؟

كانت المهمة الأساسية للكندي وزملائه في بيت الحكمة هي ترجمة المخطوطات العلمية اليونانية؛ لذلك أدَّى الكندي دوراً بارزاً في نقل أعمال أرسطو والأفلاطونيين المحدثين وعلماء الرياضيات والعلماء اليونانيين إلى العربية. يعتقد آخرون أن دور الكندي الأساسي كان صقل وتنقيح ترجمات الآخرين والتعليق عليها؛ نظراً لأن معرفته باليونانية لم تكن بالقدر الذي يمكِّنه من الترجمة بمفرده. وأياً كان دور الكندي حينها، فإن وجوده بين خزائن الكتب أكسبه المزيد من المعارف التي أضاف إليها وطوَّرها؛ ومنها الفلسفة التي اشتهر بها.

الموضوع الأساسي الذي تقوم عليه كتابات الكندي الفلسفية هو التوافق بين الفلسفة والعلوم الإسلامية؛ خصوصاً علم اللاهوت، تشمل أطروحاته الفلسفية قوله إن العالَم ليس أبدياً وإن الله مُطلق الوحدانية، وقد جعلته جهوده الفلسفية أول وأبرز الفلاسفة من الدم العربي الأصيل.

اقرأ أيضاً: الفلسفة.. مسيرة العقل البشري

وعلى الرغم من اهتمامه بالفلسفة؛ فإن الكندي كان عالِماً موسوعياً؛ حيث برع في عدة مجالات كالطب والرياضيات والموسيقى. لا تزال بعض إسهاماته قائمة إلى اليوم، وتؤدِّي دوراً مهماً في تقدم الحضارة الإنسانية، ومنها -على سبيل المثال لا الحصر- نشر نظام العد الهندي العربي في الشرق الأوسط وأوروبا، وهو نظام يستخدم الرمز (صفر) ويرتكز على فكرة الخانات العشرية.

كان نظام العد الشائع في أوروبا حتى أواخر العصور الوسطى هو باستخدام الأرقام الرومانية، وهو يعتمد على رسم عدد من الخطوط المتجاورة، ولم يكن يتضمَّن الصفر؛ مما يعني رسم عدد كبير من الخطوط عند التعبير عن الأرقام الكبيرة. في المقابل، كان نظام العد الهندي العربي في غاية البساطة وذا فائدة عظيمة، وقد اشتهر هذا النظام في الحضارة الإسلامية، ثم انتقل إلى أوروبا، لاستخدامه لأول مرة في كتاب «الجمع والتفريق بحساب الهند» للخوارزمي، و«في استعمال الأعداد الهندية» للكندي؛ فكانت تلك مرحلة محورية في نشر هذا النظام والأرقام العربية التي لا تزال تُستخدم في الشرق الأوسط وأوروبا وكثير من بقاع العالم إلى اليوم.

اقرأ أيضاً: آيات حديجان.. قصة فتاة يمنية تهوى الموسيقى

كانت الموسيقى أيضاً من بين عدة علوم اهتم بها الكندي، ويُنسب إليه أول استخدام لكلمة “موسيقى”، كما وضع قواعد للموسيقى وسُلَّماً موسيقياً من اثنتي عشرة نغمة، واقترح إضافة الوتر الخامس إلى آلة العود. وقد ألهمت أعمال الكندي الكثير من العلماء في الشرق الأوسط وأوروبا حتى اعتبره عالِم النهضة الإيطالي جيرولامو كاردانو، أحد أعظم اثني عشر عقلاً في العصور الوسطى.

إن أي سرد لتأثير الحضارمة، وأحفاد المهاجرين منهم، في الأمم المختلفة والحضارة الإنسانية، سيكون غير مكتمل ولا مُنصِف من دون الإشارة إلى المؤرخ التونسي ابن خلدون، والذي يرجع نسبه إلى الشخصية الحضرمية الصحابية المعروفة وائل بن حُجر، كما يشير ابن خلدون في سيرته الذاتية.

اقرأ أيضاً: لماذا ترك الحضارمة وطنهم؟

يُنظر إلى ابن خلدون كأحد أعظم فلاسفة العصور الوسطى من قِبل علماء عصر النهضة؛ مثل نيكولو ماكيافيلّي والعلماء الأوروبيين في القرن التاسع عشر، وتصفه الموسوعة البريطانية كأعظم مؤرخ عربي. ألَّف ابن خلدون كتاب (المقدمة) في عام 1377م كمقدمة لمؤلف ضخم سماه (كتاب العبر).

كان هدف ابن خلدون من (كتاب العبر) هو تدوين تاريخ عالمي للعرب والبربر؛ لكنه رأى ضرورة مناقشة المنهج التاريخي قبل الشروع في ذلك، من أجل التمييز بين الحقيقة والخطأ في التاريخ؛ فتناول في مقدمته أحوال البشر وأثر البيئة في الإنسان وتطوُّر الأمم والشعوب، وأسباب الازدهار وعوامل الانهيار.. وغيرها من الموضوعات، وقد وصف أرنولد توينبي، وهو من أشهر المؤرخين في القرن العشرين، جهود ابن خلدون بأنها “فلسفة التاريخ التي هي بلا شك أعظم عمل من نوعه تم إنشاؤه حتى الآن بواسطة أي عقل في أي وقت أو مكان”.

نُصب لابن خلدون في موسكو- روسيا

ربما يكون علماء مثل الكندي وابن خلدون هم أحفاد لأسلاف بعيدين جداً من الحضارمة، وربما لم يعرف هؤلاء حضرموت على الإطلاق؛ لكنهم كانوا يفتخرون بنسبهم العربي الأصيل، كما يفتخر الحضارمة بإنجابهم عقولاً نادرة في التاريخ. ومع ذلك، تبقى الحقيقة المُرَّة أن إنجازات الحضارمة العظيمة كانت غالباً، إن لم تكن دائماً، خارج وطنهم الأم، حضرموت.

الحلقة الأولى: لماذا ترك الحضارمة وطنهم؟

الحلقة الثانية: كيف أثر الحضارمة في جنوب شرق آسيا؟

الحلقة الثالثة: المهاجرون الحضارمة في قارة إفريقيا

الحلقة الرابعة: تأثير الحضارمة في المملكة العربية السعودية

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات