الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

بين عرض خدماتهم علنًا ومغازلة من وراء ستار.. حكومة الرئيس تبون تسيل لعاب الإخوان

الجزائر- علي ياحي

أعطت التعيينات التي يجريها الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، على مستوى مؤسسة الرئاسة ثم وضع ثقته في أكاديمي وأستاذ جامعي لقيادة الحكومة، وتشاوره مع رئيس الحكومة الأسبق أحمد بن بيتور، المعروف بمعارضته لنظام بوتفليقة، الانطباع أن الحكومة المنتظرة في الساعات القادمة تتكون من إطارات أكاديمية من المعارضة والموالاة غير متورطة في المشهد السياسي.

رئيس الحكومة الجديد عبدالعزيز جراد

ويراهن الرئيس تبون على حكومة تكنوقراط؛ لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية، في استجابة لوعوده خلال الحملة الانتخابية ومحاولة لكسب ثقة الشعب الذي خرج منذ 22 فبراير الماضي مطالبًا بالتغيير، وقد بدأ في إعادة ترتيب الأوراق داخل مؤسسات الدولة وبعث بنفس جديد في دواليبها باتجاه الجمهورية الجديدة “الموعودة”، وكانت الانطلاقة مع عودة شخصيات من “الأرشيف”؛ حيث عين مدير ديوانه السابق محمد الأمين مسايد، أمينًا عامًّا للرئاسة، ونور الدين عيادي الأمين العام لرئاسة الجمهورية خلال رئاسة عبدالقادر بن صالح، مديرًا لديوانه، وكذا تعيين أمحند أوسعيد وزيرًا مستشارًا ناطقًا رسميًّا باسم الرئاسة، الذي استقال من رئاسة حزبه ”الحرية والعدالة” عشية التعيين الرئاسي، وهو الذي شغل وزير الاتصال خلال حكم بوتفليقة، وعديدًا من المناصب في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد؛ ليضع على رأس الحكومة المنتظرة الأكاديمي عبدالعزيز جراد، الذي عمل خلال التسعينيات مع كلٍّ من الرئيسَين علي كافي وليامين زروال، في مؤسسة الرئاسة وأيضًا بوزارة الخارجية.

الناطق الرسمي باسم الرئاسة أمحند أوسعيد

وتضع تعيينات الرئيس تبون الشارع أمام الغموض بخصوص تشكيلة الحكومة المرتقبة، فخلال أدائه اليمين الدستورية وعد بمفاجآت تتعلق بوضع الثقة في شباب دون سن الثلاثين للاستوزار، ثم تصريح رئيس الحكومة عبدالعزيز جراد، بعد خروجه من مكتب الرئيس، بأنه يريد العمل مع كفاءات وإطارات الوطن لاستعادة ثقة الشعب.. ويتابع الشارع عمليات تنصيب “شيوخ” في مناصب المسؤولية، في خطوة أربكت الأحزاب التي تجاهلها الرئيس بإقدامه على تعيين رئيس الحكومة دون المرور على البرلمان وَفق الدستور، وهي التي تنتظر التفاتة عبر المشاركة في الحكومة.

اقرأ أيضًا: لماذا يجد الرئيس الجزائري الجديد صعوبة في تشكيل الحكومة؟

المحلل السياسي مومن عوير

يعتقد المحلل السياسي مومن عوير، في حديث إلى “كيوبوست”، أن الرئيس تبون في بداية المشوار وقد سبق أن صرح يوم إعلان فوزه بالرئاسيات، بأن أصعب شيء ينتظره هو تعيين الحكومة؛ لأنه “على دراية بالعمل الكبير الذي ينتظره و حكومته “، مشيرًا إلى أن البروفيسور عبدالعزيز جراد المعين كوزير أول، يعد من الإطارات التي هُمِّشت خلال الـ17 سنة الأخيرة من فترة بوتفليقة، كما أن أمحند أوسعيد المنصب كوزير مستشار للاتصال، محسوب على المعارضة، وعليه “أرى أن حكومة تبون ستتشكل من بعض وجوه المعارضة، سواء الحرة أو ذات انتماءات حزبية بما فيها الإسلاميون، وأخرى من خارج حقبة بوتفليقة”.

إن استقبال رئيس الوزراء السابق المعارض أحمد بن بيتور، من طرف الرئيس عبدالمجيد تبون، في مقر رئاسة الجمهورية، كشف عن سعي السلطة للعب على وتر إرضاء الشارع، ومعه بعض أطراف المعارضة، على اعتبار أن ابن بيتور، شخصية تحظى بثقة لدى المعارضة، قياسًا بمواقفها الثابتة تجاه الوضع والنظام السابق، وبالنظر إلى بيان رئاسة الجمهورية الذي تحدث عن أن اللقاء يندرج في إطار المشاورات حول الوضع العام للبلاد وكذا الشخصيات التي من شأنها المساهمة في حلحلة الأزمة، فإن الحكومة المقبلة ستتجاوز الوجوه التي استحوذت على الساحة السياسية خلال الـ20 سنة الأخيرة؛ خصوصًا من أحزاب الموالاة التي يبدو أنها تواجه التهميش بعد تجاهلها دعم الرئيس في الانتخابات الأخيرة، وكذا رفض الشارع عودتها إلى المشهد.

اقرأ أيضًا: انتخاب تبون رئيسًا للجزائر.. تدعيم المشهد السياسي داخليًّا بالشباب واستعادة الهيبة الدبلوماسية خارجيًّا

تعود مشاهد العشرية السوداء إلى أذهان الشعب الجزائري مع كل حديث عن الإسلاميين ومشاركتهم في الحكم، وتعود معها التخوفات من “صدام” بين الجزائريين بعد أحداث عنف وتقتيل ومجازر أليمة شهدتها البلاد خلال التسعينيات بين إسلاميين والجيش الجزائري من أجل السلطة، خلفت أكثر من 250 ألف قتيل وآلاف الجرحى وعشرات المفقودين؛ بسبب المقابر الجماعية التي يجهل مواقعها، بالإضافة إلى خسائر مادية تقدر بنحو 25 مليار دولار.

وبالنظر إلى تراجع نتائج الأحزاب الإسلامية خلال مختلف الانتخابات السابقة؛ خصوصًا مع فترة حكم الرئيس السابق بوتفليقة، فإن هذا التيار لم يعد له مكان بين الجزائريين، وهو ما يعتبر انتقامًا مما حدث خلال العشرية السوداء، فليس سهلًا أن تفتح جراحًا وتنبش في قبور الذكريات الأليمة التي يحاول الشعب التخلص منها عبر النسيان، رغم أن جرح الإرهاب غائر، ويحتاج إلى مزيد من الوقت حتى يندمل.

اقرأ أيضًا: الجزائر.. ما مصير الحراك الشعبي بعد انتخاب خليفة بوتفليقة؟

ويذكر أستاذ القانون والعلوم السياسية إسماعيل معراف، في حديث إلى “كيوبوست”، أنه سيتم اللعب على وتر الحراك عبر اختيار شخصيات مقبولة لدى الشعب، بالإضافة إلى الشباب والكفاءات المهاجرة، لأن السلطة تعيش وضعًا صعبًا، مضيفًا بخصوص إشراك شخصيات إخوانية في الحكومة، أن “الخطوة ممكنة جدًّا، لكن ليس بشكل واضح، على اعتبار أن الإسلاميين لم يعد لهم تأثير، وبالتالي فإشراكهم في الحكومة ليست له أهمية”، متابعًا بأن فكرة التحالفات غير واردة في أجندة السلطة ما دامت تملك ورقة طريق واضحة مدعومة من قوى دولية.

المحلل السياسي فاروق معزوزي

في المقابل، يقول المحلل السياسي فاروق معزوزي، في حديث إلى “كيوبوست”:” إنه حسب المؤشرات، لن يشارك الإخوان في الحكومة؛ كونهم تحفظوا عن الانتخابات ونتائجها بطريقة أو بأخرى، لكنَّ ثمة استثناءً واحدًا يتعلق بحركة البناء التي تعتبر مشاركتها ثابتة لاعتبارين، أولًا وجود أحد كوادرها على رأس البرلمان ممثلًا في شخص سليمان شنين، والثاني تصريح مرشحها للرئاسيات عبدالقادر بن قرينة، بأن يعرض خدماته على الرئيس تبون، ولا يمانع بخصوص المشاركة في الحكومة ولو بحقيبة وزارية غير سيادية.

وواصل معزوزي بخصوص الوجوه الجديدة، أنه ستكون حاضرة ولكن على سبيل المشاركة الشكلية لا الهرمية، وهي من أجل جبر الخواطر والإيحاء بأنها متنوعة، مضيفًا أن التحالفات ممكنة لتعزيز “شرعية الرئيس” وإدخال الحراك إلى بيت الطاعة، وهي أحد أهم رهانات تبون وفي نفس الوقت أحد أكبر التحديات.

وفي محاولة لاستدراك ما ضاع وسيضيع، سارعت حركة مجتمع السلم الإخوانية إلى عقد مؤتمر صحفي نشّطه رئيسها عبدالرزاق مقري، الذي ادعى أنه يتحفظ عن المشاركة في الحكومة القادمة، وأنه سيتم الفصل في الأمر في حينه، في إشارة واضحة إلى رغبته في الحضور لكن ليس شكليًّا.

اقرأ أيضا: الجزائر تعود إلى الأزمة الليبية.. خيارات الانحياز بين حفتر والسراج 

وفي السياق ذاته، ترى الإعلامية المهتمة بالشأن السياسي نسيمة عجاج، عضو الدائرة الإعلامية للرئيس تبون خلال حملته الانتخابية، في حديث لـ”كيوبوست”، أن إشراك أحزاب المعارضة والأحزاب الإسلامية في الحكومة أمر وارد جدًّا، لأن معيار الرئيس في الاختيار هو الكفاءة ونظافة اليد.

وقالت عجاج: “إن الرئيس ركز خلال حملته الانتخابية وحتى فوزه، على ضرورة الابتعاد عن التهميش والإقصاء والنزعة الانتقامية” ، مشيرة إلى أن تعيينه لوزير سابق في حكومة بوتفليقة، في منصب ناطق رسمي للرئاسة، واستقباله رئيس الحكومة الأسبق أحمد بن بيتور، يعزز التوجه في عدم استبعاد المعارضين من تشكيلة الحكومة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة