الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

بين صموئيل وصوفي.. فرنسا تقف حائرة أمام التعامل مع الانفصالية الإسلامية

في باريس كما في عديد من المدن الفرنسية، انطلقت تظاهرات حاشدة، يوم أمس الأحد. ورغم إجراءات الحد من فيروس كورونا القاضية بالتقليل من التجمعات؛ فإن ما حدث في ضواحي باريس يعد سابقة لم يعتد عليها الفرنسيون ولم يسمعوا بها إلا في قصص التنظيمات الجهادية التي كانوا يقرؤونها في الصحف ومواقع الإنترنت.

كيوبوست

“رجل صالح يحب الحرية”، هكذا وصفت الصحافة الفرنسية الأستاذ الفرنسي صامويل باتي، الذي تم فصل رأسه عن جسده في إحدى ضواحي باريس اﻷكثر تطرفاً.

 اقرأ أيضاً: ردود فعل منددة بتهديدات إبراهيم منير لفرنسا بعد خطاب ماكرون

وقف طلاب المدرسة الثانوية التي كان يدرس فيها معلم التاريخ والجغرافيا صاموئيل باتي، طويلاً أمام أبواب المدرسة يوم السبت؛ لإحياء ذكرى هذا الرجل الذي قضى مفصول الرأس عن الجسد على يد مراهق شيشاني، ساءه ما قام به هذا الأخير من عرض للصور الكاريكاتيرية المسيئة إلى النبي محمد، في إطار حديث تعليمي داخل الفصل عن قيم حرية الرأي والتعبير.

الشرطة الفرنسية تحقق في الحادث – وكالات

صدمة واسعة

في الحي الذي يسكنه السيد باتي، لا أحد يريد تصديق ما حدث بعد؛ فالرجل هادئ الطباع كان ينهي عمله في حدود الخامسة مساءً، ليسلك طريق الغابة عائداً إلى منزله، يقول جاره في الحي: لا يزال كل شيء على حاله، حتى بقع الدم الحمراء، بقيت لتشير إلى الفاجعة التي وقعت هنا؛ لقد قُطع رأسه على يد إرهابي شيشاني.

تظاهرات في فرنسا احتجاجاً على الحادث – وكالات

انضم أستاذ التاريخ إلى مدرسته هذه قبل خمس سنوات، بعد أن أخذ فصلاً تحضيرياً في مدرسة ثانوية في ليون، بعدها درس في جامعة لوميير ليون، قبل التحاقه بالمعهد الجامعي لتدريب المعلمين في المدينة نهاية التسعينيات، وبعد حصوله على الشهادة غادر إلى باريس لممارسة مهنته المحببة.

اقرأ أيضاً: أسئلة على هامش هجوم “شارلي إيبدو” الثاني

المعلم المغدور صاموئيل باتي

يتذكر طلابه أنه كان مهموماً بحريات التعبير، وكان يفتح هذا الموضوع بشكل دائم مع تلاميذ فصله الدراسي؛ خصوصاً أن غالبيتهم في هذه الضاحية ينحدرون من أصول إفريقية وآسيوية، وانتقلوا للعيش في فرنسا.. يتذكر بعضهم كيف أنه تناول في إحدى حصصه الدراسية ملف الحرب العالمية الثانية، وتفوه أحد التلاميذ بتعليقات معادية للسامية، فما كان منه إلا محاولة استيعاب الموقف وشرح الخطأ الذي وقع فيه الطالب، دون إثارة حساسيات داخل الصف، لقد كان “يجيد اختيار الكلمات”، كما يقول كل من عرفه هنا.

في عام 2015، عندما وقعت حادثة “شارلي إيبدو” الإرهابية، “أخذنا وقتاً طويلاً للحديث عن الأمر”، هكذا تؤكد إحدى تلميذاته لصحيفة “جورنال دو ديمانش”، لقد فتح الموضوع بشكل هادئ، وكان يبدو أنه مهتم بغرس مبادئ تعليمية بصورة تدريجية في أذهان الطلاب، وعندما عرض الرسوم في آخر حصة له، كان ذلك يدخل ضمن منهاج لحرية الرأي والتعبير؛ كان مكلفاً بتدريسه، وكان النقاش هادئاً كالعادة.

اقرأ أيضًا: تساؤلات حول ارتباط الهجوم الثاني على “شارلي إيبدو” بالإخوان المسلمين

في السابع من أكتوبر الحالي، عرض المدرس صوراً كاريكاتيرية للنبي محمد؛ لكنه طلب من الطلاب المسلمين مغادرة الصف قبل عرضها. إحدى الطالبات أخبرت والدها بما حدث، وهنا بدأت المأساة؛ حيث عمد هذا الأخير، عبر الشبكة المتطرفة التي يديرها على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى نشر صورة المدرس وعنوانه، محرضاً عليه، ومطالباً بمعاقبته، واصفاً إياه بالإسلاموفوبي وكاره المسلمين؛ الأمر الذي صعَّد من التهديدات التي أحاطت بصموئيل قبل مقتله بهذه الطريقة.

الرهينة الفرنسية صوفي باترونان

ملف معقد

تتقاطع هذه الحادثة البشعة مع حادثةٍ أخرى تمثلت في إطلاق سراح الرهينة الفرنسية والناشطة في العمل الإنساني، صوفي باترنان، والتي تم تبادلها مع مئات الجهاديين الماليين، وعند وصولها إلى فرنسا تحدثت عن حُسن معاملة خاطفيها، مؤكدةً أنها اعتنقت الإسلام في مالي، وبات اسمها مريم بدلاً من صوفي؛ وهي حادثة أثارت جدلاً واسعاً في فرنسا، واضطرت الرئيس الفرنسي إلى إلغاء المؤتمر الصحفي الذي كان مقرراً فور عودة صوفي أو مريم إلى فرنسا. هي مسألة جدلية في ظلِّ الحديث الذي تصاعد مؤخراً عن مسألة الانفصالية الإسلامية، والسبل الكفيلة بدمج عديد من المسلمين تحت مظلة القيم الجمهورية.

الشرطة الفرنسية أغلقت مقر الحادث فور وقوعه – وكالات

في باريس، كما في عديدٍ من المدن الفرنسية، انطلقت تظاهرات حاشدة يوم أمس الأحد. ورغم إجراءات الحد من فيروس كورونا القاضية بالتقليل من التجمعات؛ فإن ما حدث في ضواحي باريس يعد سابقة لم يعتد عليها الفرنسيون، ولم يسمعوا بها إلا في قصص التنظيمات الجهادية التي كانوا يقرؤونها في الصحف ومواقع الإنترنت. اليوم هناك “حرب مفتوحة”؛ لكن على مَن؟

الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون يتوعد بالمحاسبة

هذا هو السؤال الذي يحيِّر الكثير هنا، ويثير المخاوف من اندلاع ما يشبه الحرب الأهلية.. خيار يسعى الكثيرون لتجنبه؛ لكن الثمن سيكون غالياً دون شك.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة