الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون عربية

بين المساجد والمجتمع في حضرموت.. حكاية تروى

لقد أدت المساجد دوراً محورياً في حياة الناس والمجتمع في حضرموت لم يقتصر على العبادة والإرشاد والموعظة فحسب.. بل امتد ليكون حجر الأساس في تماسك المجتمع والإصلاح بين الناس

كيوبوست – منير بن وبر

أقلبت وفود أهالي حضرموت على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لتعلن إسلامها في السنتَين التاسعة والعاشرة للهجرة؛ مثلها مثل الكثير من قبائل العرب. وكان يرأس تلك الوفود الملوك والأمراء من مختلف مناطق حضرموت؛ مثل الأشعث بن قيس الكِندي ووائل بن حُجر اللذين كان لهما دور ملحوظ في دخول أهالي حضرموت في الإسلام، وبالتالي بدء اكتساب مدن حضرموت مظاهر المدينة الإسلامية؛ كالمساجد، منذ وقت مبكر.

وتذكر كتب التاريخ وجود المساجد بحضرموت منذ عهد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولعل من بين القصص المؤرخة التي تشهد على دورها في المجتمع، قصة خبر إعلان وفاة النبي، صلى الله عليه وسلم، حين أمر “أبوبكر الصديق”، رضي الله عنه، عاملَ الرسول في حضرموت، زياد بن لبيد الأنصاري، بأخذ البيعة على أهل حضرموت بعد وفاة النبي؛ فجمع زياد الناس في مسجد بمدينة تريم، وخطب فيهم وأخبرهم بنبأ وفاة النبي، ودعاهم إلى بيعة “أبوبكر”.

اقرأ أيضاً: لماذا ترك الحضارمة وطنهم؟

ظهرت الجوامع في العهد النبوي في مدن حضرموت الكبرى أولاً؛ مثل تريم وشبام والشحر[1]، ثم ما لبثت المساجد والمباني الدينية الإسلامية الأخرى تتوسع وتنتشر مع ازدياد أعداد السكان، وتوسع القرى والبلدات وظهور أخرى خلال القرون اللاحقة. وقد أضحت عمارة المساجد محل اهتمام وعناية فائقَين من رجال الدين والتجار والمجتمع؛ حتى إنه ليُذكر أن الشخص الواحد قد يؤسس عدة مساجد، مثل الشيخ أحمد بن زين الحبشي (1069- 1144هـ) الذي يُقال إنه أسس بضعة عشر مسجداً في أنحاء مختلفة من حضرموت خلال حياته[2].

لم يقتصر اهتمام الناس على تشييد المساجد فحسب؛ بل جرت العادة على أن يُوقف لتلك المساجد الأوقاف الكثيرة والمختلفة، مثل المزارع والعقارات؛ من أجل بقاء المساجد وتوسعها واستمرار وظيفتها الدينية والاجتماعية. كما اعتادت بعض المجتمعات في حضرموت أيضاً على تكليف أسرة واحدة بالقيام بأمور المسجد؛ مثل الأذان والإمامة والعناية والصيانة، وهي مهام يتوارثها أفراد تلك الأسرة جيلاً بعد جيل كما يُتوارث المُلك، وربما هذا من بين ما يفسر بقاء العديد من المساجد لمئات السنين دون أن تندثر أو تُهجر.

اقرأ أيضاً: تأثير الحضارمة في الحضارة الإنسانية

ومثلما عُرفت بعض الأُسر بالقيام بأمور المساجد، فقد اشتهرت بعض العوائل أيضاً بعمل أبنائها في بناء وعمارة المساجد؛ مثل البنَّائين من عائلة آل عفيف، الذين نفذوا بناء بعض أشهر المساجد في حضرموت؛ مثل مسجد المحضار في تريم، ومسجد الرياض في سيئون، ومسجد جامع قَسْم. ولعل أكثر ما يميز هذه المساجد هو مآذنها الطينية العالية والجميلة؛ حيث تُعد منارة مسجد المحضار (صورة الغلاف) المنارة الطينية الأطول في العالم، ويصل طولها إلى نحو 53 متراً، كما ترتفع منارة مسجد جامع قَسْم الطينية لنحو 24 متراً.

مسجد جامع قَسْم.. تريم حضرموت- أرشيف الكاتب

تعتبر المآذن الطينية العالية، المكسية باللون الأبيض عادةً، من أكثر ما يميز بلاد حضرموت، وقد بُنيت تلك المآذن بأشكال متنوعة؛ فمنها المربعة والمثمَّنة والأسطوانية والمخروطية، وهناك المنارة ذات القبة البيضاوية، وأخرى ذات القبة الكروية، وهناك المنارة ذات القبة الواحدة وذات القباب الأربع. ويعكس تنوع تصاميم المآذن تنوع الحُقب الزمنية والأنماط المعمارية، تماماً مثلما تعكس البيئة نوعية مواد البناء المستخدمة؛ حيث نلاحظ أن الطين وخشب شجرة السدر هما المادتان الأساسيتان في البناء؛ نظراً لتوافرهما وملاءمتهما لبيئة حضرموت الحارة.

اقرأ أيضاً: كيف أثر الحضارمة في جنوب شرق آسيا؟

وليست المساجد هي المباني الدينية الإسلامية الوحيدة التي حرص مجتمع حضرموت على إنشائها والعناية بها؛ بل انتشرت أيضاً أنواع أخرى من المباني، مثل الأربطة والزوايا والكتاتيب والأضرحة والقباب. وقد كان لبعض تلك المساجد والمباني دور تاريخي مهم في حياة المجتمع؛ بل إن بعضها كان نواة تأسيس قرى وبلدات كبيرة اليوم، مثل رباط باعشن وغرفة باعبّاد وحوطة أحمد بن زين وعِينات. كما يعتبر بعضها مزاراً موسمياً شهيراً؛ مثل ضريح قبر نبي الله هود، عليه السلام، والذي يحج إليه في شعبان من كل عام الكثير من أهل حضرموت والجنسيات الأخرى؛ خصوصاً من دول جنوب شرق آسيا، كإندونيسيا.

تعود أسباب اجتذاب تلك الأماكن للناس إلى كونها تأسست أولاً كملجأ للمتصوفين والزهاد؛ مثل الأربطة والزوايا، وكذلك كأماكن لطلب العلم والدرس، مثل المساجد والكتاتيب والمكتبات المُلحقة بالمساجد أو التي تؤسس بالقرب منها؛ فتجمع الناس حول تلك الأماكن لاكتساب علوم الدين الإسلامي، وللخلوة بالنفس والتعبُّد، ولطلب الأمن والسلام اللذين توفرهما وجاهة العلماء والصالحين في مثل تلك الأماكن.

منظر عام لمنطقة عِينات.. تريم حضرموت- أرشيف الكاتب

ومع مرور الزمن، التف المزيد والمزيد من الناس حول مثل تلك الأماكن والعلماء والصالحين؛ فازداد دورها في المجتمعات حتى أصبحت محلات للشفاعة والوساطة وعقد الصلح بين المتخاصمين من الناس ورجال القبائل وحتى السلاطين والحكام، كما أصبح بعضها وجهة لطلاب العلم من كل مكان.

ومما يُحكى عن شهرة المباني الدينية الإسلامية في حضرموت، على سبيل المثال، مجلس “الشيخ أبوبكر بن سالم العلوي” (919- 992هـ)، في بلدة عِينات، والذي كان يفد إليه الطلاب من أهل اليمن والحجاز والشام والهند والسند.. وغيرها من البلدان. ومن المعلوم أن “الشيخ أبوبكر العلوي” قد سكن منطقة عِينات، وبنى بها مسجده وداره؛ رغبة في العزلة والتفرغ للعبادة، إلا أن الناس سرعان ما التفوا حوله وأصبح أكبر زعيم ديني[1] صوفي مرتبط بالحياة الاجتماعية، مستعملاً نفوذه في الإصلاح الاجتماعي.

لقد أدت المساجد دوراً محورياً في حياة الناس والمجتمع في حضرموت؛ وهو دور لم يقتصر على العبادة والإرشاد والموعظة فحسب؛ بل امتد ليكون حجر الأساس في تماسك المجتمع والإصلاح بين الناس، بل وحتى اجتذاب السكان وتأسيس القرى والبلدات، وربما هذا ما دفع الناس إلى العناية بهذه المباني أشد العناية؛ حتى إن بعضها ما زال عامراً بُنيةً وإقبالاً منذ مئات السنين.

♦باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج.

المصادر:

[1] كتاب: مساجد مدينة الشحر، محمد حسين بن الشيخ أبوبكر. ص9

[2] كتاب: تاريخ الشعراء الحضرميين، السيد عبدالله بن محمد السقاف. ج2 ص61.

[3] كتاب تاريخ الشعراء الحضرميين، السيد عبدالله بن محمد السقاف. ج1 ص168

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة