الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

بين الحرب والحوار.. هل تحقق مقاربة (بازوم) في الساحل ما فشلت فيه برخان؟

اعتراف الرئيس النيجري بضعف القوات النظامية في بلده أحد أهم الأسباب التي تجعله يفضل المقاربة الحوارية على الأمنية مع الجهاديين

كيوبوست- عبد الجليل سليمان

لم تكن مبادرة “اليد الممدودة” التي أطلقها رئيس جمهورية النيجر، محمد بازوم، لاستقطاب شباب بلاده المنخرطين في صفوف تنظيم داعش إلى الحوار من أجل تحقيق السلام والاستقرار في منطقة الساحل والصحراء، سوى استطراد لرؤى مماثلة طرحها العديد من الرؤساء والسياسيين وقادة الرأي في المنطقة، قبل ذلك بكثير، كان آخرها دعوة الرئيس المالي السابق إبراهيم بوبكر كيتا إلى فتح حوار مع الجهاديين في بلاده، بعد أن ظل رافضاً لذلك لسنواتٍ طويلة.

اقرأ أيضاً: بعد الانسحاب الفرنسي.. كيف ستبدو خارطة الإرهاب في مالي والساحل؟

موجات إرهابية متواترة

 ومُنذ قررت باريس، فبراير الماضي؛ سحب قوات برخان وتاكوبا من مالي، سارعت حكومة النيجر إلى فتح طريقٍ جديد لتسوية التمرد الجهادي سلمياً، حيث أفرجت سلطاتها الأمنية عن 7 إرهابيين كانوا مُعتقلين لديها، بالتزامن مع إيفاد حكومتها؛ رجال دين وزعماء قبليين إلى قادة الجماعات الإرهابية لتهيئة أرضية للحوار مع المنظمات الإرهابية التي تنشط على ثلاث جبهات في حدودها الشمالية مع ليبيا، والغربية مع مالي، والجنوبية الشرقية مع نيجيريا.

 وتواجه النيجر التي تعد أفقر دولة في العالم -وفق مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة- موجاتٍ إرهابية متواترة ومستمرة حتى أصبحت أحداث القتل والاختطاف والنهب أفعالاً يومية تعجز القوات الأمنية والجيش في الحدِّ منها عن طريق استخدام القوة.

جنود حكوميون من النيجر، يقاتلون بإمكانياتٍ شحيحة- وكالات

وكان بازوم وصف في ديسمبر من العام المنصرم، في افتتاح منتدى داكار حول السلام والأمن في إفريقيا أن الجماعات الإرهابية تمتلك أسلحة متطورة، وأن مخزونها من الأسلحة يفوق مخزون القوات النظامية، خصوصاً قاذفات الصواريخ المضادة للدروع (آر.بي.جي)، ورشاشات (إم-80)، وعزا ذلك إلى ضعف وسائل مكافحة الاتجار بالأسلحة انطلاقاً من ليبيا، التي تعد المصدر الرئيسي لتسليح الفصائل المتطرفة في منطقة الساحل.

اقرأ أيضاً: ساحل العاج.. الحرب على الإرهاب من خلال التنمية

الأقل تكلفة

اعتراف بازوم بضعف القوات النظامية في بلده، يعتبر أحد أهم الأسباب التي تجعله يفضل المقاربة الحوارية على الأمنية، خاصة في ظل استغلال الجماعات المتطرفة للنزعات العرقية والدينية والمظالم الاجتماعية في سبيل تقويض شرعية السلطات المحلية، وتعميق حالة انعدام الثقة بين المواطنين تجاه الأجهزة العسكرية والأمنية الرسمية في دول منطقة الساحل، وفقاً لآمنة عمر الصحافية والباحثة السياسية المهتمة بالشؤون الإفريقية.

د.آمنة عمر

وأضافت عمر في حديثٍ لـ”كيوبوست”، أنه ربما يكون من الأفضل لدول الساحل التي تواجه أزمة عدم الاستقرار فتح حوار مع الجماعات الجهادية، بدلًا من اللجوء إلى خلق مزيدٍ من العنف بتسليح المدنيين، وتشكيل ميليشيات قبلية لمناهضة الظاهرة، حيث كانت نتائج هذا التوجه وخيمة، كما في حالة السودان عندما استعان الرئيس المخلوع عمر البشير بميليشيا الجنجويد القبلية في مواجهة حركات التمرد في دافور، ومع مرور الوقت تطورت إلى قوات الدعم السريع بقيادة نائب رئيس مجلس السيادة الحالي محمد حمدان دقلو الشهير بحميدتي، وأصبحت جيشاً موازياً للقوات المسلحة الرسمية.

عناصر من جماعة بوكو حرام الإرهابية- وكالات

الحوار هو السبيل الأقل كُلفة والأكثر نجاعة، وإلّا لما سلكته الولايات المتحدة الأمريكية في حربها ضد حركة طالبان في أفغانستان! تستطرد عمر، في السياق الإفريقي الثقافي تتبنى الأعرافُ التقليدية هذا الخيار أيضاً، لذلك فهو من هذه الناحية متسق تماماً مع الوجدان الإفريقي، أكثر من خيار القوة القاهرة؛ لذلك فإنّ توجه الرئيس بازوم نحو فتح الطريق إلى الحوار مع الجماعات الإرهابية يستحق المساندة، وسيجد القبول والدعم إن لم يكن على المدى القصير فعلى المدى المتوسط.

اقرأ أيضاً: تمدُّد الحركات الجهادية في إفريقيا.. نومُ الحكومات وإغفاءة الغرب!

مقاربة بازوم

محمد إبراهيم

بالنسبة لمحمد إبراهيم، صحافي وباحث سياسي، فإنّ من واجب أي حكومة إدارة شؤون مواطنيها وفقاً لإمكانياتها المتاحة، فلا يمكن لدولةٍ مثل النيجر يقاتل نحو 12 ألف من جنودها الفقراء بأسلحةٍ تقليدية وبدائية في 10 بؤر قتالية متباعدة جغرافياً على طول الحدود مع مالي وبوركينا فاسو ونيجيريا التي تمتد لأكثر من 1400 كيلومتر، أن تتوقع تحقيق انتصاراتٍ ساحقة على هذه المجموعات التي تسمى جهادية؛ وهي في الواقع لا تتبنى العقيدة القتالية لداعش والقاعدة إلّا بهدف الدعاية الإعلامية فقط، بهدف جذب الشباب وتجنيدهم، ومعظمهم من منسوبي ميليشيات الرعاة من قبيلة الفولاني الذين يناهضون سياسات حكومات الدول التي يعيشون فيها في سياق الصراع التقليدي بين المزارعين والرعاة حول الموارد، لكنهم وجدوا في خطاب القاعدة وداعش بعداً روحانياً جاذباً للشباب فتبنوه من أجل تجنيدهم في صفوفها.

مفرزة جنود فرنسيين تابعين لعملية برخان في صحراء مالي- وكالات

هذا البعد الاقتصادي والثقافي والعرقي مهم جداً لفهم السياق الذي نشأت فيه المجموعات الجهادية في منطقة الساحل، بحسب إبراهيم، الذي استطرد قائلاً؛ يبدو أن بازوم استوعب الدرس وفهم اللعبة جيداً، فالصراع الدائر في النيجر ليس صراعاً دينياً بالتأكيد، وإنما صراع بين المجموعات العرقية المختلفة أو بين الرعاة والمزارعين حول الموارد المحدودة والمظالم العميقة، وهذه الأمور لا يمكن حلها إلّا على طاولة حوار.

اقرأ أيضاً: الانقلابات في إفريقيا.. من الذي ينسف الاستقرار؟

يختم إبراهيم إفادته بقوله؛ في الوقع تم تجريب مُقارعة الجماعات الإرهابية بالعنف والقوة الغاشمة، فتخلت فرنسا وأوروبا والولايات المتحدة، فماذا كانت النتيجة؟ هل تم القضاء عليها أو الحدّ من أنشطتها؟ فلم لا نجرب مقاربة (بازوم)؟

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة