الواجهة الرئيسيةمصطفى سعيد

بيتهوفن… مع مصطفى سعيد

كيوبوست

(نموذج: مدخل الحركة الأولى من السيمفونية الخامسة، عزف أوركسترا كبيرة).

من أكثر الأعمال شهرةً وإذاعةً وأكثر ما يُستدل به على تطور الموسيقى الفصحى الأوروبية وضخامة الأوركسترا في الهارمونيك، للودفيج فان بتهوفن، أكاد أزعم أنه أشهر موسيقي على الإطلاق، ليس في زمانه؛ لكن في زماننا نحن الآن.

صيغت حوله الأساطير وحول هذا العمل بالذات؛ حتى إن هذا العمل، أعني السيمفونية الخامسة لبيتهوفن، ومدخلها تحديداً، تأثَّر بها العديد من الموسيقات العامية حول العالم.

نموذج لهذا التأثر محمد عبدالوهاب؛ إحدى أغاني أفلامه “أحب عيشة الحرية”.

(نموذج: أحب عيشة الحرية، محمد عبدالوهاب).

تأثراً ليس فقط باللحن وإنما بالضخامة السائدة، آنذاك، لا يمكن أن نقول إن هذه سرقة كما يدَّعي البعض، يمكن أن نعتبرها ما يُعرف في الشعر العربي بـ”التضمين”؛ أي أنه ضمَّن اللحن في أغنيته، وهذا منطق التأثر الخارجي أو البحث عن التطور في الخارج الذي ساد الموسيقى العامية العربية (Pop Music)، حينئذ، وإلى الآن.

هذه الضخامة وَجَبَت أثناء الثورة الصناعية؛ كل شيء يزيد إنتاجه (Mass Production)، المسارح كبرت، لا بد أن تكبر الأوركسترات، لا بد أن يتضخَّم كل شيء؛ حتى الأساطير حول المؤلفين.

اقرأ أيضًا: كيف يصنع الصمتُ الموسيقى؟

هل فعلاً أعمال بيتهوفن السيمفونية، هذه السيمفونية أو غيرها، سر عبقريته؟

هل هكذا كانت تُعزف في زمانه؟

تعالوا نستمع إلى هذا النموذج لنفس العمل، السيمفونية الخامسة، تصوراً لأدائه في زمن بيتهوفن بآلات من نفس العصر عَينوا الفرق في الضخامة؛ كما أن هذا التسجيل الذي سنستمع إليه أبسط، أقل عدداً وأقل التزاماً بحرفية النص.

(نموذج: مدخل الحركة الأولى من السيمفونية الخامسة لبيتهوفن، عزف أوركسترا بآلات وطريقة زمن المؤلف).

 إذن هو التأويل المتسبب في الضخامة، والمتسبب في الامتثال في حرفية النص، قد يكون الكاتب نفسه أو المؤلف نفسه لم يطلبه.

 هل بيتهوفن أسطورة فقط؟

لا؛ هذا ليس صحيحاً، وهذه مبالغة من بعض الناس ممن يريدون التعرض للناس؛ خصوصاً المشاهير منهم، بالسوء.

بيتهوفن موسيقي فذ؛ استغلته الثورة الصناعية للدعاية لأسبابها، واستغلته أيضاً الحضارة الاستعمارية؛ لكي يكون القوة الناعمة لها، لكن هل هو غير عبقري؟

أبداً، لم تكن السيمفونية الخامسة مختلفة عن أي عمل سيمفوني سبقها ولا لحقها إلى بيتهوفن؛ باستثناء السيمفونية التاسعة له التي أضاف فيها الكورال، وكانت عملاً طويلاً على غير العادة للأعمال الآلية، حينئذ.

هل خرج فيها عن المألوف؟

لم يخرج فيها عن المألوف؛ لحن جميل مختلف عن ألحانه السابقة بحكم أن الإنسان في تجدُّد مستمر، لكنه لم يخرج عن مألوف الموسيقى الكلاسيكية الفصحى؛ أعني الأوروبية.

أين خرج؟

خرج في أعماله للرباعي الوتري؛ رباعياته الوترية هي التي مهَّدت فعلاً للخروج عن النظام السُّلمي والهرموني الأوروبي في القرن العشرين، بل أزعم أن موسيقيِّي القرن التاسع عشر لم يستوعبوا ما في هذه الرباعيات من تطور وتمرد على القالب وعلى النظام السُّلمي الأوروبي السائد حينئذ، الذي يُدرَّس بكل حرفية في المعاهد ويُفتَخر به.

نستمع إلى نموذج، مقدمة ألِكرو الرباعية السادسة عشرة، وهي من سُلم F mager.. نستمع إلى الخروج غير التقليدي، حينئذ، عن السُّلم الذي يُقفز إلى أسماعنا رأساً ألحاناً مثل ألحان شُنْبِرْك أو سترفَنِتْسكِي؛ هذا الجيل من موسيقيي النصف الأول من القرن العشرين؛ النظام اللا سُلَّمي (Atonal) مثلاً.

نستمع إلى الألِكرو الذي يقدم له بزمن بطيء في خروج عن القالب؛ القالب التقليدي للرباعي الوتري، كذلك مسك الفيولا والتشلو للحن في بداياته، وأن الفيولينا الأولى والثانية تتبعان الآلات التي يجب أن تتبعهما في انقلاب على مسار الألحان المعتادة في النظام الموسيقي الفصيح الأوروبي حينئذ.

اقرأ أيضًا: لماذا تجعلنا الموسيقى نشعر بالسعادة؟

لماذا لم تنتشر هذه الرباعيات؟

قد يرجع هذا إلى الخوف الدائم من التجدد، إنما الحق أن هذه الرباعيات نموذج على التطور من الداخل والتمرد على السائد دون استيراد.

ليت موسيقيينا في العالم العربي استوعبوا هذه الآلية في التجدد والتطور من الداخل، وطبقوا هذه الخبرة في نغمنا العربي الفصيح.

نستمع إذن، ونختم مع هذا الجمال والتطور الذي سبق عصره، حينئذ، بأكثر من قرن.

نموذج: “مقدمة الأَلِكرو من الرباعية الوترية رقم 16”.

المصادر:

– بحث لمجموعة من طلبة أبحاث ما بعد الدكتوراه، قسم علم الموسيقى، جامعة السوربون باريز4.

– تاريخ الموسيقى الفصحى “الكلاسيكية” في أوروبا في القرن التاسع عشر: مجموعة من المقالات المجمعة لمنهج نفس الجامعة السابقة.

– الأعمال السيمفونية الكاملة، للودفيج فان بيتهوفن، تحقيق وقيادة هربرد فنكريان، برلين، ألمانيا الغربية.

– الرباعيات الوترية الكاملة، للودفيج فان بيتهوفن: رباعي ميكرولوكس، الولايات المتحدة الأمريكية.

المصادر المسموعة:

مكتبة المعد الشخصية.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة