الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

بوركينا فاسو.. انقلاب جديد يقوض جهود مكافحة الإرهاب

الجيش البوركيني ينشغل بالانقلابات فيما تتقدم الجماعات الإرهابية يوماً بعد آخر في مساحاتٍ واسعة وتؤسس دولة داخل الدولة

كيوبوست- عبد الجليل سليمان

لم تكن المظاهرات المحدودة التي شهدتها واغادوغو عاصمة جمهورية بوركينا فاسو (غرب إفريقيا) في الساعات الأولى من يوم الجمعة 30 سبتمبر، منددة برئيس المجلس العسكري الحاكم، المُقدّم بول هنرى داميبا؛ ومطالبة برحيله، وإنهاء الوجود الفرنسي في البلاد، إلاّ توطئة للانقلاب عليه.

فبعد ساعاتٍ قليلة من خروج بضع مئات من المحتجين إلى شوارع واغادوغو، أعلن مسؤول عسكري رفيع عبر التليفزيون الرسمي، حل الحكومة وإقالة رئيس المجلس العسكري، في ثاني انقلاب تشهده الدولة المضطربة الواقعة في غرب إفريقيا خلال العام الجاري، إذ قاد داميبا المُطاح به نفسه، الاثنين 24 يناير انقلاباً عسكرياً أطاح بالرئيس المنتخب روش مارك كريستيان كابوري، وحزبه الحركة الشعبية من أجل التقدُّم، قبل أن يعطل العمل بالدستور ويحل الحكومة والبرلمان ويُعلن عمَّا سمّاها الحركة الوطنية للإنقاذ والإصلاح، بديلاً للحزب الحاكم السابق، بيد أنه لم يهنأ كثيراً بالحكم، فلم يحُل عليه الحول على سدّة الرئاسة حتى سُقي من نفس “كأسه الانقلابية”.

 اقرأ أيضاً: مكافحة الإرهاب في إفريقيا.. هل ثمة حلولٌ جذرية؟

نزيهون انقلابيون

الرئيس المعزول بول داميبا

واتهم المتحدث باسم الانقلابيين، الملازم كيسوينديدا فاروق أزاريا سورغو، الرئيس داميبا بخيانة أهداف الجيش من انقلاب يناير 2022، والمتمثلة في إعادة الأمن إلى البلاد​​، وأضاف في بيانٍ بُث على شاشة التلفزيون الحكومي: “حاولنا عدة مرات إعادته إلى التركيز على قضية الأمن، إلا أنّ اختياراته أضعفت بشكلٍ متزايد أجهزتنا الأمنية”، فيما قال داميبا في بيانٍ نشر على صفحته على “فيسبوك”، إنّ العدو الذي يهاجم بلادنا لا يريد سوى خلق الانقسام لزعزعة استقراره، وأضاف، أنه لم يتنازل عن السلطة، ونفى أن يكون التجأ إلى قاعدة كامبوينسيون الفرنسية بالقرب من واغادوغو، كما زعم الانقلابيون.

بيان الخارجية الفرنسية بشأن الرئيس المعزول

وإثر ذلك تظاهر أمس الأحد عشرات المؤيدين للانقلاب أمام السفارة الفرنسية، حيث اندلع حريق محدود في مبناها، ما اضطر حراسها إلى إطلاق الغاز المسيل للدموع لتفريقهم، بيد أنهم تمكنوا من اجتياز حواجز الحماية بعد إضرام النار فيها ورشقوها بالحجارة، فيما ظلَّ الجنود الفرنسيون على سطحها يطلقون الغاز المسيل للدموع.

وحثت فرنسا مواطنيها في البلاد على البقاء في منازلهم حتى إشعار آخر، وطالبت الأطراف المتنازعة بضبط النفس لتجنيب البلاد المزيد من الاضطرابات.

متظاهرون بوركينيون مؤيدون لعزل الرئيس داميبا

وتعاني بوركينا فاسو من أوضاعٍ أمنيّة متردية بعد أن فرضت جماعاتٌ إسلامية متطرفة، مرتبطة بتنظيمي القاعدة وداعش، سيطرتها منذ عام 2018؛ على مناطق شاسعة في شمال وشرق البلاد، ما أجبر ملايين المواطنين على الفرار من منازلهم خوفاً من الهجمات التي يشنها عليهم الجهاديون، بين الفينة والأخرى.

وفي هذا السياق، وفي الأسبوع المنصرم، قتل مسلحون يُعتقد أنّهم يتبعون لداعش؛ 11 جندياً خلال هجوم على قافلة مؤلفة من 150 مركبة عسكرية كانت تنقل الإمدادات إلى بلدة في شمال البلاد.

اقرأ أيضاً: قرارات تعليق العضوية في الاتحاد الإفريقي: محفِّز للسلام أم مساهم في انعدام الأمن؟

إبراهيم حالي

المحلل السياسي والباحث في الشؤون الإفريقية، إبراهيم حالي، اعتبر أن الانقلابات العسكرية أصبحت سمة ملازمة للممارسة السياسية والحكم في إفريقيا، خاصة دول غرب إفريقيا ومنطقة الساحل، وإلا فما تفسير حدوث انقلابين في بلد واحد خلال 8 أشهر فقط، والخامس في غرب إفريقيا منذ 2020.

وأضاف حالي، في حديثه إلى “كيوبوست”، أن الحكومات الوطنية الإفريقية التي أعقبت خروج الاستعمار، فشلت فشلاً ذريعاً في إدارة دولها بسبب سيادة الأنظمة العسكريّة، مشيراً إلى أن انشغال معظم الجيوش الإفريقية بالحكم أضعف قدراتها العسكرية، وأفشل الحكم نفسه، لجهة أن العسكر غير جديرين وغير مؤهلين للحكم وإدارة الدول، الأمر الذي جعل معظم دول الساحل وغرب القارة لقمةً سائغة للتنظيمات الاسلامية الإرهابية التي أصبحت تحتل أجزاء كبيرة من تلك الدول، وتديرها بشكلٍ كامل.

اقرأ أيضاً: بعد الانسحاب الفرنسي.. كيف ستبدو خارطة الإرهاب في مالي والساحل؟

يصف حالي دولاً مثل، بوركينا فاسو ومالي والنيجر وإفريقيا الوسطى والكونغو والصومال بالفاشلة، وأن دولاً إفريقية أخرى مثل السودان، جنوب السودان، تشاد، وإثيوبيا، ستلحق بها قريباً، إن لم تتدارك اوضاعها الراهنة بسرعة كبيرة. 

واتهم حالي ما وصفها بالقوى الاستعمارية بالمساهمة في إفشال مستعمراتها الإفريقية السابقة بدعمها للحكومات العسكرية الاستبدادية وخنق التيارات المدنية الديموقراطية وذلك من أجل نهب مواردها الطبيعة وثرواتها الضخمة، وأردف: ما يحدث في دول منطقة الساحل خاصة مالي وبوركينا فاسو، هو تدبير استعماري بأيدٍ وطنية.

النقيب إبراهيم تراوري؛ قائد الانقلاب

من جهته، اعتبر الباحث والمُحلل السياسي، فتحي عثمان، ما يحدث من انقلاباتٍ وانقلابات مضادة بوتيرة متسارعة ومتكررة في الدول الإفريقية، خلال الأعوام القليلة الماضية، إنما يشي بفشل النخب العسكرية الحاكمة، وأنه آن الأوان لانسحاب الجيوش إلى ثكناتها، وترك أمر الحكم وإدارة الدول للشعوب عبر انتخاباتٍ حرة ونزيهة وممارسة ديموقراطية رشيدة، وأبدى عثمان استغرابه متسائلاً: كيف يمكن لـ 15 عسكرياً أن ينقلبوا على الحكم، ثم ينقلبوا على أنفسهم خلال ثمانية أشهر فقط في إشارة إلى ما حدث في بوركينا فاسو.

فتحي عثمان

ولفت عثمان، في مداخلته مع “كيوبوست”، إلى أن الجيش البوركيني يمر بأزمة سياسية – وعسكرية خطيرة، فبينما هو منشغل بالسياسية وغارق في الانقلابات تتقدم الجماعات الإرهابية يوماً بعد آخر في مساحاتٍ واسعة، وتؤسِّس ما يُشبه الدول الحاجزة داخل بوركينا فاسو، إذ لديها إدارات لجباية الضرائب والتعدين والتنقيب ومعدات عسكرية تضاهي ما لدى الجيش، وربما تتفوق عليه، ولن تتأخر هذه الجماعات من الاستيلاء على السلطة متى ما سنحت لها الفرصة، واكتملت الشروط والظروف الموضوعية لذلك، وهذا ليس ببعيد.

اقرأ أيضاً: الانقلابات في إفريقيا.. من الذي ينسف الاستقرار؟

يضيف عثمان لـ”كيوبوست”، ليس ثمة مخرج غير عودة الجيش البوركيني، وبقية الجيوش الإفريقية، إلى ثكناتها لتمارس وظيفتها الطبيعية، وتبتعد عن السياسة التي أثبتت بالتجربة أنها ليست جديرة بممارستها ولا مؤهلة لها.

وتوقع الباحث والمحلل السياسي، أن يتكرر نفس الأمر في مالي وتشاد والسودان وإثيوبيا، فيما تشهد النيجر استقراراً نسبياً نتيجة لاعتمادها الديموقراطية أسلوباً للحكم وتداول السلطة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة