الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

“بن لادن” ليس شهيدًا.. فلماذا وصفه عمران خان بذلك؟

كيوبوست – ترجمات

د. ﻋﺒﺪﷲ ﻓﻴﺼﻞ آل رﺑﺢ♦

تصدَّر رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان عناوينَ الصحف الشهر الماضي، عندما أشار إلى أن أسامة بن لادن “استشهد” على يد القوات الأمريكية. وسرعان ما أدان السياسيون تصريحَ خان، وكانت فرصة ذهبية لتعزيز أجنداتهم الخاصة. وفي حين ركَّزت معظم وسائل الإعلام تغطيتها على دور بن لادن، ووصفته بالزعيم الشرير لأخطر تنظيمٍ إرهابي “تنظيم القاعدة” الذي دبّر هجمات 11 سبتمبر، فلم يلقَ تحليلُ سياق ودوافع هذا التصريح، وما يتضمنه من قناعاتٍ لدى خان، الاهتمامَ الكافي.

واقعيًّا، لم يكن التركيز الرئيس لخطاب خان في 26 يونيو على بن لادن، بل على العلاقة المتدهورة بين إسلام أباد وواشنطن. ذلك أن خان كان يشعر بإحباطٍ ملحوظ من الولايات المتحدة بسبب عدم احترامها لسيادة باكستان على أراضيها، وعدم تقديرها لجهودها في الحرب على الإرهاب. وفي هذا الصدد، زعم خان: “لقد وقفنا إلى جانب الولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب، لكنهم جاءوا إلى هنا وقتلوه، وأردوه ]شهيدًا[ واستخدموا لغة مسيئة ضدنا، ولم يبلغونا، على الرغم من أننا فقدنا 70 ألف شخص في الحرب على الإرهاب”.

رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان – أرشيف

وفى جزءٍ لاحق من الخطاب، اتهم خان الولايات المتحدة بتصنيفها باكستان دولة داعمة للإرهاب من أجل صرف الانتباه عن إخفاقاتها في أفغانستان، حيث قال: “[الأمريكيون] حمّلونا مسؤولية كل فشل في أفغانستان. لقد حمَّلونا المسؤولية علنًا لأنهم لم ينجحوا هناك”.

لكنّ هناك سياقًا مهمًّا وخلفياتٍ يجب أن نوليها الاهتمامَ، فقبل تولي خان منصبه، اتهمه خصومه بأنه “لين أكثر مما يجب” مع حركة طالبان، وذهب بعضهم إلى حد تسميته “طالبان خان“. صحيح أن “خان” ينفي بشدة هذه الاتهامات، ووصف طالبان بشكلٍ علني بأنها جماعة إرهابية، وذكر أن “كلّ من يقتل الأبرياء فهو إرهابي”، لكن تذكُّر ذلك مهمٌ.

اقرأ أيضًا: اتفاق الولايات المتحدة و”طالبان”.. مجرد بداية لعملية السلام الأفغانية

تحالفٌ غير عادل

منذ تولِّيه منصب رئيس الوزراء، أدلى خان بتصريحاتٍ متعددة حول مخاوفه بشأن تحالف بلاده مع الولايات المتحدة في الحرب ضد الإرهاب. وأكد اعتقاده بأنه تحالفٌ غير عادل، ولا يخدم المصالح الباكستانية. وقد أثار خان المسألة بشكلٍ خاص عندما وصف وزير الدفاع الأمريكي آنذاك جيمس ماتيس باكستان بأنها دولة خطيرة بسبب “تطرف مجتمعها وتوفر الأسلحة النووية”. وفي معرض دفاعه عن باكستان، أوضح خان أن تاريخ بلاده في التطرف كان قصيرًا نسبيًا، وكان أساساً نتيجة لتحالفها مع الولايات المتحدة في فترة الثمانينيات، عندما كانت تحارب السوفييت في أفغانستان.

خان بذلك يعتقد أن الحرب تخدم المصالح الأمريكية، وليس الباكستانية. كما أشار إلى المفارقة في تصريح ماتيس موضحًا أن المجتمع الباكستاني كان أكثر تسامحًا قبل هذه الحرب. وكانت الاستراتيجيةُ الأمريكية في ذلك الوقت هي تسليح الجهاديين في أفغانستان لمحاربة الاتحاد السوفييتي، وكحليف، أقامت باكستان علاقة وثيقة مع هؤلاء المسلحين. ومع ذلك، فعندما وقعت هجمات 11 سبتمبر، تحولت باكستان 180 درجة ضد هؤلاء المسلحين أنفسهم، واعتبر خان هذا التطرفَ خاطئًا، حيث قال: “لقد عارضتُ ذلك منذ اليوم الأول”.

هجمات 11 سبتمبر الإرهابية – أرشيف

بطبيعةِ الحال، كان “بن لادن” أحدَ هؤلاء الجهاديين الذين يقاتلون الاتحاد السوفييتي، ولكنه أسَّس تنظيم القاعدة في أفغانستان بعد نهاية الجهاد ضد السوفييت. لذلك، يعتقد خان أنه إذا كان ينبغي إلقاء اللوم على أيِّ شخصٍ في صعود تنظيم القاعدة، فينبغي أن تكون الولايات المتحدة، وليس أيَّ شخصٍ آخر.

اقرأ أيضًا: كيف باعت الولايات المتحدة الوهم في أفغانستان؟

بن لادن ليس شهيدًا

والآن بعد توضيح السياق، دعونا ننتقل إلى مصطلح “الشهيد”، ولماذا استخدمه خان، ولماذا أثار الاعتراض والاستهجان حينما أطلقه على بن لادن.

في الإسلام، الشهيد هو مصطلح يستخدم في التبجيل لوصف أولئك الذين قُتلوا أثناء الدفاع عن عقيدتهم أو شرفهم أو أولئك الذين يسعون إلى العدالة. وفي حالة بن لادن، يعتبر بعضُ الباكستانيين أن الآلية التي نفَّذت بها الولايات المتحدة عملية استهدافه -إطلاق النار عليه في منزله في عملية سرية للقوات الخاصة دون إشعار أو تنسيق مع باكستان- مزعجة.

ويزعم خان أن الولايات المتحدة حوّلت بن لادن إلى شهيد بقتله بهذه الطريقة في منزله، وليس في ساحة المعركة، بدلًا من التعاون مع الجيش الباكستاني المسلم أو السماح للمسلمين بقتله أو اعتقاله.

اقرأ أيضًا: وثائق بن لادن تكشف: القاعدة من فكر الإخوان.. إلى حضن إيران

لكن الأمر المؤكد أن مقتل بن لادن نهاية طبيعية لتاريخه العنيف في الإرهاب الذي أزهق أرواح مئات الأبرياء. ومن الواضح أن خان قد جانبه الصواب في استخدامه لمصطلح الشهيد، ولا يمكن أن يكون هناك أي مبرر في الإشارة إليه على هذا النحو.

ويبدو أن تصريح خان لا يمكن فصلُه عن سمعته في التغاضي عن طالبان، ومجاملته للناخبين الإسلاميين -بمن فيهم المتطرفون- وجميعها تعبِّر عن قناعاته الحقيقية المثيرة للقلق. ورغم أن خان يقدِّم بعضَ الحجج ذاتِ المصداقية فيما يتعلق بالدور الأمريكي في تطرف المجتمع الباكستاني، فإن هذا لا يبرِّر استخدامَ مصطلحاتٍ تنطوي على إطراء لوصف زعيمٍ إرهابي شنيع ووحشي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

♦أستاذ مساعد في علم الاجتماع في جامعة “جراند فالي” في ولاية ميشيجن.

المصدر: عين أوروبية على التطرف

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة