الواجهة الرئيسيةشؤون عربية

بن علي.. حكم التونسيين بقبضة من حديد وأثار الجدل بينهم بعد وفاته

كيوبوست

طوت تونس منذ أيام صفحة من تاريخها بإعلان وفاة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، في منفاه بالسعودية، عن عمر يناهز 83 عامًا، بعد نحو ثماني سنوات من مغادرته الأراضي التونسية كرهًا ليلة 14 يناير عام 2011، تحت وطأة احتجاجات شعبية جامحة؛ لتفتح صفحة جديدة قد تخوض في تاريخ الرجل الذي حكم تونس بقبضة من حديد على مدى 23 سنة.

اقرأ أيضًا: وفاة زين العابدين بن علي في منفاه بالسعودية

وقد أثارت وفاته سجالات، خصوصًا على مواقع التواصل الاجتماعي، بين مَن طلب له الرحمة ومَن عبَّر عن عدم أسفه لرحيله؛ فالبعض لم تنسِه وفاته ما ارتكبه من أخطاء، والبعض الآخر يعتبر أنه رغم تجاوزاته فقد قدَّم كثيرًا من الإنجازات لبلاده، وكان من الأجدى أن يتم دفنه في وطنه.

بن علي – سنة 1961

 نظام ديكتاتوري

 يرى الإعلامي والمحلل السياسي قيس بن نصر، أن ابن علي أرسى نظامًا ديكتاتوريًّا من خلال حصر السلطة بمختلف مستوياتها في يده، وكذلك في قصر قرطاج، وبذلك كان نظامًا رئاسويًّا. ويؤكد ابن نصر أن نظام ابن علي قد استفاد من الكفاءات التونسية والعقل التونسي، واستعان به في إنجاز البرامج الاقتصادية والاجتماعية؛ وهو ما يجيز القول إن فترة الحكم في تونس ما قبل الثورة كانت أفضل ليس بفضل الحوكمة الرشيدة لابن علي وإنما لسوء منظومة الحكم وحوكمة الحكومات المتعاقبة ما بعد 14 يناير، حسب تعبيره.

تكوين مخابراتي

وتقول الصحفية هاجر العيادي: “إن ابن علي وإن كان جاهلًا في كثير من المجالات ولا يملك فكرًا يليق برجل دولة؛ فإنه يمتلك في الواقع كثيرًا من الذكاء في مجالات مختلفة؛ منها قدرته على اختيار مساعديه وجعلهم أوفياء وخدومين له بشدّة، ربما بحكم دراسته وتكوينه المخابراتي وعمله الأمني.. إن ابن علي كان يحسن تحليل شخصيات الناس جيدًا، وكان يُدير ويُسَيِّر أعمال الدولة بذكاء.. ذكاء انقلب عليه بعد 23 سنة”.

اقرأ أيضًا: حركة النهضة تُقر بهزيمتها في الانتخابات الرئاسية التونسية

وتابعت العيادي: “لقد قضى ابن علي سنوات كرئيس للبلاد وارتكب أخطاءً، كما شاءت الأقدار أن يقوم بما قام به؛ لكنه فعل ما بوسعه، حسب سياسته بالنظر إلى القوى الخارجية من حوله. ما حدث كان أكبر منه وحده، وأكبر من تونس نفسها، كما أنه حسَّن البنية التحتية وقدَّم كثيرًا لتونس بغض النظر عن أخطائه.. كما كان الوضع الأمني في عهده جيدًا عكس اليوم تمامًا. في النهاية، لابن علي فضل على تونس كما له أخطاء؛ فالإنسان لم يُخلق معصومًا من الخطأ”.

بن علي وزوجته السيدة ليلى الطرابلسي

إنجازات في كل المجالات

بتأثر واضح، وفي تدوينة استغربها متابعوها، وجَّهت الأكاديمية ألفة يوسف، يوم 22 سبتمبر 2019، مرثية إلى الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، أشادت فيها بوطنيته ودفاعه عن سيادة وطنه، وبالإنجازات التي تحققت طيلة 23 سنة من حكمه على المستويَين الأمني والاقتصادي، وفي قطاعات الصحة والتعليم والثقافة.

اقرأ أيضًا: في انتخابات تونس.. الشعب يعاقب مَن خان أحلامه

وذكرت ألفة يوسف أنها في أثناء عملها على رأس المعهد العالي لإطارات الطفولة ودار الكتب الوطنية، لم تُجبر على تنفيذ التعليمات؛ بل كانت تخاصم وتعارك وتنتقد دون أن تُسجن، مضيفةً أن مَن كانوا يسجنون في عهد ابن علي “لم يكونوا من الملائكة؛ بل جلهم إرهابي بالفعل أو بالقوة”. وعلقت ألفة يوسف: “شكرًا سيدي الرئيس على 23 سنة من الأمن والصحة والرخاء الاقتصادي؛ لقد كنت أتقاضى نصف راتبي اليوم لأحيا أفضل من اليوم بمرات كثيرة.. شكرًا لأنك تركت 3000 مليون دينار في خزينة الدولة سرقها الثورجيون ونهبوا تونس وأفلسوها.. شكرًا لأنك لم ترهن تونس ديونًا كما فعلوا.. شكرًا لأنك منعت انقلاب الخوانجية سنة 1987، شكرًا لأنك منعت العدوى الإرهابية الجزائرية من أن تصل إلينا في التسعينيات.. لن أتكلم عن الحريات؛ فلا أتصور أن من وضعوا في السجون ملائكة رحمة.. جلهم إرهابي بالفعل أو بالقوة.. من وضعتهم أنت في السجون أرادوا قتلي يا سيادة الرئيس.. فهم ليسوا ضحايا”. 

 كما وصفت يوسف الإعلام بعد الثورة بالانحطاط والنفاق والثورجية، مؤكدةً أن حال الحريات في زمن ابن علي كان أفضل، متابعةً: “أنحني أمام رجل وطني خدم بلده ولم يخنه، بل دفع ثمن الدفاع عن السيادة الوطنية.. لا شك أنك ككل البشر أخطأت، ومَن منا لا يُخطئ؟ ومَن منا لا تثقل ظهره إكراهات السلطة؟ لكن هل أخطات أكثر ممن دفعوا بتونس إلى الحضيض؟ لا أظن.. الأكيد أنك كنت تحب تونس، نم هانئًا بمدينة الرسول”.

أمل في ابن علي آخر

ومنذ سقوط ابن علي، شهدت البلاد عددًا من المشكلات الاقتصادية والأمنية التي خيَّبت أمل كثير من التونسيين في أعقاب الثورة، وكثيرون عبَّروا، عبر تدوينات على صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، عن أملهم في أن تشهد البلاد “ابن علي آخر”، معتبرين أن في عهده كانت البلاد تشهد الأمن والأمان؛ إلا أن تونس حاليًّا تشهد مسلحين إرهابيين من تنظيم داعش.

وقد رثى السياسي أحمد نجيب الشابي، الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، مؤكدًا أنه كان وطنيًّا مخلصًا، صرف العمر في خدمة تونس لا غير.

وقال الشابي في مرثيته لابن علي: “لقد كنت أحسن خلف لسلفك؛ حافظت على حقوق المرأة وعلى مبادئ الدبلوماسية التونسية وظللت ثابتًا على استراتيجية دولة الاستقلال في كل المجالات”.

اقرأ أيضًا: في الاستثمارات القطرية في تونس.. فتش عن حزب النهضة

كما امتدح الشابي السياسة الاقتصادية لعهد ابن علي، قائلًا: “أنقذت اقتصادها من الإفلاس الذي شارفت عليه سنة 1986، وطوَّرت قطاعات وليدة أضحت اليوم، بفضل فطنتك ونصحك، قاطرة الاقتصاد الوطني، وملكت الريادة في إصلاح هياكل الاقتصاد وتحديثه، وهيَّأته للانفتاح على الاقتصاد العالمي؛ فارتفع الدخل الفردي للمواطن عدة مرات، وحافظت على المقدرة الشرائية للإجراء، وكبحت التضخم وحاصرت البطالة وقاومت الفقر ومددت يد العون إلى المعوزين في مناطق الظل”.

العدالة الإلهية

بينما شدَّد كثيرون آخرون في تعليقاتهم على خبر وفاة ابن علي، على ضرورة أن يتعظ الحكام وأن يعتبروا من هذه النهاية، إذ يرون أنه على الرغم من أن ابن علي لم يعاقب على ما اقترفه خلال سنوات حكمه؛ فإنه لن يفلت من العدالة الإلهية.

وعن هذا الأمر، يقول الكاتب الصحفي والسجين السياسي السابق كمال الشارني: “لا يزعجني أن يدفن ابن علي في تونس أو في السعودية، ما دام سيُحاسب على أعماله أمام الله بعد أن رفض العدالة الانتقالية، وما دام سيقف معه أمام العدالة الإلهية كلُّ مَن تورط في القتل أو التعذيب أو نهب أموال الناس مستغلًّا سلطة الدولة”. 

وأيًّا كانت المواقف من ابن علي، فإنه يمثل مرحلة مفصلية في تاريخ تونس بدأت بـ”انقلاب طبي” على الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة في نوفمبر 1987، والانفتاح على الإسلاميين قبل أن يواجههم في 1989، بينما رسمت ثورة 2011 بداية نهاية عهده؛ لينتهي به المطاف منفيًّا في السعودية التي توفي فيها.

 

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة