الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

بمناسبة مئوية مجلة “فورين أفيرز”.. إليكم أفضل الكتب لفهم العالم (1) 

كيوبوست- ترجمات

احتفلت مجلة “فورين أفيرز” بحلول العام المئة على أول إصدار لها؛ حيث تأسست عام 1922. وتصدر المجلة الأمريكية المعنية بالعلاقات الدولية والسياسة الخارجية عن مجلس العلاقات الخارجية، وهي منظمة غير ربحية وغير حزبية ومركز أبحاث متخصص في السياسة الخارجية الأمريكية والشؤون الدولية.

اقرأ أيضاً: النظام العالمي القديم.. أصل العلاقات الدولية

وبهذه المناسبة قررت إدارة تحرير المجلة تضمين إصدارها المئوي مجموعة من الكتب الأساسية لفهم القرن الماضي وأهم الأحداث السياسية التي أسهمت في إحداث تحولات عالمية في مختلف أرجاء العالم، من الشرق إلى الغرب؛ حيث اختار محرروها بعض العناوين، القديمة والحديثة، التي يعتقدون أنها ضرورية لفهم العالم وربما تخيُّل المستقبل، وذلك كالتالي:   

أولاً: أوروبا الغربية

◊ الدبلوماسية، تأليف: هنري كيسنجر، دار نشر سيمون آند شوستر، 1994.

◊ الآثار الاقتصادية للسلام، تأليف: جون مينارد كينز، دار نشر هاركورت وبراس، 1919.

◊ أولوية السياسة.. الديمقراطية الاجتماعية وصياغة وجه أوروبا في القرن العشرين، تأليف: شيري بيرمان، دار نشر جامعة كامبرديج، 2006.

لآلاف السنين، كانت أوروبا قارة متحاربة تميزت بتحالفات متغيرة بين دول ملكية تسعى بلا رحمة إلى تحقيق الهيمنة الإقليمية والعالمية؛ لكن على مدى السنوات الـ75 الماضية، برزت القارة كمنطقة سلام وازدهار وتسامح واستقرار لا مثيل لها، مع وجود عالمي معتدل. واليوم، تهيمن الدول الأوروبية على قوائم الأنظمة السياسية الأكثر إثارة للإعجاب والأماكن الأكثر جاذبية للعيش.

كتاب “الدبلوماسية” لهنري كيسنجر

وفي كتابه الصادر عام 1994 حول تاريخ الدبلوماسية الخارجية على مدار القرنين الماضيين، أصر كيسنجر على أن أوروبا تدين بفترة سلامها لظهور الولايات المتحدة المهيمنة، التي قلبت التوازن العسكري في حربَين عالميتَين، ثم وفرت درعاً رادعاً أبقى “الاتحاد السوفييتي خارجاً، والأمريكيين في الداخل، وأسقط الألمان”، على حد تعبير ليونيل إسماي، أول أمين عام لحلف شمال الأطلسي. 

اقرأ أيضاً: أسطورة هنري كيسنجر

ولا تزال هذه النظرة الواقعية بأن استقرار أوروبا كان يعتمد كلياً على الهيمنة العسكرية الأمريكية المنتشرة على نطاق واسع داخل دوائر الحكم في واشنطن. وقد غذت ثلاثة اتجاهات اجتماعية هذا التحول في السياسة الخارجية؛ الأول كان انتشار فكرة حق تقرير المصير الوطني. فبدءاً من مطلع القرن التاسع عشر، بدأت الشعوب في الثورة ضد الإمبراطوريات من أجل إقامة دولها القومية. 

وحتى كيسنجر، رغم انتقاده مثالية الرئيس الأمريكي ويلسون المتعجلة في صياغة معاهدة فرساي عام 1919، فلا يسعه إلا أن يمتدح تنبؤ الرئيس بأن حق تقرير المصير سوف يصبح القاعدة الأساسية للسياسة العالمية الحديثة.

تنبأ كينز في كتابه “الآثار الاقتصادية للسلام” بأن التسوية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى لا يمكن أن تستمر

أما التوجه الثاني فكان تبني سياسة دولة الرفاه في جميع أنحاء أوروبا. وفي نقده الشهير لمعاهدة فرساي، تنبأ كينز، في كتابه “الآثار الاقتصادية للسلام” بأن التسوية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى لا يمكن أن تستمر. وبرر ذلك بأنه في العصر الحديث للسياسة الجماهيرية والاعتماد المتبادل العابر للحدود يشكل الاستقرار الاقتصادي الدولي والعدالة شرطَين مسبقَين للسلام.

اقرأ أيضاً: كيف تآكلت الدبلوماسية الأمريكية؟

وتنبأ كينز بأنه نظراً للمطالبات الاقتصادية الصارمة المفروضة على ألمانيا، فإن الاستياء من نظام ما بعد فرساي، وعدم المساواة الشديدة، والمقاومة الاجتماعية، وصدمات الاقتصاد الكلي؛ من شأنها أن تؤدي حتماً إلى تخييب آمال المعتدلين وتوليد سياسات راديكالية، وهو التنبؤ الذي ثبت صحته عندما دفعت أزمة الكساد الكبير بهتلر إلى رئاسة ألمانيا.

 وبعد جيل واحد، منحت خطة مارشال وتأسيس دول الرفاه الاجتماعي، ونظام بريتون وودز -الذي لعب فيه كينز مرة أخرى دوراً مؤثراً- فرصة ثانية لأوروبا. بينما تتبعت بيرمان في كتابها “أولوية السياسة” الطابع الأوروبي المميز لقناعات ومؤسسات الديمقراطية الاجتماعية الحديثة، مبينةً مدى عمق اندماجها في السياسة الأوروبية، ومؤكدةً أنها النموذج السياسي الأكثر نجاحاً في العالم اليوم.

غلاف كتاب “أولوية السياسة” الصادر عن جامعة كامبريدج

وبالرجوع إلى التوجه الاجتماعي الثالث في مسيرة تحول السياسة الخارجية لأوروبا الغربية، سنجد أنه يتمثل في انتشار الديمقراطية الليبرالية؛ ففي فترة ما بين الحربين العالميتين، كانت الحكومات الديمقراطية الحقيقية قليلة ومنكوبة. ومع ذلك، فقد أفقدت الحرب العالمية الثانية اليمين الفاشي مصداقيته، وأدى التهديد السوفييتي إلى ترويض اليسار الشيوعي.

ثانياً: أوروبا الشرقية والجمهوريات السوفيتية السابقة

◊ ملحمة الثورة الروسية، تأليف: يوري سليزكين، دار نشر جامعة برنستون، 2017.

◊ الجيل السوفييتي الأخير، تأليف: أليكسي يورتشاك، دار نشر جامعة برنستون، 2005.

انهارت الدولة الروسية مرتَين خلال القرن العشرين؛ كانت الأولى عام 1917، حين أعقب سقوط الإمبراطورية الروسية التي دامت ثلاثمئة عام، مذبحة بين الأشقاء ومحاولة البلاشفة المنتصرين بناء مملكة مستقبلية قائمة على الوفرة المادية والعدالة العالمية. ومقارنةً بالثورة البلشفية، فإن انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 لم يكن مأساوياً، وإن كان مفاجئاً.

غلاف كتاب يوري سليزكين الذي يروي قصة صعود الشيوعية الروسية

ويروي كتاب سليزكين الرائع والأصيل للتاريخ السوفييتي قصة الصعود المهيب للشيوعية الروسية وكذلك خط انحدارها. وفي رأيه، كان البلاشفة الأوائل -مجموعة مغلقة من القراء النهمين والكتّاب غزيري الإنتاج، والمفكرين الحالمين- مروعين، ومبشرين متحمسين قمعيين يشبههم سليزكين بالجماعات المليارية المختلفة؛ مثل الأنابابتستيين أو الفرقة الداودية.

واعتقد البلاشفة أنهم سيتمكنون من تحقيق الانسجام الأبدي في حياتهم. فعندما تولت هذه الطائفة الصغيرة مسؤولية الإمبراطورية الروسية الشاسعة، بشَّر قادتها رعاياها الجدد بقرب وصول فردوس شيوعي. وفي عام 1936، أطلق النظام السوفييتي حملة تطهير كبيرة، كانت بمثابة رحلة عربدة من الإعدامات الجماعية التي كافح المؤرخون لتفسيرها. وفي غضون عام، قُتل مئات الآلاف، بمَن فيهم البلاشفة البارزون أنفسهم.

غلاف كتاب “الجيل السوفييتي الأخير” للكاتب أليكسي يورتشاك

ووفقاً لسليزكين، فإن التطهير الكبير هو عمل من أعمال التدمير الذاتي من قِبل مؤسسي الطائفة، وكان سببه ما يسميه خيبة الأمل الكبرى، عندما أدركوا أن نبوءتهم لن تتحقق. وتبحث دراسة الأنثروبولوجيا الرائدة ليورتشاك في كتابه “الجيل السوفييتي الأخير” في الحياة اليومية أواخر عهد الاتحاد السوفييتي، عندما كان التلقين الشيوعي وطقوسه وممارساته منتشرةً في كل مكان؛ ولكنها لم تعد قسرية.

اقرأ أيضاً: ماذا لو عادت دول الاتحاد السوفييتي إلى الوحدة مجددًا؟

وقد اكتسب العديد من المواطنين السوفييت أذواقاً وعادات بدت غير متوافقة مع العقيدة الشيوعية، أولها الافتتان بالغرب وثقافته الشعبية وسراويل الجينز الزرقاء التي يضرب بها المثل. ومع ذلك، لم يعتبروا أنفسهم منشقين، وانخرطوا بسهولة في الممارسات والطقوس السوفييتية، حتى لو فسروها بشكل مختلف. 

ويؤكد يورتشاك أنهم عاشوا داخل النظام وخارجه في الوقت ذاته، وبدا هذا الترتيب غير متعارض وغير قابل للتغيير. كما بدا الاتحاد السوفييتي لو أنه سيبقى قائماً إلى الأبد. لكن هذا الموقف الغامض لما أطلق عليه يورتشاك “الداخل- والخارج” أدى حتماً إلى تآكل النظام المبني على عقيدة صارمة.

ثالثاً: الولايات المتحدة

◊ الربيع الصامت، تأليف: راشيل كارسون، دار هوتون ميفلين هاركورت للنشر، 1962.

◊ أوراق البنتاغون.. تقرير مكتب وزير الدفاع فرقة عمل فيتنام، 47 مجلد.

◊ رواية 1984، تأليف: جورج أورويل، دار نشر سيكر وواربرغ، 1949.

غيرت حركات المواطنين الولايات المتحدة في النصف الثاني من القرن العشرين؛ بما في ذلك الحملات من أجل الحقوق المدنية، وحقوق المرأة، والبيئة. ولعل أبرز الأمثلة على ذلك كتاب “الربيع الصامت” لراشيل كارسون، الذي تم اقتباسه في مجلة “النيويوركر” قبل نشره عام 1962، وعند صدوره باع مليونَي نسخة في غضون عامَين.

غلاف كتاب “الربيع الصامت”

وقد كانت كارسون عالمة محيطات غير معروفة؛ أمضت معظم حياتها في كتابة مطبوعات عن الأسماك والحياة البرية في الولايات المتحدة. إلا أن كتابها كان له تأثير مزلزل بنثره الأنيق وتصويره الموثق جيداً لعالم غارق في المواد الكيميائية السامة، والعواقب الوخيمة التي تخلفها تلك المواد على صحة الإنسان، والحملات الإعلامية المضللة التي شنتها شركات الصناعات الكيميائية وقبلها المسؤولون الحكوميون.

اقرأ أيضاً: بين الجائحة والتغير المناخي.. الإجهاد الحراري المحتمل يهدد حياة نصف سكان العالم

وحاولت جماعات الصناعة نبذها باعتبارها شيوعية أو امرأة هستيرية؛ لكن الهجمات لم تمنع عملها من الحصول على موافقة المجتمع العلمي ومن أن يصبح ليس فقط التيار السائد ولكن الكلاسيكي، الذي لا يزال يطبع بعد أكثر من نصف قرن. 

وأدى الكتاب إلى حظر مبيد الآفات “دي دي تي”، وساعد في إنشاء وكالة حماية البيئة، وأثار مخاوف واسعة بشأن الهواء والماء النقي، والنقاشات حول الأرض والحياة البرية، وفي نهاية المطاف، تغير المناخ.

أما كتاب “أوراق البنتاغون” الذي يتناول تقرير مكتب وزير الدفاع الأمريكي -فرقة عمل فيتنام- فكان له تأثير مماثل؛ حيث رفع الستار عن تاريخ داخلي هائل من التدخل السياسي والعسكري الأمريكي في فيتنام من عام 1945 إلى عام 1967.

رفع كتاب “أوراق البنتاغون” الستار عن تاريخ داخلي هائل من التدخل السياسي والعسكري الأمريكي في فيتنام

وقد تم تسريب التقرير بواسطة دانيال إلسبيرغ، محلل الأمن القومي، إلى صحيفة “نيويورك تايمز” عام 1971؛ حيث تبيَّن أن 4 إدارات رئاسية ضللت الرأي العام  بشأن نيَّات الولايات المتحدة وأفعالها في فيتنام، وأن حكومة ليندون جونسون “كذبت بشكل منهجي”. وعلى حد تعبير الحكومة ذاتها، فإن الدراسة أثبتت صحة حجج الحركة المتنامية المناهضة للحرب. وبحجة أن أوراق البنتاغون تشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي، حاولت إدارة ريتشارد نيكسون وقف نشرها.

اقرأ أيضاً: الصورة التي غيرت مسار الحرب الفيتنامية بالكامل!

وفي غضون أيام، حكمت المحكمة العليا بتصويت 6-3 ضد الحكومة، وكتبت أن “أهم مسؤوليات الصحافة الحرة هو واجب منع أي جزء من الحكومة من خداع الشعب”. وأعقب ذلك بسرعة أزمة ووترغيت والفضيحة اللاحقة التي أجبرت نيكسون في نهاية المطاف على الاستقالة.

غلاف رواية “1984” لجورج أورويل

ساعد الكشف عن “أوراق البنتاغون” في تحفيز الانحدار المدمر للثقة العامة في الحكومة، والذي استمر حتى الوقت الحاضر، بالتوازي مع تغلغل ثقافة انعدام الثقة في سلطة الدولة. أما رواية أورويل الكلاسيكية، فقد قدمت المزيد من الأمريكيين إلى جوهر الشمولية أكثر من أي عمل خيالي أو واقعي آخر.

حيث أراد أورويل أن يحذر مما يمكن أن يحدث من خلال انحراف حكومة ما؛ سواء من اليمين أو اليسار، والثمن الذي تدفعه الأجيال في المقابل. ولكن خلال الحرب الباردة، فهم معظم القراء الأمريكيين إشارات الرواية إلى الأخ الأكبر، وشرطة الفكر، ووزارة الحقيقة، وإعادة كتابة التاريخ على وجه التحديد كصور للأنظمة الشيوعية.

اقرأ أيضاً: أنسنة التاريخ

غير أنه  في عهد ترامب، اكتسب الكتاب صدًى جديداً تماماً. والواقع أن استحضار أورويل للماضي “القابل للتغيير” يتردد صداه اليوم باعتباره حقائق بديلة. ورغم تغيُّر العالم تماماً منذ عام 1949، وبعد مرور 70 عاماً على نشرها؛ فلا يزال عالم أورويل المرير والقاتم منطبقاً على ما نعيشه اليوم.

المصدر: فورين أفيرز

 اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة