الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

بفضل التمنيع… مليونان إلى ثلاثة ملايين شخص ينجون من الموت سنوياً

كيوبوست- مدى شلبك

على مدى قرونٍ طويلة عانى الإنسان من أمراض معدية فتكت بصحته وأودت بحياته، لكنه حاول إيجاد علاجات لها، منها ما استند إلى الخرافة كالمساحيق المباركة من قِبَل القديسين والتمائم، ومنها ما كان أكثر عقلانية كالعقاقير القلوية والأعشاب والحمامات الباردة في بعض الأحيان.

ومع أن شعوباً فكرت بمواجهة الأمراض عبر التلقيح، كالصينيين، الذين حاولوا خلال القرن السادس التخلّص من مرض الجدري، عبر طحن القشور الناجمة عنه، ونفخها في فتحات الأنف، فإن الثورة الحقيقية التي حصلت في مجال علم المناعة، وقدمت للبشرية خدمة لا تعوض، تمثلت بابتكار أول لقاح في العالم على يد الطبيب البريطاني إدوارد جينر، عام 1796م، وكان ذلك اللقاح آنذاك مضاداً لمرض الجدري أيضاً، عبر تلقيح الأجسام بمرض “جدري البقر” ذي الأعراض الأخف وطأة.

مبتكر لقاح الجدري، الطبيب البريطاني إدوارد جينر- The National Library of Medicine

خلال السنوات الأولى لابتكاره، لم يؤخذ لقاح جينر على محمل الجد، لكن جينر واظب على التجريب والترويج للقاح حتى اعتمدته بعض الدول الأوروبية بشكلٍ إلزامي خلال القرن التاسع عشر، ومن هناك انطلقت فكرة التلقيح التي انتشرت على نطاقٍ واسع لمواجهة عدة أمراض، وأصبحت إلزامية في معظم دول العالم ضمن ما يعرف بالتمنيع أو التحصين، الذي تحتفل به منظمة الصحة العالمية سنويًا خلال آخر أسبوع من شهر أبريل، منذ عام 2012م.

التمنيع وفوائده

تُعرّف منظمة الصحة العالمية التمنيع على أنه تدخل صحي معترف به على نطاقٍ واسع، يتم خلاله استخدام اللقاحات لحماية الناس من الأمراض أيَّا كانت أعمارهم، ويعتبر التمنيع من أنجح التدخلات الصحية وأعلاها مردودية في العالم، إذ يُنقذ ملايين الأرواح كل عام.

وتكمن أهمية التمنيع بأنه يمكّن الجسم من الدفاع عن نفسه عبر توليد مناعة ضد الأمراض التي تسببها بكتيريا أو فيروسات معينة قبل الإصابة بها، وذلك بفضل اللقاحات التي تتكون من الجراثيم المسببة للأمراض المعدية، والتي تحمي الجسم الملقح بها من المرض، لأنها تكون إما ميتة أو ضعيفة، لكنها بالمقابل تمكّن جهازه المناعي من بناء القدرة على مقاومة تلك الأمراض، عبر التعرّف عليها أولاً، ثم تكوين أضداد لها (بروتينات ينتجها الجهاز المناعي بشكل طبيعي لمكافحة المرض).

اقرأ أيضاً: جائحات الكوليرا.. تاريخ أسود يأبى الانقطاع

علاوة على بناء القدرة على مقاومة الأمراض، فإن الجهاز المناعي يمتلك ذاكرة تمكّنه بعد التلقيح، من تذكّر المرض وكيفية محاربته، بحال تعرض الجسم للجرثومة في المستقبل، وهذا ما يفسّر أن اللقاحات تقي من الأمراض المعدية لسنواتٍ أو عقود أو حتى مدى الحياة.

وكشاهد على فعالية التمنيع، يحمي التلقيح سنوياً حوالي 2-3 مليون شخص من الوفاة، من  25 مرضاً معدياً مختلفاً، مثل الدفتيريا والحصبة والسعال الديكي وشلل الأطفال والكزاز، وفقاً لتقديرات منظمة الصحة العالمية.

على نطاق واسع

ولم يتم الوصول إلى لقاحات الأمراض الخمسة والعشرين بضربة واحدة، فبعد أن كشف جينر عن لقاحه ضد الجدري، تلاه ظهور لقاحات أخرى، كان ثانيها لقاح داء الكلب، الذي اخترعه عالم الكيمياء الفرنسي “لويس باستور” عام 1885م.

اقرأ أيضاً: إدوارد جينر.. أبو علم المناعة ومخترع أول لقاح في التاريخ

وطوّر باستور لقاحه عبر حقن طفل (9 سنوات) عضه كلبٌ مسعور، بنوعٍ ضعيف من فيروس داء الكلب لمدة 13 يوماً متواصلة، وعليه لم يصب الطفل بالداء أبداً. ومع أن طريقة باستور مشابهة لطريقة جينر، فإنها وسّعت معنى اللقاح ليشمل قائمة طويلة من الأمراض؛ كالسعال الديكي والدفتيريا والكزاز والإنفلونزا والنكاف، ثم خلال الخمسينيات طوِّر لقاحٌ ضد شلل الأطفال، إضافة إلى الحصبة، والحصبة الألمانية خلال الستينيات، وفيروسات أخرى على مدى العقود التالية.

لوحة للرسام ألبرت إديلفيلت تصور لويس باستور في مختبره- Photos.com/Thinkstock

أما فيما يتعلّق بدخول التلقيح حيزاً واسع النطاق، فكان ذلك عندما قرر برنامج التمنيع الموسع التابع لمنظمة الصحة العالمية عام 1977م، منح كل طفل في العالم إمكانية الوصول إلى التحصين ضد ستة أمراض بحلول عام 1990م، والأمراض هي: الخناق، والسعال الديكي، والكزاز، وشلل الأطفال، والحصبة، والسل.

أحرزت حملات التمنيع العالمية نجاحاً ملموساً، إلّا أن فترة أواخر التسعينيات شهدت تراجعاً، ونتيجة لذلك، لم يتم تحصين نحو 30 مليون طفل بشكلٍ كامل في البلدان النامية، التي لا تحتمل تكلفة اللقاحات.

أطفال يتجمعون في مخيم في منطقة فالومبي، ملاوي، 3 فبراير/ شباط 2022- Lameck Masina/VOA

ونتيجة لذلك العجز بتلقيح الأطفال، بُذلت جهودٌ موسعة في سبيلِ توفير التطعيمات اللازمة للدول الفقيرة، كتحالف “”Gavi الذي تأسس عام 2000م، في محاولة لدفع الشركات المصنعة للقاحات إلى خفض الأسعار في تلك الدول، مقابل طلب طويل المدى وبكميات كبيرة، وتمكّن التحالف من تحقيق مبتغاه، فبفضله انخفض معدل وفيات الأطفال إلى النصف.

اليوم لا تزال بعض الدول تفرض التطعيم الإجباري على مواطنيها، بالمقابل تعتمد دول أخرى، التطعيمات الطوعية، وسياسة الترويج النشط، فيما لا يزال حوالي 20 مليون طفل في العالم غير مطعمين على الإطلاق أو غير مطعمين بالكامل، ما قد يعرضهم لخطر الإصابة بالأمراض الفتاكة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات